مع اقتراب كل دورة انتخابية في العراق، تتجدد الأسئلة حول مستقبل المسيحيين، في ظل التحديات التي تواجههم، في مقدمتها مدى فعالية نظام الكوتا ومدى قدرة المرشحين المسيحيين على تمثيل القرار المسيحي وصياغة خطاب سياسي يعكس هويتهم وحقوقهم في وطنهم.
ويعد نظام الكوتا، من أبرز التعقيدات التي تواجه التمثيل المسيحي الحقيقي في البرلمان العراقي، ويعرف بأنه آلية قانونية تهدف إلى ضمان تمثيل الأقليات الدينية والعرقية داخل مجلس النواب من خلال تخصيص عدد محدد من المقاعد لكل أقلية، وخصص القانون العراقي 5 مقاعد للمسيحيين يتنافس عليها 30 مرشحاً موزعون بين بغداد، أربيل، دهوك، كركوك وسهل نينوى، لكن هؤلاء المرشحون يخوضون السباق الانتخابي بشكل فردي وليس ككتلة أو حزب سياسي مسيحي موحد ما جعلهم تحت تأثير الأحزاب الكبرى.
ويخوض العراق الدورة الانتخابية الخامسة لتشكيل الحكومة والبرلمان، التي سنطلق في 11 نوفمبر المقبل، لكن معظم الأحزاب المسيحية قاطعت الانتخابات اعتراضاً على نظام الكوتا والتهميش السياسي وتراجع الثقة بالعملية الديمقراطية، بينما برز اسم حربة بابليون المدعومة من الكتلة الشيعية كلاعب أساسي في الانتخابات البرلمانية العراقية.
سهل نينوى
يقول رئيس الهيئة المستقلة لحقوق الانسان في إقليم كردستان والسكرتير السابق للمجلس القومي الكلداني ضياء بطرس صليوا، لمنصة "المشهد": "لم أرشح نفسي للانتخابات المقبلة لأن القانون المعمول به حالياً يخدم الأحزاب الكبرى التي تملك المال والسلاح، كما أن قانون الكوتا لا قيمة له لأنه مُخترق من قبل الأحزاب الكبرى التي تأتي بشخصيات مسيحية تابعة لها يتم ترشيحها ورفدها بالأصوات، بعد فوزها تُضاف للحزب الذي تتبع له، بالتالي لن تستطيع الدفاع عن حقوق المسيحيين في البلاد".
وفي ليلة 6 أغسطس 2014، اجتاح تنظيم "داعش" مناطق سهل نينوى ذات الغالبية المسيحية، ونفذ عمليات تهجير جماعي للعائلات المسيحية، إضافة إلى إحراق الكنائس وتدمير البيوت وإجبار السكان الراغبين بالبقاء على دفع الجزية، وبعد تحرير البلاد عام 2017 انتشرت الفصائل المسلحة في المدن المسيحية إضافة إلى نفوذ سياسي للإطار التنسيقي.
عن ذلك يوضح صليوا: "المسيحيون الذين نزحوا من مركز الموصل ومناطق سهل نينوى، وصل عددهم إلى أكثر من 125 ألف مسيحي، نصفهم تقريباً لجأ إلى دول الجوار كلبنان والأردن وتركيا، منهم من وصل إلى أوروبا وكندا واستراليا، أما البعض الآخر فر إلى إقليم كردستان، وقسم قليل منهم عاد بعد التحرير، لكن على سبيل المثال مدينة باطنايا دمرت بنسبة 80%، وإلى الآن البنية التحيتية في هذه المدينة مفقودة، مثلها برطلا وقرقوش وغيرها".
وتابع "لم يتمكن أي نائب مسيحي خلال السنوات الماضية من تغيير واقع هذه المدن المسيحية، كما أن القانون رقم 36 للعام 2015، ينص أنه لا يحق لأي حزب يملك تنظيما عسكريا مسلحا أن يشارك في العملية السياسية والانتخابية، لكن على أرض الواقع الكثير من الأحزاب المشاركة في الانتخابات تملك قوة عسكرية على الأرض بعضها موجود في سهل نينيوى بالتالي عملية الانتخاب سيحكمها الخوف وشراء الذمم، إذاً أين الديمقراطية؟".
العقارات وأسلمة القاصرين
ومن أبرز التحديات التي تواجه الوجود المسيحي في العراق، ملف الاستيلاء على أراضيهم وعقاراتهم، حيث يؤكد مراقبون أنه يتم بيع عقارات العائلات المسيحية التي فرت أو هاجرت عبر وكالات عقارية مزورة، وأيضاً قانون البطاقة الوطنية المادة 26 التي تنص على أسلمة القاصرين، عن ذلك يقول النائب السابق في البرلمان العراقي والمرشح المستقل للانتخابات البرلمانية المقبلة عماد يوحنا لـ"المشهد" إنه لدينا أوليات سنعمل عليها في حال فوزنا بالانتخابات:
- تعديل قانون الكوتا وإلغاء ثغرة التصويل على مستوى الدائرة الوطنية، وترشيح شخصيات وطنية لا تتبع لأجندات سياسية.
- المطالبة بعودة الأراضي المسلوبة التي يتم استملاكها بحجة النفع العام في مناطق سهل نينوى والموصل وكركوك.
- المطالبة بتعديل المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية، التي تسمح بتحويل ديانة الطفل إلى الإسلام بمجرد تحوّل أحد أبويه إلى الديانة الإسلامية دون الانتظار لبلوغ الطفل 18 عام ثم تخييره بين دين أحد والديه، ما نصفه بأنه انتهاكاً لحرية المعتقد والهوية الدينية.
- سنعمل على تأمين عودة وتعويض العائلات المسيحية التي هُجرت من مدنها وقراها في سهل نينوى هرباً من تنظيم "داعش،" سنبذل جهدنا لإغلاق هذا الملف بالكامل.
- سنعمل على استحداث بلديات جديدة في سهل نينوى ووحدات إدارية، لكسر حالة خوف المكونات من بعضها والحفاظ على خصوصية كل منطقة وحصول كل مكون على حقوقه.
- سنعمل على تفعيل دور الشباب العراقي عامة والمسيحي خاصة، وإيجاد فرص عمل آمنة لهم للحد من الهجرة.
صراع القوى الكبرى
من ناحية أخرى، تبرز حركة بابليون بشكل واضح في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وهي الكتلة الوحيدة التي سترشح نفسها كحزب أو حركة مسيحية وليس كشخصيات مستقلة تابعة لأحزاب كبرى، لكنها تواجه رفضاً واسعاً من الكنيسة الكلدانية وقيادات مسيحية تتهمها بالارتباط بجهات شيعية في مناطق سهل نينوى.
وكتائب بابليون (اللواء 50 في الحشد الشعبي)، تتهمها القوى المسيحية الأخرى بأنها لا تعبرّ عن إرادة المسيحيين، بل غالبية عناصرها من الشيعة تم تجنيدهم من جنوب العراق، تسعى للسيطرة الإستراتيجية على مناطق سهل نينوى، عن ذلك يقول عضو مجلس محافظة نينوى وممثل المكون المسيحي في حركة بابليون الدكتور ربيع صوران، إن حركة بابليون تخوض الانتخابات البرلمانية للدفاع عن حقوق المسيحيين وفي مقدمتها:
- التصويت والمصادقة على قانون ضحايا قاعة الحمدانية. (مأساة قاعة الحمدانية وقعت في 26 سيبتمبر أثناء حفل زفاف مسيحي في قضاء الحمدانية بمحافظة نينوى، أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص وإصابة العشرات معظمهم من النساء والأطفال بسبب حريق هائل نجم عن الألعاب النارية وسوء تجهيز القاعة).
- التصويت والمصادقة على قانون حماية الأقليات.
- تمثيل المسيحيين بصورة صحيحة وليس بتبعية أو ظل لأحد، وأن يكون القرار المسيحي مستقل كما حصل في الدورة السابقة.
- ضمان حقوق المسيحيين وممتلكاتهم، وعودة المهجرين والنازحين إلى مناطقهم مع تأمين حمايتهم ضمن قوات تمثلهم من نفس المكون.
ويؤكد صوران، أن حركة بابليون نجحت خلال الدورة الحكومية السابقة في تمرير بعض القوانين المهمة للمكون المسيحي، منها ضمان عودة النازحين من المخيمات وبعض المهجرين من خارج البلاد. مضيفاً: استطعنا تمثيل المسيحيين في المحافل الدولية وفي الحكومة المركزيو بغداد بصورة جيدة، نحن نتحالف مع من يضمن تحقيق مصالح شعبنا ويحترم قرارنا المستقل.
سيناريوهات المسيحيين في العراق
وفي ظل كل هذه التحديات التي تواجه المكون المسيحي تتساءل الأوساط: ما السيناريوهات المتوقعة للمسيحيين في العراق؟
يجيب خبير شؤون التنوّع الديني وأستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية الدكتور سعد سلوّم على ذلك قائلا: "السيناريو الواقعي الأكثر تحققاً هو الانكماش الديموغرافي للمسيحيين كبقية الأقليات، 80% من المسيحيين هاجروا، تراجع عددهم بحسب تخمينات شبه رسمية، من مليون ونصف قبل عام 2003 إلى 200 ألف مسيحي فقط".
وأضاف لـ"المشهد" قائلا: "مع كل موجة عنف تُصيب البلاد يعقبها مباشرة هجرة مسيحية، من بداية حروب الكويت وإيران إلى الحصار ثم الاحتلال الأميركي وصولاً إلى هجوم تنظيم داعش، الذي كان الضربة القاصمة التي هجرّت ما تبقى من المسيحيين، رغم الاستقرار النسبي الذي تمر به البلاد الآن، إلا أن الهجرة مستمرة ولن يعيد هذا الاستقرار العائلات المهاجرة كما لن يعيد الوزن الديموغرافي للمسيحيين في العراق. وما يجعل المشهد أكثر تعقيداً، هو الانقسام المسيحي بين التيارات الكلدانية والآشورية والسريانية"، مضيفاً: "هنالك صراع مابين الهوية القومية والهوية الدينية، هذا كله فتت من وحدة القرار المسيحي في العراق".
أما السيناريو الإيجابي، بحسب سلوم، فهو مشروط بحل كل التعقيدات السابقة، وممكن الاستفادة من للمجتمع المسيحي في الخارج والجاليات المسيحية التي كوّنت لوبيات اقتصادية وسياسية مهمة، عبر دعوتها من قبل الحكومة للعودة والاستثمار على الأقل في المدن المسيحية كسهل نينوى أو منطقة عينكاوا في أربيل أو أي مناطق أخرى في العراق. هذا ممكن أن نسميه عودة منتجة للمسيحيين.
ويختم الدكتور سلوم حديثه بالقول: "طرحتُ في كتابي "المشاركة السياسية للأقليات" الصادر في العام 2017، فكرة تحويل الكوتا إلى مقاعد عابرة للطوائف، بالتالي أيضاً مطلوب من المسيحيين التخلي عن فكرة المكونات، وتأسيس أحزاب وطنية تتجاوز خلافاتهم الكلدانية الآشورية السريانية، وتأسيس تيار وطني مستقل".