شهدت المواجهة الخفية بين إسرائيل وإيران خلال السنوات الأخيرة تصعيدا غير مسبوق، عكس حجم الاختراق الاستخباراتي الذي نجحت تل أبيب في تحقيقه داخل العمق الإيراني.
فمن اغتيال علماء نوويين وقادة عسكريين بارزين، وصولا إلى تنفيذ عمليات نوعية استهدفت أعلى هرم القيادة، بدا واضحا أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية استطاعت بناء شبكة معقدة داخل إيران، ما منحها قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى معلومات دقيقة عن تحركات ونشاطات كبار المسؤولين.
ويُستَخدم في الأدبيات الإيرانية مصطلح زواج المتعة بوصفه ثغرة اجتماعية قد تُستغل في التجنيد. فقهيًا، المتعة هو زواج مُؤقّت مُعترف به في إيران، وهو ما يمنحه نظريًا غطاءً اجتماعيًا لعلاقات قصيرة الأمد يمكن تسييسها دعائيًا. لكن لا توجد أدلة موثوقة تُثبت أن "زواج المتعة" كان أداة منهجية للموساد داخل إيران؛ ما يظهر في الغالب هو تسريبات صحفية واتهامات إيرانية أعادت، بعد حرب يونيو، إحياء قضية الصحفية كاثرين بيريز شاكدام بوصفها رمزًا لاختراقات عبر الإغواء والجنس.
وأثيرت تساؤلات حول "زواج المتعة" في إيران واحتمال استغلاله في عمليات التجنيد.
وأثارت جدلا واسعا قضية الصحفية الفرنسية كاثرين بيريز شاكدام، التي انتحلت صفة مسلمة شيعية وتمكنت من بناء علاقات داخل دوائر قريبة من النظام، بل والوصول إلى شخصيات رفيعة.
واستغلت كاثرين عملها الصحفي لتتغلغل في مؤسسات النظام الإيراني، وبنت علاقات وثيقة مع قياداته، مما أتاح لها لقاء المرشد الإيراني علي خامنئي، والرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، والقائد العسكري قاسم سليماني.
كشف هذا الاختراق المذهل لاحقا أن كاثرين من أصول يهودية فرنسية، ووجّهت إليها اتهامات بالتجسس للموساد الإسرائيلي، بعد الاشتباه في تسريب معلومات حساسة.
وبدأ اسم كاثرين، يتردد داخل أجهزة الأمن الإيرانية في أواخر يونيو الماضي، بعد أن ارتبطت بسلسلة من الاختراقات الأمنية وعمليات اغتيال دقيقة.
وولدت شاكدام بحسب في التقارير في فرنسا لعائلة يهودية علمانية، مشيرة إلى أنها درست علم النفس في جامعة لندن، وخلال تواجدها في العاصمة البريطانية تزوجت من يمني مسلم، واعتنقت الديانة الإسلامية، قبل أن تغادر إلى صنعاء وتنجب طفلين هناك.
واتجهت للصحافة والتحليل وبدأت في الظهور كوجه يعتبر عن قضايا الشرق الأوسط ويناهض التدخلات الغربية في المنطقة.
وبعد طلاقها في عام 2014، اتجهت نحو التشيع وبدأت تزور إيران بشكل متكرر وبدأت في التغلغل بشكل تدريجي داخل النخب الدينية والسياسية من خلال ظهورها في وسائل الإعلام الإيرانية، واستمرت على التواصل والتقرب من القادة لمدة سنوات.
التواصل مع الموساد
في يناير 2025، ظهرت مجددا كاثرين بيريز في مقابلة تلفزيونية وأعلنت أنها كانت على اتصال بالموساد، وأن وجودها داخل إيران كان جزءًا من مشروع اختراق كبير.
وتعد بيريز حالة نادرة استخدمت فيها إسرائيل الأدوات الناعمة لاختراق الداخل الإيراني، وهي خيط من شبكة تجسس أوسع نُسجت على مدار عقود. يختارها الموساد بدقة ويزرعها داخل أرض العدو ثم يُراقب بصبر فيضرب بقوة عند الحاجة.