يصر السياسيون الإيرانيون المتنافسون، في تصريحاتهم العلنية، على أن إيران خرجت منتصرة من الحرب مع أميركا وإسرائيل، لكن انقساما أيديولوجيا عميقا لا يزال قائما بشأن شكل الانتصار الذي ينبغي أن تحققه الجمهورية الإسلامية، وفق تقرير لشبكة "سي إن إن".
في أحد المعسكرين يقف البراغماتيون والتكنوقراط، بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي.
ويدفع هؤلاء باتجاه التوصل إلى اتفاق حاسم، مستندين إلى اقتصاد أنهكته الحرب، وحصار بحري أميركي يزداد وطأة، وأضرار لحقت بالبنية التحتية للبلاد.
وحذر هؤلاء المسؤولون علناً من أن نافذة الفرصة للتوصل إلى تسوية من موقع قوة تضيق.
وهم يتحدثون باسم إيرانيين يرون أن إنهاء الصراع المستمر منذ 47 عاماً مع واشنطن هو السبيل الأكثر ضماناً لتخفيف الأزمات الداخلية التي تواجهها البلاد، والحفاظ على بقاء الجمهورية الإسلامية من خلال إنهاء عزلتها الدولية.
النوايا الأميركية
في المقابل، يقف المحافظون المتشددون، الذين تقوم أيديولوجيتهم على عدم الثقة بواشنطن التي يرون أنها مصممة على تدمير الجمهورية الإسلامية.
وعلى مدى أكثر من نصف قرن، حذر هؤلاء من النوايا الأميركية، وهم يرون اليوم أن حرب ترامب أثبتت صحة تحذيراتهم في مواجهة خصومهم المعتدلين.
كما يتهمون مسؤولين في الحكومة بأنهم "موالون للغرب"، وبمحاولة التأثير في الرأي العام لدفعه نحو قبول اتفاق، من خلال المبالغة في تصوير الأزمات الداخلية.
وقالت سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث في لندن، لشبكة "سي إن إن" إنهم يرون الولايات المتحدة طرفاً لا يمكن الوثوق به على الإطلاق، وقد تعرضوا للخداع مرات عديدة من جانب ترامب نفسه، ولذلك يعتقدون أن هذا هو بالضبط ما سيحدث مرة أخرى.
وأضافت أن هؤلاء يعتقدون أنه "ما داموا لم يخسروا الحرب، فقد انتصروا"، وأن هدفهم لا يقتصر على انتزاع اتفاق أفضل من واشنطن، بل يتعلق أيضاً بالحفاظ على بقائهم السياسي في صراعهم مع خصومهم الداخليين.
ويرى المتشددون أن بزشكيان رئيس ضعيف وصل إلى السلطة بالمصادفة بعد وفاة سلفه المتشدد في حادث تحطم طائرة مروحية.
كما أدى توقيعه إلى جانب ترامب على اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو إلى زيادة عزلته، ومنح خصومه فرصة أكبر لتحميله مسؤولية الاقتصاد المنهار وفشل الاتفاق مع واشنطن.
وقد بلغ عمق الانقسامات حداً دفع المتشددين إلى اتهام مسؤولين بالتعمد في سوء إدارة الأزمة الاقتصادية للضغط على شعب أنهكته الحرب ودفعه إلى قبول اتفاق.
وذهب بعضهم إلى حد الادعاء بأن الحكومة تعمدت التسبب في نقص الوقود لجعل التوصل إلى اتفاق أمراً لا مفر منه، فيما اتهم آخرون المعتدلين بمحاولة تنفيذ انقلاب.
ماذا يريد المتشددون؟
يشير المتشددون إلى اتفاقات سابقة فشلت فيها إيران مع الولايات المتحدة، ومن بينها الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015 مع إدارة الرئيس باراك أوباما، قبل أن ينسحب منه ترامب لاحقاً.
كما يستشهدون بمرتين هاجمت فيهما الولايات المتحدة الجمهورية الإسلامية في خضم مفاوضات.
ويراهن هذا المعسكر على قدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود، ويعتقد أن سياسة المواجهة، المدعومة بوكلاء مسلحين في المنطقة، والصواريخ والطائرات المسيّرة، والمعتقدات الدينية الشيعية، قد حمت البلاد بصورة أكثر فاعلية من الدبلوماسية التي يدافع عنها السياسيون المصنفون على أنهم "موالون للغرب".
ووصف أحد النواب المتشددين الذين يدعون إلى التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بأنهم يقفون في صف مناهض للمرشد الأعلى السابق علي خامنئي، الذي قُتل في ضربات أميركية وإسرائيلية في بداية الحرب.
"ترامب لا يساعد"
في الوقت الذي يخوض فيه البراغماتيون الإيرانيون لعبة سياسية عالية المخاطر مع واشنطن، اكتسبت تحذيرات المتشددين من إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة قوة إضافية، في ظل إستراتيجية متقلبة يتبعها ترامب، وعدم وضوح مدى التزامه بأي اتفاق محتمل.
وأضافت أن المحافظين، الذين يسيطر بعضهم على صحف ووسائل إعلام حكومية، ولديهم أنصار في الشارع وأتباع داخل المؤسسة العسكرية، يعتقدون أن ترامب يستخدم الدبلوماسية للتحضير لحملة عسكرية أخرى.
ولا يزال مجتبى خامنئي صامتاً وسط هذا الانقسام.
ويبدو أنه يدرك أن الانحياز إلى أحد طرفي الخلاف بشأن المفاوضات مع ترامب، الذي يعتبره النظام شريكاً لا يمكن الوثوق به، قد يضر بموقعه في وقت يسعى فيه إلى ترسيخ شرعيته.
وفي يوم الجمعة، أشاد خامنئي بأداء الحكومة في مواجهة الضغوط، لكنه حث المسؤولين على معالجة نقاط الضعف في البلاد من دون التركيز عليها علناً، محذراً من أن ذلك قد يشجع أعداء إيران ويضعف معنويات حلفائها.
ومع غياب أي طرف قادر على كبحهم، يواصل المتشددون حملتهم ضد إبرام اتفاق.
ملاحظة تحريرية: أبقيت "استمرت 6 سنوات" كما وردت في النص، لكن هذه المعلومة تحتاج مراجعة؛ الحرب العراقية الإيرانية استمرت نحو 8 سنوات. كما أن عبارة "قبل أكثر من نصف قرن" تبدو بحاجة إلى تدقيق زمني في سياق الثورة الإيرانية عام 1979. أما الانقسام الحالي بين البراغماتيين والمتشددين بشأن الاتفاق مع واشنطن، فتؤكده تقارير حديثة.



