تتفاقم الأوضاع في السودان بفعل الانخراط المتزايد للنظام الإيراني على مستوى تقديم الدعم العسكري واللوجيستي للجيش الذي يقوده عبد الفتاح البرهان، من خلال التسليح والتدريب بواسطة عناصر "الحرس الثوري". إذ إن المسيّرات الإيرانية التي زوّدت بها طهران القوات المسلحة السودانية تؤدي أدوارًا مزدوجة ومشبوهة، حيث تواصل تأزيم المشهد السياسي وانسداده، وإعاقة أي فرص للتسوية.
الإخفاق السياسي
ذلك الأمر الذي يترتب عليه، استمرار متتالية الإخفاق السياسي، مقابل تصاعد وتيرة القتلى التي بلغت في سنوات الحرب الـ3 نحو 150 ألف شخص بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
ووفق مصادر تحدثت لمنصة "المشهد"، فإن حرب المسيّرات الإيرانية المتصاعدة في السودان تؤشر إلى انتقال الصراع من المواجهات التقليدية إلى مرحلة استنزاف تقني مفتوح، تتداخل فيها الأبعاد الإقليمية والدولية بصورة متزايدة، بما يحوّل البلاد إلى ساحة تنافس تتجاوز حدود الأزمة الداخلية.
في حين يعكس الاعتماد المتنامي على الدعم والتسليح الإقليمي، من بينها التكنولوجيا الإيرانية، تعثّر الحسم العسكري الداخلي واتجاه الأطراف المعتمدة على أدوات خارجية إلى تعويض هذا العجز، بما يرفع منسوب المخاطر الإستراتيجية على وحدة الدولة واستقرارها، كما تشير المصادر ذاتها.
ويضاعف انتشار هذا النوع من السلاح المتفلت احتمالات استهداف المدنيين وتوسيع رقعة الدمار، ويغذّي ديناميات حرب طويلة الأمد تقوم على الاستقطاب والدعم الخارجي، الأمر الذي يهدد بإضعاف الدولة المركزية وفتح الباب أمام تفكك تدريجي، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى تسوية توقف عسكرة السياسة وتعيد ضبط القرار السيادي ضمن إطار وطني مستقل.
وكان منتدى المنظمات غير الحكومية الإفريقية الذي انعقد في العاصمة الغامبية بانجول واختتم جلساته الأحد، قد طالب بضرورة تحرك دولي عاجل، بينما دعا منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بنشر فرق فنية مستقلة للتحقيق في استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية في مناطق النزاع.
وتتزامن هذه الدعوات مع مخاوف بشأن احتمالات اتساع نطاق الحرب وتحول السودان إلى ساحة لتقاطع النفوذ الإقليمي في إطار بحث طهران عن موطئ قدم لها جديد بالمنطقة في ظل الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي، وتوظيف الموقع الجيوإستراتيجي للسودان الذي يتقاطع مع البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ليصبح نقطة ارتكاز جديدة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، وتهديد المصالح الإقليمية والدولية بورقة ضغط مماثلة لما يجري في مضيق هرمز.
وقد نجحت المسيّرات في تغيير طبيعة العمليات العسكرية، بما في ذلك توجيه ضربات دقيقة وأخرى واسعة النطاق، ما انعكس على ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وامتداد القتال إلى مناطق سكنية ومنشآت خدمية.
تحول نوعي
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، يقول القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني عروة الصادق، إن الحرب في السودان تشهد "تحولاً نوعيًا" مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة، بما يعكس انتقال الصراع من المواجهات التقليدية إلى نمط أكثر تعقيداً يقوم على الاستنزاف التقني والانخراط الإقليمي المفتوح.
ويقول الصادق: "هذا التطور يترتب عليه تحوّل البلاد تدريجياً إلى ساحة تداخل نفوذ إقليمي ودولي يتجاوز حدود الأزمة الداخلية، في ظل اللجوء إلى أطراف إقليمية مثل إيران والحصول على دعم خارجي متزايد يعكس تعثر الحسم العسكري المباشر".
كما يبعث الاعتماد على تكنولوجيا إيرانية أو التسليح الخارجي من قبل "الحرس الثوري"، بمخاوف عديدة وجمّة تتصل بإعادة تموضع السودان داخل خرائط التنافس الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وما قد يرافق ذلك من تصاعد في الاستقطاب والتدخلات المضادة، بحسب ما يوضح القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني، مشددًا على أن هذا السلاح المتفلت وصل إلى قبضة "الكتائب الإخوانية" المتطرفة التي كانت تقطع به طريق كل هدنة يتم تدشينها، وتضاعف من خلاله حدة الاحتقان باستهداف المدنيين والمرافق المدنية.
كما يفاقم انتشار هذا النوع من السلاح من المخاطر الأمنية والإنسانية، عبر توسيع نطاق الاستهدافات ورفع كلفة الحرب على المدنيين والبنية التحتية، وفق الصادق، محذرًا من أن استمرار التصعيد بالمسيّرات لن يؤدي إلى حسم عسكري أو استقرار سياسي، بل قد يكرّس حالة حرب طويلة الأمد تتآكل فيها مؤسسات الدولة كما تتوسع فيها دوائر العنف، الأمر الذي ينتهي بإضعاف السلطة المركزية وترسيخ اقتصاد حرب قائم على الدعم الخارجي.
ورغم ذلك، تتزايد الدعوات المطالبة بمسار وطني يحدّ من عسكرة المجال السياسي ويعيد ضبط القرار السيادي، بما يمنع انزلاق البلاد لمزيد من التفكك تحت ضغط التدخلات الخارجية وتعدد مراكز القوة المسلحة.
قلق إفريقي من تدخل إيران
وفي ما يبدو أن هناك ما هو أبعد من مجرد "قلق إفريقي" بخصوص الصراع في السودان، على حد توصيف الكاتب الصحفي السوداني محمد المختار محمد، لافتًا في حديثه لـ"المشهد"، إلى تحول في طبيعة ومسار الحرب بالسودان في ظل تنامي دور إيران وتزويدها الجيش بالمسيّرات، الأمر الذي يجعل النزاع ليس مجرد حرب أهلية إنما يتسع لحدود تهديد الأمن الإقليمي.
ويقول المختار محمد، إن "القلق الإفريقي" له بواعث عديدة، مع تنامي دور جماعة "الإخوان" الإرهابية التي تدير الحرب بشكل فعلي من خلف ستار الجيش، خصوصًا بعد انكشاف دور شبكات الجماعة الأم للإسلام السياسي في صفقات السلاح مع إيران، وخشية الدول الإفريقية من أن تكون جماعة "الإخوان" في السودان بمثابة معبر للأسلحة غير التقليدية للجماعات المتطرفة والحركات المسلحة.
ويخلص الكاتب الصحفي السوداني إلى أن الحرب في السودان باتت معقدة للغاية، حيث تتقاطع فيها صراعات النفوذ الإقليمي مع الأجندات "الإخوانية"، المحلية والإقليمية، كما التخادم السياسي والميداني مع إيران. وهذا الأمر أدى إلى تحويل السودان لساحة اختبار للتقنيات الإيرانية، حيث يتم استخدام المسيّرات الإيرانية في هجمات دقيقة وأخرى عشوائية، ما تسبب في رفع حصيلة الضحايا المدنيين، وأدت إلى إطالة أمد الحرب وتقويض الإسلامويين لكل الجهود الدولية من أجل إقرار هدنة إنسانية، خصوصًا بعد أن ساعدت المسيّرات الإيرانية الجيش في فك حصار مناطق استراتيجية واستعادته للعاصمة الخرطوم.
المسيّرات الإيرانية
وإلى ذلك، يوضح الباحث والمحلل السياسي السوداني علي جاد الله أن حصول الجيش السوداني على طائرات مسيّرة من طراز "مهاجر-6" الإيرانية، لم يعد أمرًا خافيًا، بل يعد كاشفًا عن عملية "إعادة تنشيط العلاقات بين الخرطوم وطهران" بعد أعوام من القطيعة التي انتهت فعليًا منتصف العقد الماضي، قبل أن تعود الاتصالات تدريجيًا في أعقاب التغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد.
ويرى جاد الله في حديثه لـ"المشهد" أن هذا التقارب، يؤشر إلى تداخل متزايد ومعقد بين الاعتبارات السياسية والاحتياجات الميدانية في الحرب السودانية، حيث يلجأ الجيش إلى الحصول على دعم خارجي لتعويض اختلالات موازين القوة، إلا أن هذه المسيّرات نجم عنها "عمليات قصف طالت مناطق مدنية، بينها أحياء سكنية وأسواق ومرافق خدمية، الأمر الذي ترتب عليه اتساع نطاق الأضرار التي لحقت بالمدنيين".
ويلفت جاد الله إلى أن إيران تجد في الجيش السوداني "شريكًا براغماتيًا"، ومن ثم، فالعلاقة مبنية على مصالح جيوسياسية وأيديولوجية. ويختتم قائلًا: "ضباط الجيش السوداني جهاديون بطبيعتهم، فتم توظيف الخطاب الديني المؤدلج والمسيّس لتجنيد المقاتلين وتأطير الحرب ضد المجتمعات السودانية. كما أن شبكات التمويل والإمداد تتداخل مع دول في المنطقة تدعم تمويل شبكات السلاح، سواء بالمال أو بتسهيلات الإجراءات، وأهم هذه الشبكات مرتبطة بـ"الحرس الثوري" الإيراني وجماعة "الحوثي" ثم بوكو حرام في بحيرة تشاد ونهر النيجر".