تحولت حرب إيران خلال حملة انتخابات التجديد النصفي الأميركية، إلى أحد أبرز عناوين التصويت العقابي ضد الرئيس دونالد ترامب. فقد انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، بعد خسارة الجمهوريين 6 مقاعد على الأقل في الشيوخ، وتجاوز الديمقراطيين عتبة 235 مقعدا في النواب.
وبذلك تدخل الحرب مرحلة جديدة عنوانها: رئيس يملك قرار القوة، وكونغرس يملك مفاتيح التمويل والمساءلة. ويبقى السؤال الجوهري عن قدرة الديمقراطيين الفعلية على وقف الحرب، وعن توقيت ذلك وثمنه.
تصويت عقابي
في السياق، يؤكد رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيراني الدكتور، محمد محسن أبو النور، أنّ "هناك سردية يجري الحديث عنها الآن في طهران، بكون الحرب الأميركية أفقدت ترامب والحزب الجمهوري الكثير جدا من شعبيته، لأنها لم تحقق أيّ هدف من الأهداف المرجوة من هذه الحرب، بل إنها حمّلت المواطن الأميركي أعباء متعلقة بسعر الأغذية والأطعمة والنفط وما إلى ذلك، وبالتالي أدخلت أميركا المجتمع في حرب لم يستفد منها، بل الذي استفاد منها شركات النفط الأميركية التي تجاوزت مكاسبها على الأقل 200 مليار دولار في هذه الشهور التي تلت 28 من فبراير 2026".
وكنتيجة لما سبق، يشرح المتحدث ذاته لـ"المشهد"، أنّ المواطن الأميركي قرر أن يقوم بتصويت عقابي ضد المرشحين الجمهوريين، معاقبة للسياسات الجمهورية التي اتخذت قرارا بهذه الحرب. و"لكن هل يعني ذلك أنّ هناك عملية عسكرية أميركية جديدة على إيران في غضون الأشهر القليلة المتبقية؟ الإجابة نعم، لأنّ العملية العسكرية هي أمر حتمي بالنسبة للصراع الأميركي الإيراني"، يقول أبو النور.
ويضيف: "تأسيسا على أنّ النظام الأميركي حتى الآن لم يحقق أيّ هدف من الأهداف الإستراتيجية التي حددها هو لنفسه قبل الحرب، بل إنه أضاف ورقة إستراتيجية لم تكن في حوزة النظام الإيراني، وهي إغلاق مضيق هرمز، ثم تضرر الدول الشقيقة الصديقة والحليفة للولايات المتحدة الأميركية، وهي دول الخليج، من العمليات العدوانية الإيرانية عليها، وهذا حمّل أميركا خسائر سياسية وجيوستراتيجية كبيرة جدا".
ترامب: قرار الحرب صائب
جاء رد ترامب الأول على الهزيمة حاسما؛ إذ قال لموقع "بوليتيكو"، إنه مقتنع تماما بأنّ قراره بشأن إيران كان صائبا لمصلحة بلاده والعالم على المدى الطويل. وهو موقف ينسجم مع خطابه طوال العام، حين ردد أنّ الانتخابات لا تدخل في حساباته حيال طهران، وأنّ هدفه الوحيد منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
غير أنّ الرئيس نفسه لمّح إلى استعداده للعمل مع الديمقراطيين، قائلا إنه لا يريد قضاء عامين في نقض كل شيء، قبل أن يعود ويصف نفسه بأنه سيصبح "السيد فيتو". هذه الازدواجية تفتح بابا للمساومة، من دون أن تشكل تعهدا بإنهاء الحرب.
أدوات الديمقراطيين: 3 أسلحة
تمنح السيطرة على المجلسين الديمقراطيين 3 أدوات رئيسية:
- الأولى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي يُلزم الرئيس من حيث المبدأ بإنهاء الانخراط العسكري بعد 60 يوما من دون تفويض من الكونغرس، مع مهلة إضافية حتى 30 يوما للانسحاب الآمن. وقد أعد الديمقراطيون خطة للأيام المئة الأولى تتضمن كبح الحرب.
- الثانية سلاح الموازنة، وهو الأكثر فاعلية عمليا. فمجلس النواب يستطيع رفض طلبات الإنفاق الإضافية، أو ربطها بشروط تمنع توسيع العمليات. لكنّ هذه الورقة محفوفة بالمخاطر، إذ سيواجه الديمقراطيون اتهامات بحرمان القوات المنتشرة من احتياجاتها، ما يفرض عليهم صياغة قيود دقيقة تستهدف التصعيد وتحمي الجنود.
- الثالثة تتمثل التحقيقات والجلسات، الأداة الأسرع أثرا. فرئاسة اللجان تتيح استدعاء المسؤولين وطلب الوثائق ومساءلة الإدارة عن أهداف الحرب ومدتها وكلفتها الحقيقية. ويبرز هنا وزير الحرب بيت هيغسيث هدفا أول، بعدما أعلن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، أنّ حزبه سيعمل على إقصائه، وألمح ديمقراطيو الشيوخ إلى أنّ رحيله قد يكون ثمن التعاون في الملفات الأمنية.
حدود القوة: الفيتو والثلثان
في المقابل، تصطدم هذه الأدوات بسقف دستوري واضح. فأيّ تشريع ملزِم يقيّد الحرب، سيواجه على الأرجح الفيتو الرئاسي، وتجاوزه يتطلب أغلبية الثلثين في المجلسين، وهي أغلبية لا يملكها الديمقراطيون رغم اتساع فوزهم. كما أنّ عزل هيغسيث، حتى لو أقر مجلس النواب لوائح الاتهام بأغلبية بسيطة، يحتاج إلى إدانة بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ.
ويقدم التاريخ درسا بليغا؛ ففي عام 2006 انتزع الديمقراطيون الكونغرس على وقع رفض شعبي لحرب العراق، لكنهم أخفقوا في فرض جدول للانسحاب بعدما نقض جورج بوش الابن، مشروعهم عام 2007، واضطروا في النهاية إلى تمرير التمويل.
لا تنتقل السلطة التشريعية فور إعلان النتائج، إذ تبدأ ولاية الكونغرس الجديد في الثالث من يناير 2027. ويقول المحلل السياسي عزت إبراهيم في منشور على حسابه بـ"فيسبوك":
- الكونغرس الجديد لن يبدأ عمله قبل 3 يناير المقبل، وبالتالي فالشهران القادمان هما الأصعب، مع إقدام ترامب على تصرفات فردية، وربما إنهاء بعض الملفات قبل استعادة الديمقراطيين دفة القيادة في المجلس التشريعي.
- وقف آلة الحرب ووضع النخبة المشبوهة حول ترامب تحت الميكروسكوب ربما يكونان التحدي الأصعب والأكثر أهمية اليوم، بعد الموجة الزرقاء في الكونغرس. كثير من الكلام يقال، لكنّ الأيام القادمة ستختبر معدن الحكومة المنقسمة الوليدة بين رئيس جمهوري عنيد وأغلبية ديمقراطية كاسحة.
وتتراوح السيناريوهات المطروحة بين 3 مسارات:
- انسحاب تدريجي يقدمه ترامب باعتباره انتصارا.
- إبقاء حالة "اللاحرب واللاسلم" مع استمرار التوتر في مضيق هرمز.
- توجيه ضربة حاسمة لتحسين شروط التفاوض قبل يناير.
فوز الديمقراطيين هدية لطهران؟
من الخطأ قراءة فوز الديمقراطيين باعتباره هدية لطهران. فسجل الحزب لا يدعم هذه الفرضية:
- إدارة بيل كلينتون تبنت "الاحتواء المزدوج" وشددت العقوبات عام 1995، ثم أقرت قانون العقوبات على إيران وليبيا عام 1996، وأمرت بضرب العراق عام 1998.
- وإدارة باراك أوباما قرنت الاتفاق النووي عام 2015 بعقوبات دولية واسعة، مع الإبقاء على الخيار العسكري، فيما أمر جو بايدن عام 2024 بضرب مواقع للحرس الثوري وحلفائه في العراق وسوريا.
الخلاف إذن يدور حول الوسيلة أكثر من الهدف: اتفاق ورقابة وعقوبات، أم ضربات مفتوحة؟ ولذلك قد تتعايش معارضة الديمقراطيين لحرب مفتوحة، مع دعمهم لضربات محددة لحماية القوات الأميركية. وأيّ تصعيد إيراني واسع قد يفكك وحدتهم بسرعة.
في هذا الإطار، يرى الدكتور محمد محسن أبو النور، أنّ "ترامب سيلجأ إلى جانب الضغط الذي يمارسه نتانياهو على ترامب صباح مساء، إلى ضرورة توجيه ضربة عسكرية قاسمة للنظام الإيراني. يستلزم على الرئيس الأميركي أن يحفظ ماء وجهه ويقوم بضربة ما على النظام الإيراني كي يستعيد بعضا من شعبيته المفقودة في الداخل الأميركي بعد هذه الحرب". لكن ماذا عن النظام الإيراني؟ كيف سيؤثر فوز الديمقراطيين على توجهاته وقراراته؟
يجيب أبو النور بالقول إنّ النظام الإيراني سوف يكون أكثر ارتياحا لفوز الديمقراطيين، "لأنهم سوف يكوّنون كتلة معطلة لأيّ قرار أميركي متعلق بحرب مطولة على إيران"، ويضيف:
- أيّ رئيس ديمقراطي يلي ترامب سيذهب للتسوية السياسية مع إيران تماما كما فعل بايدن وكما فعل أوباما.
- النظام الإيراني سيتعاطى بإيجابية مع فوز الديمقراطيين ولن يقدم لترامب مسوّغات أو اتفاقا يسمح له بأن يحصل على انتصار حقيقي.
النفط في قلب المعركة
تبقى الكلفة الاقتصادية محور الصراع المقبل في واشنطن. فالإدارة تبرر الحرب بعوائد أمنية بعيدة المدى، بينما يركز الديمقراطيون على أثرها الراهن في الإنفاق العسكري وأسعار الطاقة وأعباء المعيشة، وهي الملفات نفسها التي دفعت الناخبين نحوهم. وأيّ إشارة إلى تهدئة في الشرق الأوسط والخليج، ستنعكس سريعا على أسواق النفط، ما يجعل جلسات الاستماع المقبلة حول كلفة الحرب حدثا تتابعه الأسواق بقدر ما تتابعه العواصم.
لا يملك الكونغرس الجديد مفتاح إنهاء الحرب منفردا، لكنه قادر على رفع كلفتها السياسية إلى مستوى غير مسبوق. والأرجح أن تفضي المرحلة المقبلة إلى عامين من "الكوابح المتبادلة": رئيس يستطيع النقض، وكونغرس يستطيع التعطيل. أما الطريق إلى التهدئة، فقد يمر عبر تسوية يستطيع ترامب تسويقها باعتبارها ثمرة للحرب، فيما سيُختبر الديمقراطيون بقدرتهم على تحويل رفض الحرب إلى بديل قابل للتنفيذ.



