يثير التعديل الدستوري الـ 13 الذي أصدره مجلس النواب تساؤلات كثيرة عن مستقبل المشهد السياسي في ليبيا، وهل يقرّب البلاد من الانتخابات أم يعقّد الأزمة، خصوصا أنه لم يعالج الخلاف الأساسي حول شروط الترشح لمنصب رئيس الدولة.
وأقر مجلس النواب الليبي في بنغازي الأسبوع الماضي، التعديل الـ 13 للإعلان الدستوري، الذي صدر في أغسطس 2011، بأغلبية كبيرة.
وبحسب التعديل الجديد:
- يتولى مجلس الأمة السّلطة التشريعية في البلاد.
- مجلس الأمة يتكون من غرفتين هما: مجلس النواب يكون مقرّه بنغازي، ومجلس الشيوخ يكون مقرّه طرابلس.
- السلطة التنفيذية يرأسها رئيس منتخب بشكل مباشر من الشعب وهو من يكلّف رئيس الوزراء أو يقيله.
- تُجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال مدة أقصاها 240 يوما من دخول قوانين الانتخابات حيّز التنفيذ.
- تتشكل لجنة من 12 عضوا من مجلس النواب والدولة بالتساوي وتتوافق على قوانين الانتخابات والاستفتاء بأغلبية الثلثين.
- تخصيص نسبة 20% من مقاعد مجلس النواب للمرأة مع مراعاة حقّ التّرشح في الاقتراع العام.
- فترة الرئاسة ومجلس النواب تمتد لـ 4 سنوات من أداء القسم.
"القاعدة الدستورية"
واعتبر الكثير من النواب أن هذا التعديل هو بمثابة قاعدة دستورية للانتخابات، بينما يرى آخرون أنه يعقّد المشهد السياسي بسبب رفض الكثير من الأطراف لما ورد فيه.
المستشار الإعلامي لرئيس مجلس النواب فتحي المريمي يقول إن "هذا التعديل يحل مكان القاعدة الدستورية، وسيصبح الأساس الذي ستصدر على أساسه تعديل قوانين تنظم الانتخابات الحالية".
وأضاف المريمي في تصريحات لمنصة "المشهد": "بالنسبة لمجلس النواب قدّم حلا دستوريا لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وعلى من يريد انتخابات أن يعمل به"، مشيرا إلى أن المجلس الأعلى للدولة على علم بهذا التعديل.
بدوره لم يعلق مجلس الدولة عليه حتى الآن، وقال "ننتظر حتى تصدر الصيغة النهائية للتعديل".
ويتّفق الصحفي والمحلل السياسي حسين مفتاح مع هذا الرأي، ويرى أن الإعلان الدستوري يعتبر بمثابة دستور البلاد منذ أغسطس 2011، وهو الأساس الذي يعتمد عليه المجلس في إصدار القوانين والفصل بين السّلطات في البلاد.
وقال مفتاح في حديثه مع منصة "المشهد" إن هذا التعديل الجديد جاء بعد المشاورات الطويلة بين مجلسي النواب والدولة، مشيرا إلى أنه يختلف عن التعديلات السابقة التي كانت عبارة عن إضافات، بينما هذه المرة شمل نقاطا جديدة وتغييرا كاملا لموادّ سابقة في الإعلان الدستوري.
وأوضح أن هذه التعديلات كشفت عن آراء ووجهات نظر رئيسَي مجلس النواب والدولة عقيلة صالح وخالد المشري.
من جانبه، يقول أستاذ العلوم السياسية بالجامعة البريطانية في بنغازي أحمد المهداوي، إن التعديل الدستوري الـ 13 هو محاولة من مجلس النواب لطرح خارطة طريق جديدة وإبعاد مجلس الدولة من مشاركته صلاحيات تشريعية موازية لمجلس النواب.
وذكر المهداوي في حديثه مع منصة "المشهد" أن هذا التعديل في مجمله ترحيل لنقاط الخلاف لمجلس الأمّه الجديد، وهما مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
ويعتقد المهداوي أن التعديل جاء نتيجة ضغط دولي على مجلس النواب من أجل الحسم في موضوع القاعدة الدستورية والذهاب إلى الانتخابات، لكنه يقول إنه هذا التعديل "قوبل بالرفض من قبل الأطراف الأخرى مثل مجلس الدولة وحكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها وبعض الأحزاب السياسية".
تعقيد المشهد السياسي
في المقابل يقول عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي إن هذا التعديل "يعقّد المشهد السياسي في ليبيا ويزيد التوتّرات، لأنه يتضمن الكثير من الفراغات الدستورية التي يمكن الطعن فيها بسهولة".
وذكر التكبالي في تصريحات لمنصة "المشهد" أن هذا المجلس لا يملك تحديد فترة مجلسي النواب أو الشيوخ وليس من صلاحيته، مضيفا "التعديل يثير الشكوك حول نية المجلس ويلمح إلى أنه لا يريد أن يذهب".
وتابع: "أن تأتي بإعلان جديد غير سليم ليس حلا، بل يخلق مشكلة أخرى تطيل المدة للوصول إلى الانتخابات والدستور".
ويتّفق المهداوي مع هذا الرأي، مؤكدا أن هذا التعديل "سيعقّد المشهد السياسي الليبي" إذا لم يتم التوافق عليه من قبل الأطراف الليبية المختلفة خصوصا وأن المبعوث الأممي لم يعلّق على التعديل.
ولا يعتقد المهداوي أن التعديل سيعتبر الأساس الدستوري لإجراء الانتخابات إلا في حال تم التوافق عليه، لأن الاطراف الأخرى ستعرقل إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في حال استمر مجلس النّواب باتخاذ خطوات أحاديه من دون مشاركه مجلس الدولة.
وكان رئيسا مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة أعلنا في 6 يناير الاتفاق على وضع خارطة طريق لإتمام العملية الانتخابية، بعد المفاوضات التي تمّت بينهما في القاهرة.
كما اتفقا على قيام اللجنة المشتركة بين المجلسين بإحالة الوثيقة الدستورية للمجلسين لإقرارها طبقا لنظام كل مجلس.
شروط الترشح للرئاسة
ولم تنعم ليبيا بقدر يُذكر من السّلام منذ الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلسي عام 2011، وانقسمت البلاد عام 2014 بين فصائل متناحرة في الشرق والغرب.
وبعد وقف إطلاق النار عام 2020، وافقت الأطراف المتحاربة على إجراء انتخابات في 24 ديسمبر 2021 وشُكّلت حكومة وحدة وطنية جديدة كان من المفترض أن تُعيد توحيد المؤسسات الوطنية المنقسمة.
وكان من المقرر أن تشهد ليبيا انتخابات رئاسية وتشريعية في ديسمبر 2021، لكنها تأجلت حتى إشعار آخر بسبب الخلافات السياسية حول قوانين الانتخابات، واندلاع توترات بين الميليشيات المسلحة على الأرض.
منذ مارس الماضي، تتصارع على السلطة في البلاد حكومتان: واحدة في طرابلس ويقودها عبد الحميد الدبيبة، والثانية في مصراته ويقودها وزير الخارجية السابق فتحي باشاغا، ومدعومة من البرلمان والجيش الليبيين.
وفي نهاية أغسطس الماضي، اندلعت اشتباكات بين الميليشيات الموالية للحكومتين المتصارعتين في طرابلس، مما أسفر عن مقتل 32 شخصا وإصابة 159 آخرين بجروح، وفقا لإحصاء وزارة الصحة.
لكن على الرغم من أن التعديل حدد شروط الترشح للانتخابات البرلمانية لم يتعرض لشروط الانتخابات الرئاسية، وهو ما اعتبره المحللون تأجيل للأزمة.
ويتركّز الخلاف بين مجلسي الدولة والنواب بشأن شروط الترشّح لانتخابات الرئاسة حول مادتي ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية.
ويرى الصحفي والمحلل السياسي حسين مفتاح أن هذه التعديلات "لن تكون كافية لتحويل الإعلان الدستوري إلى قاعدة دستورية للانتخابات، لأنها لم تحل أزمة شروط الترشّح لانتخابات الرئاسة، مما يجعل الدولة تسير في نفس الدائرة".
وأوضح أن "كل طرف يتمسك برأيه في هذه القضية، وهو ما يجعل إجراء الانتخابات أمرا مستعبدا".
ويقول المهداوي إن النّقاط الخلافية فيما يخص الترشح للرئاسة مسألة تم شخصنتها من قبل مجلس الدولة، ومن ورائهم تيار الإسلام السياسي المهيمن على مجلس الدولة في محاولة منهم لإبعاد شخصيات سياسية وعسكريه وعلى رأسهم المشير حفتر لذلك لم تُحسم النقاط الخلافية حتى هذه اللحظة.
لكن المستشار الإعلامي لرئيس مجلس النواب أكّد أن هذه المادة الخلافية "سيتم تناولها عند تعديل أو إصدار قوانين جديدة".