بعد إعلان حركة حماس شنّ عملية "طوفان الأقصى" على إسرائيل، ما أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص حتى الآن، في أسوأ هجوم تتعرض له منذ حرب أكتوبر 1973، ردت تل أبيب بشنّ هجوم عنيف على قطاع غزة، أدى إلى تدمير أحياء بالكامل ومقتل أكثر من 1000 فلسطيني.
ويرى المحللون أنّ هذا القصف المكثّف على القطاع، هو مقدمة لعملية اجتياح بريّ لقطاع غزة، تستعدّ لها إسرائيل، لكنّهم حذروا من خطورة هذه الخطوة على الطرفين الإسرائيليّ والفلسطيني.
ويقول الخبير العسكريّ اللواء سمير فرج، لمنصة "المشهد"، إنّ عملية الاقتحام البريّ للمدن هو أصعب ما تقابله الجيوش التقليدية ويُعتبر مقبرة لها.
خطط إسرائيل للاجتياح
يرى الخبير العسكري والمسؤول السابق في البنتاغون ديفيد دي روش، أن العملية العسكرية البرية لإسرائيل على قطاع غزة ستكون معقدة وصعبة.
وأضاف دي روش، في حديثه مع منصة "المشهد": "الجيش الإسرائيلي في الماضي كان مقيد بعدد من العوامل في حروبه على غزة. أهمها أنه يعلم أن ما سيتم تدميره في القطاع يجب أن يعيد بناءه. ولكن أعتقد أنه في هذه المرة، بناءً على عدد القتلى المدنيين بعد هجوم حماس، فلن يكونوا قلقين بشأن ذلك".
وتؤكد تقارير صحفية أنّ القادة الإسرائيليّين ما زالوا يدرسون شكل عملية الاجتياح، هل سيكون توغّلا محدودا على غرار ما حدث في عام 2014، عندما استولى الجيش الإسرائيليّ على الأراضي المتاخمة للحدود، بهدف إغلاق الأنفاق المستخدمة لتهريب الطعام والمقاتلين والأسلحة. وتمسكوا بضواحي المدن الرئيسية لتجنّب حرب المدن.
أما الخيار الثاني هو عملية غزو أعمق لاحتلال مساحات أكبر من قطاع غزة، بما في ذلك دخول المدن، كما حدث في عام 2009، لكن بشكل أكثر قسوة ومحاولة تدمير البنية التحتيّة لقطاع غزّة وحركة حماس.
وهو ما يؤكده تصريحات القادة الإسرائيليّين خلال الأيام الماضية، فقد قال المبعوث الإسرائيليّ في الأمم المتحدة: "لقد انتهى عصر التفكير مع هؤلاء المتوحّشين. حان الوقت لتدمير البنية التحتيّة الإرهابيّة لحماس، لمحوها تمامًا، حتى لا تُرتكب مثل هذه الفظائع مرة أخرى أبدا".
ويرى الباحث في جامعة جورج تاون دانييال بايمان، في تصريحات لمجلة "إيكونوميست"، هذا الخيار صعب لأنّ حماس متجذّرة بعمق في غزة، وموجودة في مجموعة من الجمعيات الخيرية والمدارس والمساجد. ويقول إنّ "فصل حماس عن غزة مهمة شبه مستحيلة".
كما استبعد المحلّلون فكرة إعادة احتلال غزة، حتى لو جزئيًا بشكل دائم، لأنه أمر مكلف للغاية.
كيف سيكون شكل هجوم إسرائيل؟
يقول الخبير العسكريّ سمير فرج، إنّ أيّ جيش قبل شنّ هجوم بري يتبع استراتيجية "الأرض المحروقة" باستخدام المدفعية والطيران المكثّف لتدميرها تمامًا، وهو ما فعتله إسرائيل في غزة خلال الأيام الماضية.
وأكد أنّ الجيش الإسرائيلي سيقسّم القطاع إلى 4 أقسام، وسيبدأ الاقتحام من الأطراف الأربعة للقطاع، ثم يتقدم للسيطرة على قطعة ثم قطعة، أما إذا حاول الاقتحام مرة واحدة لتشتيت قوات المقاومة، فهذا سيؤدي إلى خسائر كبيرة له.
وبحسب تقرير لمجلة "إيكونوميست"، إذا أمر القادة الإسرائيليون في نهاية المطاف باجتياح واسع النطاق، فمن المحتمل أن يتقدم لواءان مدرّعان مزوّدان بالدبابات مسافة 6 كيلومترات غربًا إلى الساحل، إما شمال أو جنوب مدينة دير البلح، وهي مدينة مركزية، لتقسيم غزة إلى قسمين.
ومن المحتمل أن تركز وحدتان أو ثلاث وحدات أخرى بحجم لواء - تضم كل منها بضعة آلاف من الرجال - على الشمال، بما في ذلك حول مدينة غزة، ووحدة أو اثنتان أخريان على خان يونس ورفح في الجنوب.
وبذلك تستهدف إسرائيل القطاع من جميع الجهات، مع التركيز على قادة حماس والبنية التحتيّة للحركة التي لا يمكن ضربها من الجو.
كما ستلعب جغرافيا غزة دورا في عملية تشنّها إسرائيل على القطاع، حيث يمتدّ القطاع على مساحة 360 كم مربع، حيث يكون طوله 41 كم، أما عرضه فيتراوح بين 5 و15 كم. تحدّ إسرائيل قطاع غزة شمالًا وشرقًا، بينما تحده مصر من الجنوب الغربي.
ويتوقع المحللون العسكريون أن تستخدم إسرائيل طرق الاجتياحات السابقة نفسها، سواء الأراضي الزراعية بجوار معبر إيريز في أقصى شمال غزة وحول مدينة دير البلح.
كما ستستخدم خط التلال الذي يطل على وسط غزة وإلى الشرق من خان يونس في الجنوب، حيث يمكن للدبابات والمدرعات التحرك بشكل أكبر وإطلاق النار.
استخدام الذخائر الموجهة
واستخدمت إسرائيل في الماضي هذه المواقع، لقطع الاتصالات بين مدينة غزة والمناطق الأخرى من القطاع.
وتعلم حماس جيدًا أنّ هذه هي الطرق التي ستستخدمه في حالة الاجتياح، لذلك ستحاول أن يكون لها خطوط دفاعية وكمائن وألغام فيها لمنع التقدم.
ومن المتوقع أن تعتمد إسرائيل بشكل كبير على دبابتها ميركافا، التي تشبه الدبابة القتالية الألمانية ليوبارد 2، وتشارك في المعارك بأوكرانيا.
وتم تصميم الدبابة وتصنيعها إلى حدّ كبير في إسرائيل، وتتميز بدرع أمامي ثقيل لتوفير أقصى قدر من الحماية لطاقمها الرباعي وهي مسلحة بمدفع رئيسي عيار 120 ملم، بالإضافة إلى أسلحة ثانوية.
ويؤكد فرج أنّ إسرائيل ستعتمد بشكل كبير على القصف بالمدفعية الثقيلة وصواريخ أرض – أرض، بالإضافة إلى الاستخدام المكثّف للمسيّرات سواء في الاستهداف أو الاستطلاع.
ويرى دي روش أن إسرائيل ستعتمد بشكل كامل على الذخائر الموجهة بدقة. وقال: "لقد رأينا بالفعل في حملة القصف الجوي حيث قاموا بإسقاط مبانٍ محددة. أسقطوا بعض المباني، على سبيل المثال، في حين تركوا المباني المجاورة غير متأثرة".
ويتوقع المحللون أنه بمجرد توغّل الجيش الإسرائيلي في مدن القطاع سيخوض حرب العصابات، التي تفرض قتالًا بالأيدي وتقلّل من الرؤية وتزيد الفخاخ وتطمس القدرة على التمييز بين المدنيّين والجنود.
ووصف أندرو غالر، وهو ضابط بريطانيّ سابق أصبح اليوم محلّلًا لدى مجموعة "جاينز" المعلوماتية، لوكالة الأنباء الفرنسية: "ساحة معركة بزاوية 360 درجة حيث التهديد في كل مكان"، من المجاري إلى الأسطح ومن الطوابق السفلية إلى الأسقف الزائفة.
ويوضح أن تأمين كلّ مبنى يحتمل أن يكون محاصرًا يعني تعبئة خبراء لإزالة الألغام ونشر سلالم وحبال ومتفجّرات، وكلّ ذلك "ربما خلال تعرّضه لضربات" ربّما ليلية. بالإضافة إلى ذلك، "هناك مخاطر من النّيران الصديقة"، مرتبطة بانتشار المقاتلين وتنقّلاتهم وفق قوله.
كيف سيكون ردّ حماس؟
تتمتع حماس بسنوات من الخبرة في محاربة الجيش الإسرائيلي، وقد أصبحت قوة حضرية فاعلة وقابلة للتكيّف. ولديها نواة من القادة القتاليّين ذوي الخبرة الذين لديهم معرفة وثيقة بالطريقة الإسرائيلية في القتال، وبعضهم من الناطقين بالعبرية الذين درسوا الجيش الإسرائيلي بعمق.
في عام 2014، استخدمت حماس فرق هجومية صغيرة، ولكن مدجّجة بالسلاح، ومجهّزة بمدافع رشاشة وصواريخ موجهة وقنابل يدوية مضادة للدبابات، وترتدي أحيانًا زيّ الجيش الإسرائيلي، لإيقاع خسائر حتى في أفضل التشكيلات الإسرائيلية والمدرعات، وفقًا لدراسة أجرتها مؤسسة راند.
وتمتلك حماس مخزونًا كبيرًا من صواريخ كورنيت المضادة للدبابات والتي تم استخدامها بفاعلية، بما في ذلك من قبل حزب الله في لبنان ضد الدبابات القتالية الرئيسية الإسرائيلية.
كما طوّرت الجماعة طائرات من دون طيار مجهزة بالذخيرة من النوع المستخدَم على نطاق واسع في أوكرانيا والتي يمكنها إسقاط قنابل على المركبات والقوات، وهو تهديد جديد، بالإضافة إلى صواريخ مضادة للدبابات مشابهة لصواريخ ستينغر الأميركية.
كما أنّ الطائرات من دون طيار الاستطلاعية ستعطي حماس قوة استخباراتية في مراقبة تحركات الجيش الإسرائيلي.
ويقول الخبير العسكري مايكل كلارك لقناة سكاي نيوز إنّ "حماس مجهزة تجهيزا جيدا بأنواع معيّنة من الأسلحة، وهي مدرّبة على استخدامها".
وأشار فرج إلى أنّ حماس في هذه المعارك لن تحتاج إلى معدات ثقيلة، بل أسلحة خفيفة مثل "آر بي جي" وبعض الصواريخ المضادّة للدبابات.
أنفاق غزة
إحدى المشاكل الرئيسية التي تواجه إسرائيل في أيّ محاولة لشن هجوم بري، هي أنها ستضطر إلى مواجهة مواقع حماس المجهزة، بما في ذلك الأنفاق القتالية التي تمّ تطويرها على نطاق واسع على مرّ السنين، وفي بعض الحالات مجهّزة بأنظمة الاتصالات.
وتمتلك حماس مئات الكيلومترات من الأنفاق في غزة، وسيكون تحديد مداخلهم وإسقاط المتفجرات أولوية بالنسبة لهم. وسيكون التحدي الأكبر هو حرب المدن، وهي عمل فوضويّ معروف.
ويتمركز المقاتلون على عمق يصل إلى 30 أو 40 مترًا تحت الأرض، وينتشرون بعيدًا عن نطاق الضربات. يمكن لبطاريات قاذفات الصواريخ المخبأة على عمق بضعة أمتار، أن تخرج من خلال نظام الباب المسحور لتطلق النار وتختفي مرة أخرى.
جزم مدير الأبحاث في مركز صوفان في نيويورك كولين كلارك، أنّ حركة حماس "تعرف أنفاقها عن ظهر قلب".
وأضاف "بعضها فيها فخاخ. الاستعداد للقتال في مثل هذه الأماكن (...) سيتطلب معلومات استخباراتية واسعة النطاق (...) والتي قد لا يمتلكها الإسرائيليون".
وأكد دي روش أن المعركة في المدينة خطرة على الجنود والمدنيين على حد سواء، مشيرا إلى أنه عادةً ما يتعرض الجيش للمزيد من الخسائر في المناطق المزدحمة والمدن مقارنة بما يتعرض له في المناطق المفتوحة.
وقال: "لذلك أعتقد أننا سنشهد مستوى من الخسائر الإسرائيلية التي لم نشهدها في السنوات الأخيرة". وتابع: "ومن المؤسف أنه كلما كنت في منطقة مزدحمة ونظرًا لحقيقة أن حماس تستخدم المعدات العسكرية والذخيرة والمواقع العسكرية في مناطق مأهولة بالسكان كوسيلة لحماية نفسها من الهجوم الإسرائيلي، أعتقد أننا يمكن أن نتوقع عددًا كبيرًا من القتلى المدنيين الفلسطينيين".
سينطوي على العملية تعقيد إضافي، هو أنّ حركة حماس احتجزت عشرات المدنيّين كرهائن، معظمهم من الإٍسرائيليّين، لكن أيضًا عمّال أجانب وجنود ربّما، وفق وسائل إعلام إسرائيلية.
وقالت الباحثة في علم الاجتماع في المجلس الوطني للبحوث العلمية في فرنسا سيلفين بول المتخصصة بالشؤون الإسرائيلية، "لن يغفر المجتمع الإسرائيليّ إذا لم تكن حياة الرهائن أولوية. الضغط الذي يمارسه الرأي العام كبير و(رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتانياهو يعرف ذلك تمامًا".