في أحد البرامج الحوارية، سُئل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، كيف تريد أن يتذكّرك الناس في إسرائيل؟ فأجاب "أود أن يتذكرني الناس باعتباري حامي إسرائيل، هذا يكفي بالنسبة لي"، وقد ظلّ رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ إسرائيل، يُردد تلك العبارة على مدار عقد كامل من الزمان باللّغتين العبرية والإنجليزية، ويرفعها لافتة انتخابية رابحة له، "قد لا تحبني وقد لا تثق بي، لكني وحدي من يستطيع الحفاظ على سلامتك".
لكنّ مجد الرجل السياسي بنيامين نتانياهو انقلب كابوسًا في ليلة وضحاها، إثر هجوم "طوفان الاقصى" الذي أقدمت عليه حركة "حماس" في 7 أكتوبر، ما قلب أحوال إسرائيل ورئيس وزرائها رأسًا على عقب، وبدا الرجل أمام العالم يقود دولته نحو الخسارة والخراب بفعل أيضًا ما مرّ به على الساحة السياسية الإسرائيلية.
من هو بنيامين نتانياهو؟
يُعتبر بنيامين نتانياهو صاحب أطول فترة في منصب رئيس الوزراء في إسرائيل وصلت إلى 15 عامًا، ولد في تل أبيب عام 1949 اكتسب من والده عقيدة متشددة، الذي كان المساعد الشخصي لزعيم "تيار صهيوني" يسعى إلى تأسيس إسرائيل الكبرى.
في عام 1976، كان شقيقه يوناتان الجنديّ الإسرائيليّ الوحيد الذي قُتل أثناء مشاركته في عملية عسكرية نفذتها الوحدة التي كان يشرف عليها لتحرير الأسرى المحتجزين في طائرة خطفتها منظّمتان فلسطينية وألمانية في أوغندا، وقال نتانياهو إنّ مقتل شقيقه كانت له تداعيات شخصية كبيرة عليه.
ونشأ في جزء من حياته بالولايات المتحدة وتخرّج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا العريق، وهناك تعلّم اللغة الانكليزية، ركزت القنوات التلفزيونية الأميركية عليه أثناء دفاعه عن إسرائيل وهو ما ساهم في صعود نجمه كشخصية سياسية على الصعيدّين المحلي والدولي، في الثمانينيات، شغل منصبًا دبلوماسيًا في سفارة بلاده في واشنطن.
وتولى نتانياهو الذي لطالما شكّك في اتفاقيات أوسلو للسلام، زعامة حزب الليكود عام 1993 وقاده إلى الفوز في الانتخابات ليكون أصغر رئيس وزراء لإسرائيل عام 1996 عندما كان يبلغ من العمر 46 عامًا.
خسر السلطة عام 1999، لكنه استعادها بعد 10 سنوات ليبقى على رأسها، ويدافع نتانياهو عن رؤيته لإسرائيل بوصفها دولة يهودية، يجب أن تمتدّ حدودها من الجهة الشمالية الشرقية وصولًا للأردن، ومن هنا يأتي وعده بضم غور الأردن في الضفة الغربية.
ولنتانياهو ولدان من زوجته ساره وابنة من زواج سابق، وهو متّهم اليوم بثلاث قضايا تتعلّق بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، لكنه ينفيها جميعها.
الرجل المتجهّم الباحث عن الانتصار
ضغوط إسرائيلية وعالمية تواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو خلال قيادته للحرب الحالية على غزة، الأكاديميّ والمحلل السياسيّ د.عمر رحال يقول لمنصة المشهد: "على الصعيد الشخصي هو يريد أن يبقى لأطول فترة زمنية ممكنة في الحكم، السلطة والحكم أثرت به، كذلك التأثير الكبير لزوجته سارة التي تريد أن تبقى السيدة الأولى في إسرائيل، ولاحظنا في كل الانتخابات التي جرت أنه أحاط نفسه بتوليفة من أقصى اليمين، والمحسوبين على الوسط، ومن الليكود، وذلك يعني أنه يريد التشبّث بسدة الحكم".
ويتابع د.رحال، "وجود نتانياهو كرئيس وزراء منذ عام 1996 حتى اليوم، فكل ما كان يشعر بأنّ هناك شيئًا سيؤثر على استمرار حكومته كان يذهب إلى مغامرة عسكرية هنا أو هناك، الآن يطرح نفسه كوريث للآباء المؤسسين لإسرائيل، وهو يحاول أن يُقنع الشارع الإسرائيليّ بأنه هو القادر على توفير الأمن لهم، شخصيته معقّدة، وهو ليس شخصًا ودودًا ولا قريبًا للقلب، هو دمويّ وعنيد ومتمسك بالكرسي ولو على حساب الآخرين".
ويعتقد الأكاديميّ والمحلل د.رحال، بأنّ نتانياهو يدير الحرب على غزة بهذه الشراسة والحقد والإيغال لسببَين:
- الأول ما حدث في 7 أكتوبر كان المسمار النهائيّ في نعش نتانياهو السياسي، والفصل الأخير لوجوده في المسرح السياسيّ الإسرائيلي.
- الثاني يريد الخروج من نتائج التحقيق منتصرًا، لكي لا تدينه اللجنة، فقسّم الحرب لمرحلتَين: الأولى القتل والدمار والهدم، والثانية تحرير الأسرى، لكي يخرج منتصرًا.
واستدرك قائلًا: "هناك بعض الدول الصديقة لإسرائيل مازالت تقف إلى جانب نتانياهو وروايته حول غزة، فهو أقنع الأوروبيّين بأنّ هذه الحرب حربنا وحربكم، وأنّ إسرائيل وكيلة أوروبا في مكافحة الإرهاب، وجيّش العالم وصوّر المقاومة على أنها منظمة إرهابية، وهو يصعّد على لبنان ويستفز الأردن ومصر ويضرب سوريا، من أجل إقناع الولايات المتحدة والأوروبيّين لتوسيع الحرب إلى إقليمية ليستمر في الحكم".
وحول خطابات نتانياهو يرى د.رحال بأنّ نتانياهو قبل الحرب "كان يعتمد الخطاب الدبلوماسيّ التصعيدي، يأخذ الأمور باتجاه تأزيم المواقف تجاه ايران، وسوريا، ولبنان، وأثناء الحرب وحّد خطابه بأنّ المقاومة إرهابية، ويتوجب على العالم الحر أن يقف إلى جانب إسرائيل، ويستخدم مصطلحات مثل: بأنه يريد اجتثاث الإرهاب من المنطقة، والجيش الإسرائيلي أخلاقي، ويلبس ملابس الحداد متجهّم الوجه، يتحدث عن ضرورة توفير الأمن للإسرائيليّين وعلى عودة الأسرى الإسرائيليّين، يحاول إقناع الإسرائيليّين بأنه القائد والحامي لهم، وأما خطابه أمس حول الهدنة وتبادل الأسرى كان منمّقًا وتبريريًا، حاول تقديم نفسه، بأنّ إسرائيل منتصرة وتقوم بواجبها وتحقيق أهداف مهمة، ومستعد لدفع ثمن من أجل إعادة الأسرى لذويهم".
المجتمع الإسرائيلي ينتظر إنجازًا عسكريًا من نتانياهو، وإلا سيُحاكم
وفي هذا الصدد، يقول الكاتب والإعلامي يوني بن مناحيم في حديث خاص مع منصة المشهد، "المتوقع من بنيامين نتانياهو أن يكون قويًا وصلبًا وصامدًا في تحركاته وخطاباته طوال فترة الحرب على غزة، وكذلك في أوقات السلام والحرب، وهذه ليست الحرب الأولى لنتانياهو في غزة، حيث كانت فيها العديد من جولات القتال، لذلك له تجارب عديدة في غزة".
ويشير بن مناحيم، "إلى أنّ الحرب على غزة بقيادة نتانياهو حقّقت وما زالت تحقّق أهداف عسكرية استراتيجية، خصوصًا السيطرة على منطقة شمال غزة، فهناك مطلب شعبيّ إسرائيليّ بالانتقام الشديد من حركة "حماس" على ما أقدمت عليه يوم 7 أكتوبر، ويتوجب على نتانياهو تحقيق ذلك حتى لا يحاكم بعد انتهاء الحرب".
وعلى صعيد متصل، يرى المحلل السياسيّ الاسترتيجيّ آفي ميلاميد في حديث خاص مع منصة المشهد، أنّ "الحكومة الإسرائيلية أمرت الجيش بالقضاء على "حماس" بغزة نتيجة الهجوم في 7 أكتوبر، وكل الحروب السابقة التي شنّتها إسرائيل على غزة كان هناك تردد للقيام بحملة برية خشية سقوط واختطاف الجنود، وكذلك الضرر لأهل غزة، لكن هذه المرة تغيّرت المعادلة، وبالتالي تجربة نتانياهو في الحرب مستمدّة أيضًا من الفريق الذي حوله".
وحول قيادة نتانياهو للحرب، يضيف ميلاميد، "هناك من يقول إنّ نتانياهو يريد إطالة الحرب لحماية نفسه من المحاكمة، ورأي آخر بأنه على مدار السنوات سمح لـ"حماس" بالبقاء في غزة، الآراء مختلفة حول شخصية نتانياهو وطريقة إدارة الحرب الحالية على غزة، وتعود لوجهة النظر السياسية، هناك من ينتقده وهناك من يدعمه".
أما بالنسبة لخطابات نتانياهو يقول ميلاميد، "هناك فرق شاسع في الخطابات بين حالة الحرب واللاحرب، والتي تتمحور حول القضاء على حركة "حماس"، وهذا استغلال لتعزيز سمعته وشخصيّته على الساحة الإسرائيلية".