مثّلت الخطوة التصعيدية التي قامت بها بريطانيا بإدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية تحولًا سياسيًا مهمًا ولافتًا، بينما يعكس هذا التحول إدراكًا لدور هذا التنظيم العسكري المؤدلج الذي يعد الكتلة الصلبة في بنية نظام "الولي الفقيه".
قوائم الإرهاب
وبحسب مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد"، فإن "الحرس الثوري" الذي صنفته أمس بريطانيا على قوائم الإرهاب، يضطلع بمهام عنف قصوى عى المستويين المحلي والإفليمي، منها قمع الداخل الإيراني وإدارة شبكات الاغتيالات والتجسس والتدخلات الإقليمية، الأمر الذي يستدعي أن تترافق مع هذه الخطوة عملية تجميد الأصول المالية لـ"الحرس" وإغلاق واجهاته الاقتصادية وملاحقة شبكاته الاستخباراتية، ومن ثم دعم الشعب الإيراني وخياراته الديمقراطية في مواجهة النظام.
وفي ما يبدو أن واشنطن تتجه إلى تصعيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على طهران بعد قناعتها بأن إيران استغلت بنود "مذكرة التفاهم" التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا بما يتعلق بإدارة مضيق هرمز، للمماطلة في المفاوضات.
عليه، فإعادة التشديد على تصنيف "الحرس الثوري" كمنظمة إرهابية تهدف إلى تسهيل فرض مزيد من العقوبات وحشد الدعم الداخلي لاستمرار الضغوط، وفق المصادر ذاتها، مع الحفاظ على إستراتيجية تقوم على سياسة الضغط القصوى والتصعيد من دون الانزلاق إلى حرب شاملة مع إيران، على نحو ما أوضحت المصادر ذاتها.
وكانت الحكومة البريطانية أعلنت، أمس، تصنيف "الحرس الثوري" وأذرعه في بريطانيا كمنظمات محظورة تشكل تهديدًا للأمن القومي.
في المقابل، اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية قرار تصنيف "الحرس الثوري" على قوائم الإرهاب خطوة "غير مبررة" و"غير مسؤولة" على حد توصيفها.
خطوة تاريخية
وفي حديثه لـ"المشهد"، قال المعارض الإيراني موسى أفشار إن قرار الحكومة البريطانية بإدراج "الحرس الثوري" الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية يمثل "خطوة تاريخية" طال انتظارها، ويعكس إدراكًا متزايدًا لدى المجتمع الدولي بأن الحرس الثوري ليس مجرد تشكيل عسكري، بل هو العمود الفقري لنظام "ولاية الفقيه" والأداة الرئيسة في قمع الشعب الإيراني وتصدير الإرهاب وعدم الاستقرار إلى المنطقة والعالم.
وأضاف أن السنوات الماضية أثبتت أن "الحرس الثوري" اضطلع بمسؤوليات عدة منها إدارة "شبكات الاغتيالات والتجسس والابتزاز وتهديد المعارضين في الخارج، كما يقود في الداخل حملات الاعتقال والتعذيب والإعدامات وقمع الاحتجاجات الشعبية". لذلك فإن تصنيفه منظمة إرهابية لا يمثل قرارًا سياسيًا فحسب، بل يعكس حقيقة طبيعة هذه المؤسسة ودورها الحقيقي.
وأوضح أفشار أن أهمية القرار البريطاني لا تكمن فقط في آثاره الإجرائية القانونية، وإنما في الرسالة السياسية التي يوجهها إلى النظام الإيراني، ومفادها أن المجتمع الدولي لم يعد مستعدًا للفصل بين "النظام وأداته الأساسية في تنفيذ الإرهاب والقمع".
شبكة ضخمة
وتابع أن "الحرس الثوري" يهيمن على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني من خلال شبكة ضخمة من الشركات والمؤسسات والواجهات التجارية، الأمر الذي يجعل تمويل هذه الشبكات استمرارًا لتمويل سياسات القمع والتدخلات الإقليمية.
وبحسب المعارض الإيراني، فإن المرحلة المقبلة تتطلب خطوات عملية تتجاوز مجرد الإدراج القانوني، من خلال تجميد الأصول المالية المرتبطة بـ"الحرس الثوري"، ثم إغلاق مؤسساته الاقتصادية، الخفية والمعلنة، بالإضافة إلى ملاحقة شبكاته الاستخباراتية، ومنع استغلال البعثات الدبلوماسية أو الأنشطة التجارية والثقافية كغطاء لتحركاته داخل الدول الديمقراطية.
إذ إن التجربة أثبتت، والحديث للمصدر ذاته، أن "سياسة الاسترضاء" لم تؤدِ إلا إلى تشجيع النظام في طهران، على توسيع برامجه الصاروخية والنووية، وتعزيز نفوذ ميليشياته، وتصعيد القمع داخل إيران. بالتالي، فأي إستراتيجية فاعلة تجاه طهران ينبغي أن تقوم على محاسبة "الحرس الثوري" باعتباره مركز القوة الحقيقي في النظام، وليس الاكتفاء بإجراءات جزئية من دون أن تمس بنيته الأساسية.
البديل الديمقراطي
وشدد أفشار على أن هذه الخطوة يجب أن تترافق مع دعم "حق الشعب الإيراني في مقاومة الدكتاتورية، والاعتراف بالبديل الديمقراطي لإقامة جمهورية ديمقراطية تكون المسار لإنهاء دوامة الإرهاب والحروب التي فرضها نظام "ولاية الفقيه" على المنطقة طوال العقود الماضية".
وختم موسى أفشار تصريحه بالقول إن القرار البريطاني يشكل بداية مهمة، لكنه لن يحقق أهدافه كاملة ما لم يتحول إلى "سياسة دولية شاملة تتبناها الدول الديمقراطية، تقوم على عزل "الحرس الثوري"، وتجفيف مصادر تمويله، ودعم نضال الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة من أجل إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على الفصل بين الدين والدولة، واحترام حقوق الإنسان، والتعايش السلمي مع دول الجوار".
من جهته، يرى مدير مركز رصانة الدولي للدراسات الإيرانية أحمد الميموني أن الإدارة الأميركية خلصت، بعد مرور الشهر الأول من المفاوضات في إطار مذكرة التفاهم مع إيران، إلى أن طهران وسّعت تفسير البند الـ 5 من المذكرة، المتعلق بإدارة مضيق هرمز، بما يتجاوز ما كانت واشنطن تتوقعه.
ويشير الميموني في حديثه لمنصة "المشهد" إلى أن الجانب الإيراني تعامل مع هذا البند باعتباره تفويضًا واسعًا، بدلًا من إدارة المضيق بصورة تهيئ الأجواء للانتقال إلى ملفات التفاوض الأخرى، وهو ما كانت الإدارة الأميركية تعوّل عليه.
ويضيف أن واشنطن باتت تعتقد أيضًا أن طهران ليست مستعدة للدخول في حوار بنّاء، وأنها تتبع سياسة المماطلة وإغراق المفاوضات في التفاصيل، بهدف الاستنزاف.
التحركات الأميركية
وبحسب مدير مركز رصانة الدولي للدراسات الإيرانية، فإن التحركات الأميركية الأخيرة تعكس عودة إلى سياسة الضغط على إيران عبر أكثر نقاطها حساسية، وهي الاقتصاد، من خلال تشديد القيود على الموانئ وحركة الملاحة، بالتوازي مع تقديم صورة أمام الكونغرس تُظهر النظام الإيراني باعتباره طرفا يهدد المصالح الأميركية، بما في ذلك التهديدات التي طالت الرئيس الأميركي، بما يسهم في حشد التأييد الداخلي لأي خطوات تصعيدية محتملة ضد طهران.
وفي ما يتعلق بإعادة التأكيد على تصنيف "الحرس الثوري" منظمة إرهابية، يوضح الميموني أن "الحرس" مدرج بالفعل على قوائم الإرهاب الأميركية والغربية، إلا أن التشديد مجددًا على هذا التصنيف قد يمنح الإدارة الأميركية هامشًا أوسع للحصول على تفويض بمواصلة العمليات العسكرية، وتقليص مساحة المعارضة الداخلية، إلى جانب تبرير فرض عقوبات إضافية.
السياسة التصعيدية
ويشير كذلك إلى أن الحديث عن احتمال وفاة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي قد يُستخدم، من وجهة نظر الإدارة الأميركية، لتكريس رواية مفادها أن السياسات التصعيدية، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية والرئيس الأميركي، تصدر عن "الحرس الثوري" أكثر من كونها تعكس قرارًا سياسيًا صادرًا عن رأس هرم السلطة في إيران.
ويخلص الميموني إلى أن الإستراتيجية الأميركية الحالية تقوم على تصعيد الضغوط لإجبار إيران على العودة إلى المسارات التفاوضية التي ترغب بها واشنطن، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تؤدي إلى توسيع رقعة الصراع، وتجعل إنهاءه أكثر تعقيدًا، في ظل شروط قد لا تكون طهران مستعدة لقبولها.






