hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 الخارجية اللبنانية لـ"المشهد": قرار طرد السفير الإيراني اتخذ ولا تراجع

قرار طرد السفير الإيراني من لبنان تحوّل إلى اختبار فعلي لسلطة الدولة (إكس)
قرار طرد السفير الإيراني من لبنان تحوّل إلى اختبار فعلي لسلطة الدولة (إكس)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • الحكومة اللبنانية تطرد السفير الإيراني.
  • وزراء الثنائي الشيعي يقاطعون جلسة الحكومة.
  • الحكومة اللبنانية تؤكد إصرارها على قرار طرد السفير.

يجد لبنان نفسه أمام منعطف سياسيّ دقيق، حيث تتقاطع الأزمة الدبلوماسية مع إيران مع الانقسام الداخلي الحادّ، في لحظة إقليميّة شديدة الحساسيّة. قرار طرد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني لم يكن مجرّد إجراء بروتوكولي، بل تحوّل إلى اختبار فعليّ لسلطة الدولة ولموازين القوى داخل الحكومة.

وبين من يرى في القرار محاولة جديّة لإعادة الاعتبار لهيبة الدولة وتكريس مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومن يعتبره تصعيدًا خطيرًا يهدّد التوازنات الهشّة، انفجرت مواجهة سياسية مفتوحة داخل الحكومة وخارجها.

ومع تداخل الأبعاد القانونية بالديناميات السياسية، باتت هذه القضية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها، ولتماسك مؤسّساتها في ظلّ ضغوط داخلية وخارجية متزايدة.

ردود الفعل الداخلية والخارجية

أشعل القرار انقسامًا حادًّا داخل الساحة اللبنانية. فقد قاد "الثنائي الشيعي"، أي "حزب الله" و"حركة أمل"، حملة رفض واسعة، معتبرين أنّ القرار غير قانوني ويمسّ بالعلاقات مع إيران، بل ويستهدف شريحة أساسية من اللبنانيين. وذهب بعض المسؤولين إلى حدّ الدعوة لعدم امتثال السفير للقرار، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم التحدّي للسلطة التنفيذية.

فرئيس مجلس النواب نبيه بري كان في طليعة المعترضين، حيث ضغط باتّجاه التراجع عن القرار، ولوّح بإمكانية تصعيد سياسيّ. أمّا "حزب الله"، فاعتبر القرار "خطيئة وطنية"، وربطه بسياق إقليمي أوسع، متّهمًا خصومه بالانحياز إلى الضغوط الخارجية. 

هذا ودعا نائب رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" الوزير السابق محمود قماطي، للمشاركة في وقفة تضامنيّة اليوم الخميس عند الساعة 4:00 عصرًا في بئر حسن – أمام السفارة الإيرانية.

ولم تقتصر الاعتراضات على المستوى السياسي، بل امتدّت إلى المرجعيات الدينية الشيعية، خصوصًا عبر نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، الذي حذّر من تداعيات قرار "السلطة المتهوّرة"، معتبرًا أنّه قد يؤدّي إلى انقسام داخلي خطير.

في المقابل، حظي القرار بدعم قوى سياسية أخرى، أبرزها حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية، اللذان وجدا فيه خطوة ضروريّة لاستعادة سيادة الدولة.

وقد ذهب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أبعد من ذلك، داعيًا إلى استبدال وزراء "الثنائي" في حال استقالوا، في مؤشر إلى استعداد الأكثرية للمضي قدماً دونهم.

بالإضافة إلى ذلك، صرّح الوزيران جو عيسى الخوري (وزير الصناعة) وكمال شحادة (وزير المهجّرين ووزير دولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي) عن عزم الحكومة على عدم التراجع عن قرار طرد السفير الإيراني، فيما أكّدت وزيرة السياحة لورا الخازن (لحود) رفضها لتدخّل إيران في الشؤون اللبنانية وضرورة توجيه الحكومة هذه الرسالة لطهران.

ماذا نتج عن جلسة مجلس الوزراء اليوم؟

انعقدت جلسة مجلس الوزراء ظهر اليوم في السرايا الحكومية وسط أجواء مشحونة، لتتحوّل إلى اختبار فعلي لقدرة الحكومة على الصمود.

وفيما قاطع وزراء "الثنائي الشيعي"، ياسين جابر (وزير المالية)، تمارا الزين (وزيرة البيئة)، محمد حيدر (وزير العمل)، ركان ناصر الدين (وزير الصحّة العامّة)، الجلسة الوزارية، حضر وزير التنمية الإدارية فادي مكّي (المحسوب على رئيس الحكومة)، ليؤمّن بالتالي الميثاقية المطلوبة (رغم أنّ الأخيرة تشير حصرًا إلى التوازن والتوافق المسيحي-الإسلامي، وليس بين الطوائف).

رغم تبرير حضوره إيمانًا منه بأنّ "المشاركة الفاعلة تُشكّل ضرورة وطنية لضمان انتظام العمل العام ومواجهة التحدّيات المتفاقمة"، إلّا أنّ الوزير مكّي قد أعلن معارضته التدبير الذي اتّخذته وزارة الخارجية.

"القرار اتخذ"

أمّا الملفت في الأمر، هو عدم تطرّق مجلس الوزراء إلى قضية طرد السفير الإيراني برمّته خلال الحلسة المذكورة، ممّا دفع البعض للتساؤل عن موقف الحكومة من الملفّ.

في هذا الإطار، أكّدت مصادر في وزارة الخارجية لـ"المشهد" أنّ القرار قد اتُّخذ بالفعل، ولا تراجع عنه.

في إطار متابعة التطوّرات المرتبطة بقرار وزارة الخارجية اللبنانية بشأن السفير الإيراني، أجرى "المشهد" مقابلة حصرية مع وزير الخارجية اللبناني السابق فارس بويز، الذي شرح الخلفيات القانونية والسياسية للقرار والسيناريوهات المحتملة.

في مستهلّ حديثه، أوضح بويز أنّ الحكومة اللبنانية كانت قد اتّخذت منذ أسبوعين موقفًا اعتبرت فيه أنّ أعمال حزب الله العسكرية والأمينة "ليست مشروعة". وانطلاقًا من هذا الموقف، رأى وزير الخارجية أنّ تصريحات ومواقف السفير الإيراني في لبنان تتناقض مع سياسة الحكومة وتشكّل تدخلًا في الشؤون الداخلية اللبنانية، ما دفعه إلى اتّخاذ قرار باعتباره "شخصًا غير مرغوب فيه".

وأشار بويز إلى أنّ هذا القرار لا يُعدّ أعلى درجات التصعيد الدبلوماسي، إذ إنّ أقصى إجراء يمكن أن تتّخذه الدولة هو قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق السفارة، وهو ما لم يحصل. ولفت إلى أنّ قرار وزير الخارجية يبدو أنّه جاء بالتفاهم مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ما يعني عدم وجود أزمة داخلية على مستوى مؤسّسات الدولة، رغم وجود اعتراض من قبل "الثنائي الشيعي".

خيارات الحكومة

وبالنسبة إلى الخيارات المتاحة أمام السفير الإيراني، فأكّد بويز أنّها تنحصر في مسارين:

  • الامتثال للقرار: مغادرة لبنان خلال المدّة المحدّدة، مع الحفاظ على الأعراف الدبلوماسية، وتجنّب التصعيد؛ وهو الخيار الطبيعي.
  • عدم الامتثال للقرار: البقاء في السفارة رغم قرار الطرد، وهو ما يُسقط حصانته نظريًا، ولكن الدولة مقيّدة بحرمة السفارة (embassy inviolability) المصونة بموجب الاتفاقيات الدولية. لا يمكن للأجهزة الأمنية اللبنانية الدخول وإنفاذ القانون دون انتهاك القانون الدولي، كون السفارة تتمتّع بالحصانة الدبلوماسية وتُعتبر أرضًا إيرانية.

في المقابل، شدّد بويز على أنّه إذا غادر السفير مبنى السفارة، ولم يكن داخل سيارة دبلوماسية مشمولة بالحصانة، فإنّه يعرّض نفسه للاعتقال بهدف ترحيله من البلاد، باعتباره لم يعد معترفًا به كسفير من قبل الدولة اللبنانية.

وأضاف أنّ السفير، في هذه الحالة، يفقد الحصانة الدبلوماسية ويُعامل كمواطن إيراني عادي، لا يحمل تأشيرة دخول أو إقامة قانونية، ما يجعل وجوده مخالفًا للقانون ويستوجب ترحيله.

أمّا بالنسبة لخيارات الحكومة، فتشمل ما يلي:

  • المضي بالقرار: إنّ عدم التطرّق لمسألة طرد السفير قد يشير إلى موافقة ضمنية لمجلس الوزراء على القرار ويؤكّد موافقة الرئيس عون وسلام عليه. فاعتبر بويز أنّه لو كانت الحكومة تعارض القرار، لكانت هذه القضية قد طُرحت للنقاش نظرًا لأهمّيتها.
  • إيجاد تسوية أو مخرج ما: أمّا السيناريو الثالث، فيقوم على حلّ وسطي يجمع ما بين السيناريوهين الأوّلين ويلاقي مخرجًا مقبولًا لدى الطرفين؛ وهو من شأنه تهدئة التشنّجات مع الحفاظ على المصداقية المؤسّسية.

في هذا الإطار، رأى بويز أنّ هذا الأمر ليس سهلًا في المدى القريب، مشيرًا إلى أنّ السيناريو الأكثر ترجيحًا هو بقاء السفير داخل السفارة لفترة زمنية قد تمتدّ لأشهر، ما يؤدّي إلى "تجميد" القضية تدريجيًا. وختم بالقول إنّه لا يرى إمكانية فعلية لتسوية فورية لهذا الملف.