لم يكن استدعاء السفير الإيراني لدى موريتانيا إلى وزارة الخارجية في نواكشوط إجراءً بروتوكولياً عابراً، إذ جاء على خلفية زيارة أجراها السفير جواد أبو علي أكبر إلى منطقة بوسديرة، وقد أثارت جدلاً سياسياً ودبلوماسياً، خصوصًا بعد توقيف 3 أشخاص على خلفية استضافته ودعوته إلى المنطقة.
استدعاء السفير
وقالت الخارجية الموريتانية إن استدعاء السفير جاء للاحتجاج على تحركات تتناقض مع الأعراف الدبلوماسية والضوابط المنظمة لعمل الممثلين الأجانب، مؤكدة في رسالتها على احترام سيادة البلاد وعدم التدخل في شؤونها والالتزام بالقواعد الدبلوماسية.
ويرى الصحفي الموريتاني الربيع أدومو أن تحرك السفير الإيراني إلى بوسديرة ربما كان يستهدف، من بين أمور أخرى، الحصول على حضور أو غطاء إعلامي، مشيراً إلى أن الأعراف الدبلوماسية تقتضي إبلاغ وزارة الخارجية بتحركات السفراء داخل البلاد، لتنسيق الجوانب الأمنية والبروتوكولية المرتبطة بها.
وقال أدومو لقناة ومنصة "المشهد" عبر برنامج "المشهد الليلة" مع الإعلامية كاترين دياب، إن الزيارة اكتسبت حساسية إضافية بسبب طبيعة النشاط الذي حضره السفير، وما رافقه من إطلاق نار باعتباره مظهراً من مظاهر الترحيب، معتبراً أن مثل هذه المشاهد يمكن أن تفتح الباب أمام قراءات سياسية وإعلامية، خصوصاً في ظل الحرب والتوترات الإقليمية الحالية.
تجنب الأزمات
وبحسب أدومو، فإن موريتانيا تحرص تقليدياً على انتهاج سياسة تقوم على تجنب الأزمات مع محيطها الإقليمي والدولي، وبالتالي لا تريد أن تتحول أراضيها إلى ساحة توظيف سياسي أو إعلامي في صراعات خارجية.
وأضاف أن السفير الإيراني كان يفترض أن يلتزم بالبروتوكولات المعمول بها لدى البعثات الدبلوماسية الأجنبية، وأن ينسق مع وزارة الخارجية قبل القيام بمثل هذه الزيارات.
ولا يرى أدومو أن ما حدث في بوسديرة يمثل، على حد وصفه، حالة بروتوكولية منفردة، مشيراً إلى واقعة سابقة استضاف فيها السفير الإيراني في مقر السفارة شباباً قالوا في تصريحات مسجلة إن لديهم أنصاراً مستعدين لمساندة إيران وحمل السلاح.
وتابع أن مثل هذه الوقائع تضع الخارجية الموريتانية أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على لغة دبلوماسية هادئة، والتأكيد في الوقت نفسه على أن بعض التحركات غير مقبولة بالنسبة إلى السلطات الموريتانية.
موطئ قدم في إفريقيا
وتكتسب موريتانيا أهمية جيوسياسية بحكم موقعها عند تقاطع دوائر عربية وأفريقية وأوروبية، وهو ما يجعلها، بحسب أدومو، ذات أهمية بالنسبة إلى الدول التي تسعى إلى توسيع حضورها في القارة الإفريقية.
ويقول الصحفي الموريتاني إن إيران تبحث عن موطئ قدم في إفريقيا، وإن موقع موريتانيا يمكن أن يجعلها محط اهتمام ضمن هذه الإستراتيجية، في ظل تنافس إقليمي ودولي متزايد على تعزيز النفوذ والحضور في دول القارة.
من ثم، فالتحركات الدبلوماسية الإيرانية في موريتانيا ينبغي قراءتها كذلك في سياق الحرب والتوتر الحاليين، إذ قد تُستخدم بعض المشاهد التي توحي بوجود تعاطف شعبي مع إيران في الدعاية الإعلامية المرتبطة بالصراع.
وتحاول موريتانيا، وفق هذا الطرح، الحفاظ على مسافة من الصراعات الإقليمية والدولية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة مع أطراف متعددة.
ويخلص أدومو إلى أن الرسالة الموريتانية تتمثل في ضرورة احترام الأطر الدبلوماسية وعدم تحويل أي نشاط أو تحرك للسفارة إلى مادة يمكن توظيفها في الصراع الإقليمي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على العلاقات الرسمية بين نواكشوط وطهران.



