في ظلّ انعقاد قمة مجموعة الـ7 في إيفيان الفرنسية، وما رافقها من عشاءٍ احتفالي في قصر فرساي جمع الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترامب، في مشهدٍ يوحي بدفء متجدّد بين ضفّتَي الأطلسي، يتجدّد السؤال عن مستقبل العلاقة بين أميركا وأوروبا.. فهل تنجح القارة في إعادة التحالف إلى ما كان عليه، أم يمضي ترامب في فرض إرادته؟ فبين رسومٍ جمركية تلوّح بها واشنطن، وحرب على إيران أنهكت ترامب وأربكت حساباته، وملفٍّ أوكراني عالق، تقف العلاقة عبر الأطلسي على مفترق طرق.
السّياسة الأميركيّة "لا تتغيّر"
ترى الصحفية الفرنسية المتخصصة في التحقيقات والخبيرة في معهد IVERIS لرصد ودراسة العلاقات الدولية والإستراتيجية ليزلي فارين، في حديثٍ لمنصة "المشهد"، أن "ما يجري ليس أزمة عابرة مرتبطة بشخص ترامب، بل تعبير عن ثبات عميق في السياسة الأميركية".
وأضافت "فواشنطن حسمت منذ عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما خيار "الاستدارة نحو آسيا" بعدما فقدت أوروبا ثقلها الصناعي ولم يعد لديها سوى "قدرة على العرقلة" لا قدرة على المبادرة. والمصالح الأميركية ثابتة، وما يتبدّل هو الشكل لا الجوهر: فترامب لا يراعي الأشكال وسياسته أكثر فظاظة، لكن الرئيس السابق جو بايدن كان سيسلك المسار نفسه بأسلوبٍ مختلف".
وتضرب الصحفية الفرنسية مثلاً بإيران: "إذ امتنع الرؤساء المتعاقبون عن ضربها لإدراكهم خطورة ذلك، فأقدم ترامب على الخطوة ثم بدأ يتراجع عنها لأنها لا تخدم المصلحة الأميركية".
وعلى هذا الأساس، تجزم فارين بأن أوروبا لا تمتلك أوراق ضغطٍ فعلية على واشنطن، وتستشهد برفض ترامب اقتراح فرنسا إرسال قوة عسكرية من تحالف دولي إلى مضيق هرمز، وهو رفض تراه صائبا.
وفي ملف أوكرانيا عطّلت أوروبا مفاوضات السلام عبر إمداد كييف بوسائل لقصف الداخل الروسي، من دون قدرة على صنع السلام.
أما "الاستقلال الإستراتيجي" فتؤكد أنه غير قابل للتحقيق، فدولٌ كبولندا وهولندا لن تتخلى عن حلف شمال الأطلسي (ناتو) ولا عن واشنطن، وأوروبا ليست موحّدة، وما طرحه ماكرون "تأكّد" نظرياً مع انتقادات ترامب للحلف وتقصيره في مساندة واشنطن.
وفي قراءتها لدوافع ماكرون، ترى أن الحرب الأوكرانية تحوّلت إلى "فرصة سياسية" له لإحياء النقاش حول الدفاع الأوروبي وإعادة التسلّح، وأنه سعى في ظلّ تراجع ألمانيا النسبي إلى تثبيت فرنسا زعيمة أمنية للقارة.
عشاء فرساي مجرّد "علاقات عامّة"
وعن عشاء فرساي، لا تتردّد فارين في وصفه بأنه "كثيرٌ من العلاقات العامة" يرضي حاجة ماكرون إلى الحضور والوجود ويُطرب ترامب المولع بالمظاهر، من دون أن يغيّر شيئاً في الجوهر، فترامب لن يقبل أن تفرض فرنسا حضورها في مضيق هرمز.
وتضيف أن مفاوضات الرسوم الجمركية ستجري بمعزل عن العشاء، مذكّرةً بأن ترامب اضطر أصلاً إلى التراجع أمام الصين، وأنه كان سيتراجع أمام فرنسا على النحو ذاته، بعشاء في فرساي أو من دونه.
وتلفت فارين إلى أن ترامب يبدو مرتاحاً إثر قمة مجموعة الـ7، إذ يأمل الخروج من مأزق الحرب على إيران بعد توقيع اتفاقٍ لا تزال فرصُ صموده غامضة، غير أن المشهد الأميركي الداخلي معقّد بين معسكرٍ مؤيّد للحرب وحركة "ماغا" التي عارضتها، حتى إن مراقبين أميركيين، بينهم محسوبون على "ماغا"، قالوا إنهم لم يعودوا يعرفون ترامب الذي عرفوه.
تضيف فارين: "في تحليل نشرته بُعيد اندلاع الحرب، قلت إن ترامب انجرّ إلى مغامرة على وعود بحسمٍ سريع لم تتحقق، ما كلّفه كثيراً من مصداقيته". وتخلص الصحفية الفرنسية إلى أن وضع إيران هو الأفضل اليوم. أما العالم العربي، فتختصر مشكلته بأنها عينها مشكلة الأوروبيين: غياب الاتفاق في ما بين الدول العربية، ما يجعل أي وحدةٍ عربية متعذّرة، فيما يستفيد الخصوم من انقسام دول ضعيفة محتاجة عبر سياسة "فرّق تسُد".
جذور التوتر تسبق ترامب بكثير
من جهته، يعتبر الصحفي إلياس مصبونجي، الرئيس الفخري لجمعية الصحافة الأجنبية في باريس ورئيس مؤسسة "تريلوغ" للحوار الفرنسي - الأوروبي مع الشرق، في حديث لمنصة "المشهد" أن "جذور التوتّر تسبق ترامب بكثير، وأن المشكلة تاريخية وبنيوية تعود إلى نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد تقادم وبات بحاجة ماسّة إلى إعادة نظر، وهو ما دفع ترامب إلى التشدّد".
ويضيف مصبونجي أن مواقف الرئيس الأميركي تعبّر عن انطباعٍ سائد لدى المواطن الأميركي، الذي يرى أن بلاده دفعت ثمن الدفاع عن أوروبا وحرّرتها من النازية، ولم تعد مضطرة لتمويل حمايتها، وكثيراً ما ردّد ترامب متسائلاً: لماذا تدفع واشنطن ثمن حماية أوروبا بدل أن يتدبّر الأوروبيون أمورهم؟".
ويذهب مصبونجي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن أوروبا "غير موجودة" لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا دفاعياً، وأنها عاجزة عن الاتفاق على سياسة دفاعية موحّدة، وأنها مجرّد مجموعة دولٍ منشغلة بمشكلاتٍ يومية من حدودٍ ورسومٍ وتصدير، لا تمتلك القوة التي حلم بها الجنرال شارل ديغول،.
وقال "ولو علم ديغول أن القارة ستُدار بـ27 دولة لما بُني الاتحاد الأوروبي على هذا النحو. ومن هنا يخلص إلى أن "الاستقلال الإستراتيجي" غير قابلٍ للتحقيق، متسائلاً عن موقع سلطة الدفاع الأوروبية المنشودة وعن السياسة الخارجية الموحّدة التي يُفترض أن تجسّدها.
وفي ما يخصّ موازين القوى، يرى مصبونجي أن المعادلة مختلّة لمصلحة واشنطن، وأن الحديث، إن جاز، هو عن محاولة هيمنةٍ أميركية على أوروبا لا العكس، لأن القارة في موقع ضعف؛ فالمواطن الأميركي العادي بالكاد يضع أوروبا في حساباته.
وعن قمة إيفيان، يقرّ بأن لها انعكاسات إيجابية لكنها ضئيلة قياساً بحجم المشكلة، وأن التفاهم الحاصل "آنيّ" يقوم على ضرورة مواجهة إيران وتفادي تداعيات اقتصادية وإنسانية مرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، وأن ملفات إيران وغرينلاند وأوكرانيا تكشف عمق الخلاف أكثر مما تقرّب، وهو ما يجعل المشكلة جديرة بعقد مؤتمر عميق وشامل.
ويشير إلى نقطة ضعفٍ أميركية في المنطقة تتمثّل في قواعدها العسكرية الكثيرة التي باتت في متناول صواريخ إيران، القادرة على ضرب المصالح الأميركية القريبة منها وإن كانت لا تبلغ واشنطن أو نيويورك. ويبقى السؤال مفتوحاً عمّا إذا كانت أوروبا قادرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أم أن زمن التحالف التلقائي عبر الأطلسي قد انقضى بلا رجعة.