مع انطلاق ماراثون الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لتحديد هوية الكنيست القادم، في انتخابات تُوصف بأنها الأكثر تقارباً في تاريخ إسرائيل الحديث.
تشير استطلاعات الرأي إلى تعادل شبه تام بين معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ومعسكر المعارضة، مع توقع حصول كل منهما على نحو 51 مقعداً في كنيست من 120 مقعداً، بينما تحصد القوائم العربية 14مقعداً، وفق خبراء لـ"المشهد" يرون بأن "هذا التوازن الهش يمنح الكتل الصغيرة والأحزاب العربية ثقلاً حاسماً في تشكيل الحكومة المقبلة، لكنه يفرض في الوقت نفسه حالة من الغموض على الفلسطينيين الذين لا يملكون أيّ صوت في هذا الاستحقاق".
وفي ظل هذا الصراع على إدارة إسرائيل يقف أكثر من 5 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس خارج المعادلة الانتخابية، لكنهم في قلب نتائجها، فمصيرهم معلق بمن سيشكل الحكومة القادمة، هل يعاد إعمار غزة أم تبقى رهينة الحصار والانقسام؟ وهل يتسع الاستيطان وضم الضفة أم يجمد؟ وهل يبقى حل الدولتين عنواناً معلقاً بلا أفق، أم يدفن رسمياً؟

ويأتي هذا الاستحقاق في لحظة مفصلية تمر بها القضية الفلسطينية، فغزة لا تزال تلملم جراحها بعد حرب مدمرة، والضفة الغربية تشهد تصاعداً في وتيرة الاستيطان والاقتحامات، وتعيش تحت ضغط التهجير والضم الفعلي، وفي ظل هذا الواقع، تبدو الانتخابات الإسرائيلية وكأنها استحقاق داخلي لا علاقة له بالفلسطينيين، لكن نتائجه ستحدد ملامح حياتهم للسنوات القادمة.
أولويات واستحقاقات الحكومة المقبلة
أكد الخبير والمحلل السياسي الإسرائيلي المختص بالشؤون العربية، كوبي لافي لمنصة "المشهد" أنه قبل أن يصل أي معسكر إسرائيلي إلى ملف غزة والضفة والدولة الفلسطينية، عليه أن يجتاز أولاً اختبارات أمنية وجودية، إيران، "حزب الله"، "حماس"، هذه هي البوابة التي ستمر منها أيّ سياسة تجاه الفلسطينيين.
وأضاف لافي "أي معسكر يفوز سواء نتانياهو أو المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، سيواجه أولاً وقبل كل شيء قضايا أمنية وجودية، وليس الملف الفلسطيني، إيران، "حزب الله"، "حماس"، هذه هي الأولويات التي ستحدد أجندة الحكومة المقبلة، بغض النظر عن هوية رئيسها، نتانياهو أكد على ذلك، وهذا ليس شعاراً انتخابياً، بل هو إعلان عن أولويات إستراتيجية آيزنكوت، رغم أنه يقدم نفسه بديلاً أكثر براغماتية".
وقال "إيزنكوت لا يختلف جوهرياً، يدعو إلى توجيه إنذار نهائي لحماس بنزع سلاحها أو القضاء عليها، كلاهما يضع التهديد الإيراني ووكلاءه في قلب السياسة الأمنية الإسرائيلية، أي حكومة جديدة ستبدأ عملها بملف أمني مشتعل، وليس بملف إعادة إعمار غزة أو الاستيطان، القضايا الفلسطينية المصيرية ستأتي لاحقاً، وإذا جاءت، فستأتي في سياق أمني لا تفاوضي".

ولفت لافي إلى أن الملفات الفلسطينية مؤجلة إلى مابعد إيران و "حزب الله" و"حماس"، قائلاً "بخصوص غزة، الموقف الإسرائيلي واضح، لا إعادة إعمار قبل نزع سلاح "حماس"، منطق نتانياهو إعادة الإعمار إما بالطريقة السهلة أو الصعبة، أما آيزنكوت اقترح إنذاراً نهائياً لـ"حماس"، إما أن تنزع سلاحها، أو نقضي عليها.
وأوضح "عملياً هذا يعني أن غزة ستبقى في حالة انتظار طويل، بغض النظر عن الفائز، أما الضفة الغربية والدولة الفلسطينية، لا أحد في المعسكرين يضع الدولة الفلسطينية على جدول أعماله، آيزنكوت لا يدعم حل الدولتين، ونتانياهو يرفض الدولة الفلسطينية كتهديد أمني".
وشدد الخبير السياسي لافي أن "من سيفوز بالانتخابات المقبلة، سواء كان نتنياهو أو آيزنكوت، سيواجه أولاً إيران و"حزب الله" و"حماس"، القضايا الفلسطينية المصيرية ستأتي لاحقاً، وستأتي في ظل أجندة أمنية تفرضها هذه الملفات، لا إعمار حقيقي في غزة، ولا وقف للاستيطان، ولا دولة فلسطينية، الفارق بين المعسكرين تكتيكي، وليس إستراتيجياً".
معسكران بوجه واحد
من جانبه، يرى البروفيسور أسعد غانم الخبير السياسي أن "الفرضية التي تنطلق منها معظم التحليلات بأن هناك فارقاً جوهرياً بين معسكر نتانياهو ومعسكر المعارضة هي وهمية، وما نشهده ليس صراعاً على وجهة السياسة تجاه الفلسطينيين، بل على إدارة هذه السياسة".
وقال غانم في حديث لـ"المشهد" إن "إسرائيل بمجملها انتقلت إلى موقع أكثر تطرفاً، ولم يعد الحديث عن دولة فلسطينية جزءاً من أي نقاش جدي داخل أروقة القرار الإسرائيلي، فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، انتهت جميعها إلى إدارة الاحتلال لا إنهائه، الفارق بين المعسكرين ليس في الوجهة، بل في الأسلوب".

وأشار إلى أن "ملف إعمار غزة ليس ملفاً تقنياً أو إنسانياً، بل ورقة سياسية بيد الحكومة الإسرائيلية، إسرائيل تربط أي تقدم في هذا الملف بالاستحقاق الانتخابي، وترفض عملياً أي ترتيب حقيقي يسمح ببدء إعادة الإعمار، لا ضمانات لقوة شرطة جديدة، ولا تسهيلات لمواد البناء، حتى لو تغيرت الحكومة، فإن الشروط الإسرائيلية الجوهرية لن تتغير، لأن الإجماع الإسرائيلي على رفض أي ترتيب يمنح الفلسطينيين سيادة أو كرامة في غزة هو إجماع عابر للأحزاب".
وأكد غام أن "إسرائيل لم تنتظر أي انتخابات لتقرر مصير الضفة، الضم الفعلي يحدث على الأرض، الانتخابات قد تغير الإيقاع، لكنها لن تغير الاتجاه".
وأوضح قائلا "المعسكران يتنافسان على من يستطيع إدارة الضفة بكفاءة أكبر، لا على من سيوقف الاستيطان أو يجمده، لا أحد في المعارضة الإسرائيلية يضع وقف الاستيطان على جدول أعماله، ولا أحد يتحدث عن إنهاء الاحتلال، وحل الدولتين لم يعد مطروحاً في إسرائيل ولا عن دولة فلسطينية قابلة للحياة، أو أفق سياسي، ما تريده إسرائيل هو ترتيب إداري أمني في الضفة وغزة، لا دولة، والانتخابات الإسرائيلية، أياً كانت نتيجتها، لن تعيد هذا الحل إلى الطاولة".

حسابات الفوز الإسرائيلية
بدوره، يربط المحلل السياسي والخبير بالشؤون الإسرائيلية نظير مجلي تأثير انتخابات الكنيست الإسرائيلي على القضايا المصيرية للفلسطينيين بنتائجها المرتقبة، مؤكداً أن ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع هو ما سيحدد حجم هذا التأثير واتجاهه، لا الوعود الانتخابية ولا الخطابات المعلنة.
وقال مجلي "من الصعب أن نعطي جواباً قاطعاً لما بعد الانتخابات الإسرائيلية، لأنه يتعلق بأي تركيبة للحكومة، فلا يكفي أن نتحدث عن معسكرين، لأنه من المتوقع أن يتحولا إلى معسكر واحد، فإذا نجحت فكرة حكومة وحدة وطنية تضم آيزنكوت ونتانياهو معاً فهذا حساب آخر.

وأشار إلى أن "المسألة مركبة، نتانياهو براغماتي على الرغم من العنفوان الذي نراه في سياساته اليمينية المتطرفة، وحارب اتفاقيات أوسلو لكنه طبقها حينذاك، وحساباته باتت محدودة مع الرئيس ترامب الذي يشعر بأن نتانياهو ورطه في عدة قضايا، ما يجري في هذه المعركة الانتخابية هو أن الدولة العميقة الإسرائيلية تبحث عن مصالح إسرائيل الإستراتيجية بعيداً عن الشخصية، تريد رئيس حكومة أن يكون محرراً من القيود الشخصية لينطلق للأمام في إحداث تغيير تركيبة الحكم في إسرائيل والقضايا الأخرى للفلسطينيين".
بعد فرز الأصوات، يبدأ تركيب الحكومة، وهي مرحلة لا تقل تعقيداً، فنتانياهو سيواجه ضغوطاً داخلية وخارجية ومتغيرات ميدانية ستحدد السياسة تجاه الفلسطينيين.
وقال "حتى لو قلنا بأن نتانياهو سيركب الحكومة القادمة، هل سيركبها بالطريقة الموجودة اليوم؟ اليمين المتطرف، حيث إن استطلاعات الرأي لا تعطيه إمكانية كهذه، بل الفشل، وفي حال تمكن من حكومة كهذه توجد لديه مشكلة، يقال إن الرئيس الأميركي وتحالفاته في المنطقة وضرورات الوضع المتوتر أمنياً، والدور الذي تلعبه إيران مستغلة السياسة الإسرائيلية من الممكن أن يدمر الكثير، لذلك الولايات المتحدة قد تفرض على إسرائيل أجندة أخرى".
أما معسكر آيزنكوت، فيقدم نفسه بديلاً أكثر براغماتية، لكنه لن يحكم وحده، سيحتاج إلى شركاء، وسيواجه الضغوط نفسها من واشنطن والمتغيرات الميدانية في غزة والضفة، وكلها ستحدد سياسته تجاه الفلسطينيين، بغض النظر عن وعوده.
واعتبر مجلي أنه "إذا فاز آيزنكوت لا يعد بثورة في تفكيره فيما يتعلق بقضايا الفلسطينيين والمنطقة، بالتأكيد سيكون أكثر عقلانية في التعاطي مع تلك القضايا أكثر من نتانياهو، هو يريد بالطبع أن يتغير الوضع في إسرائيل ويعرف جيداً أنه لكي يتغير وضع إسرائيل في العالم عليه أن يغير السياسة وهو حساس لوضع إسرائيل ومكانتها في العالم أكثر من نتانياهو الذي يحارب بالأساس من أجل البقاء السياسي، وضد محاكمة الفساد".



