"فقدت عيني وقد أخسر بصري بالكامل"، بهذه الكلمات تحدثت إحدى النازحات في مخيم "بزيبز" (غربي العراق) عن انعدام الخدمات الصحية في خيمة هشّة داخل هذا البلد، الذي مزّقته الحروب في السابق وهدم ما تبقى منه الصراعات الطائفية والتنظيمات الإرهابية.
ومنذ إقرار الحكومة العراقية في مارس 2021، "الخطة الوطنية لإعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية المحررة"، تزايدت معاناة القابعين في مخيمي "بزيبز" و"عامرية الفلوجة المركزي" بمحافظة الأنبار، حيث كانت هذه الخطة بمثابة تخل رسمي عنهم من دون ضمانات لعودتهم إلى ديارهم أو دعما من منظمات الإغاثة المحلية والدولية، بحسب النازحة وغيرها من قاطني المخيم الذين تحدثوا لمنصة "المشهد" طالبين عدم الكشف عن هوياتهم.
و"بزيبز" و"عامرية الفلوجة المركزي"، هما المخيمان الوحيدان المتبقيان خارج إقليم كردستان العراق، بعد إقرار الحكومة خطتها قبل عامين، إذ يشير "المرصد الأورومتوسطي" لحقوق الإنسان في تقرير له إلى أن عدد المخيمات تراجع في العراق من 120 مخيما في عام 2017 إلى 12 فقط منهم 10 في الإقليم.
ويعيش أكثر من مليون و200 ألف عراقي في مخيمات منذ حوالى 9 أعوام إثر العمليات العسكرية ضد تنظيم "داعش"، وفق بيانات المرصد، فيما كشفت خلال الأسابيع الماضية حكومة كردستان العراق أن عدد النازحين واللاجئين في الإقليم بلغ 913 ألف شخص.
وعلى عكس المخيمات الواقعة خارج الإقليم، لايزال النازحين في إقليم كردستان العراق يتلقون الدعم من الحكومة المحلية في مختلف الجوانب، حسبما أشار حقوقيون تحدثوا لمنصة "المشهد".
ويوضح المتحدث باسم "مرصد أفاد" حسين دلّي قائلا: "النازحون في مناطق كردستان يحظون برعاية حكومية وتعليمية وبعضهم يحصل على دعم مادي، كما تواصل المؤسسات الإغاثة المحلية والعالمية عملها هناك، وذلك بخلاف النازحين في بيزبز وعامرية الفلوجة، هؤلاء ليس لديهم لا مدارس أو مراكز صحية، ويعتمدون كليا على تبرعات الأفراد".
مأساة إنسانية
وتقع مخيمات "بزيبز" في محيط مدينة عامرية الفلوجة غربي البلاد بمحافظة الأنبار، وتعتبرها الحكومة العراقية مخيمات عشوائية، حيث أقامها النازحون الذين فرّوا من مدينة "جرف صخر" شمال محافظة بابل مع بداية العمليات العسكرية ضد "داعش".
وقال دلّي: "بعد عام 2014، وما أعقبه من عمليات عسكرية ضد تنظيم داعش، برز ملف سكان منطقة جوف صخر بشمال محافظة بابل على الواجهة، لأن هذه المنطقة كان يقطنها تقريبا 100 ألف نسمة، وتم تهجيرهم بالكامل، وعقب القضاء على التنظيم رفضت قوات الحشد الشعبي الموالية بإيران عودتهم مجددا إلى ديارهم".
وأضاف: "مخيمات بزيبز كانت تُدار في السنوات الماضية من قبل منظمات أجنبية باتفاق مع الحكومة، لكن في آخر عامين، ومع سعي الحكومة لإجبار النازحين للعودة إلى ديارهم، تم منع المنظمات الأجنبية من توجيه الدعم".
بدوره يروي الصحفي العراقي عمر جنابي، في حديثه مع منصة "المشهد"، المأساة التي يعيشها قاطنو هذه المخيمات قائلا: "بزيبز هي مخيمات شبه عشوائية وغير مسجلة لدى الدولة العراقية ولا تدعمها المنظمات الدولية باعتبارها غير مسجلة لدى السلطات (..) كما أن حكومة الأنبار ترفض تقديم الإعانات".
وأضاف: "هؤلاء نازحون منذ أكثر من 9 سنوات (..) الأمراض هناك تتفشى ومعظمها يرتبط بالأطفال والنساء وكبار السن، كذلك يتزايد مرضى الكلى بسبب عدم صالحية المياه للشرب، حال إن توفرت لأنها تعاني أيضا من نقص كبير بالمياه".
وأشار جنابي إلى حجم المعاناة الصحية والإنسانية في المخيمات، خاصة في ظل عدم اهتمام المسؤولين الحكوميين وعلى رأسهم وزارة الصحة بالقيام بأي جولات لتوفير الرعاية الصحية للنازحين، مضيفا: "هنالك أطفال تعرضوا لتشوهات وعاهات مستديمة في أعضائهم التناسلية بسبب عملية ختان فاشلة".
"مخيم بزيبز من أكثر مخيمات العراق التي شهدت انتهاكات وإهمالا، هناك محدودية في تقديم الخدمات ووصول الموارد للنازحين"، هكذا وصف مؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الإنسان مصطفى سعدون الوضع في المخيم خلال حديثه مع منصة "المشهد".
ولا يختلف الوضع كثيرا في مخيم "عامرية الفلوجة المركزي" القريب من "بزيبز"، حيث كان هو المخيم الرسمي الوحيد الذي تعترف به الحكومة، وتشرف عليه قبل أن تتخلى عنه قبل عامين، حسبما يقول الناشط في قضايا النازحين "أبوعمر"، في تصريحات لمنصة "المشهد".
ويضم مخيم عامرية الفلوجة المركزي، النازحين من مدن غرب محافظة الأنبار فقط، والتي تسيطر أيضا حاليا قوات الحشد الشعبي، وفق ما قاله أبوعمر.
وأضاف: "سمي بالمخيم المركزي لأن الحكومات المركزية والمحلية كانت ترعاه في السابق، حيث كانت تقوم بتأمينه قوات من الجيش والشرطة، ويستقبل الإغاثة والمعونات الإنسانية من منظمات عدة من بينها عراقية وعربية ودولية".
وتابع: "بعد استقرار الأوضاع وتحرير الأراضي من داعش، عاد عدد كبير من النازحين إلى ديارهم، لكن تبقى المئات من الأسر، وهم الذين يواجهون قضايا عشائرية تتعلق بارتباط أبنائهم بتنظيم داعش ما حال دون عودتهم(..)".
ويوجد في المخيم الذي يضم 10 مخيمات فرعية حوالي 212 عائلة الآن(..) وأغلب أفراد هذه العائلات من النساء الأرامل والأطفال الأيتام، بحسب أبو عمر.
ودلّي أكد رواية أبوعمر، قائلا: "هناك إشكالية حقوقية في مخيم عامرية الفلوجة المركزي.. بعضهم يُتهم بأن أبناءه منتمون لتنظيم داعش (..) لذا بعض العشائر التي كانت تُقاتل التنظيم ترفض عودة هذه العائلات إلى ديارهم".
مَن يتحمل المسؤولية؟
وتناولت الحكومة العراقية الخطة الوطنية المُعلنة قبل عامين، على استحياء في اجتماع حكومي خلال وقت سابق مطلع العام الجاري، تحت ما يسمى اجتماع المجلس الوزاري للخدمات الاجتماعية، حيث نتج عنه "وفق البيان الصحفي الرسمي" توصية لدعم تنفيذ الخطة ومعالجة التحديات التي تواجهها.
ويُحمل النشطاء والحقوقيون والمنظمات الأهلية، الحكومة العراقية المسؤولية الكاملة على ما آلت إليه الأوضاع في هذه المخيمات، إذ يقول دلّي: "الحكومة متهمة بالتقاعس وتجاهل وضع النازحين. منذ حكومة حيدر العبادي وصولا إلى حكومة محمد شياع السوداني، كان هناك الكثير من الوعود لإنهاء هذا الملف، لكنها ليست سوى حبر على ورق".
وتابع بالقول: "السلطات ترفض منح النازحين وثائق حكومية ورسمية، هذا يضاف إلى تجاهلها فيما يتعلق بوضع الرعاية الصحية وتوفر المواد الغذائية".
واتهم دلّي "قوات الحشد الشعبي التابعة لإيران، والتي تسعى لتغيير ديموغرافي بعدما أجبرت الكثير من هؤلاء النازحين من عدم العودة إلى منازلهم".
بدوره اعتبر الصحفي العراق عمر جنابي، أن المسؤولين الحكوميين وقوات الحشد الشعبي "متورطين في قتل هؤلاء النازحين" على حد وصفه، ليقول: "الوضع الصحي سيء الوضع الإنساني سيء، الوضع الاقتصادي سيء، ومن يتحمل ذلك هو الحكومة العراقية والحشد الشعبي وحكومة الأنبار ووزارة الهجرة ووزارة الصحة وكل الجهات الرسمية المعنية".
في المقابل، تعثر التوقف عند رأي الحكومة والوزارات المعنية حيال ذلك.
استمرار المناشدات
وتُظهر الصور حجم المأساة الصحية والأوضاع التي يعاني منها النازحون في المخيمات العراقية، وكذلك مقاطع مصورة لمناشدات من نساء وكبار في السن، أرسلها ناشطون بقضايا النازحين وحقوقيون لمنصة "المشهد"، وتتحفظ على نشرها احتراما للخصوصية.
ويقول الناشط أبوعمر: "استقبل يوميا العشرات من المناشدات (..) هذا جانب مأساوي أيضا(..) في مجملها تعبر عن حالة اليأس والبؤس التي يعيشها النازحون(..) أحاول مساعدتهم وحل مشكلاتهم من خلال التواصل مع الأصدقاء والأشخاص القادرين على المساعدة".
وطالبت دراسة أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالعراق العام الماضي، بتوفير الرعاية العقلية والنفسية لعائلات النازحين والتي معظمها من النساء والأطفال، إلى جانب تعزيز سبل العيش وإتاحة وصولهم للخدمات الاجتماعية أو للحصول على مأوى، بما يمنحهم الأمل في حياة طبيعية وفرصة في مستقبل أفضل.