في وقت تتركز فيه الأضواء الدولية على القطاع المحاصر، تعيش الضفة الغربية تحت نظام سيطرة إسرائيلي متعدد الأوجه لا يقل تعقيداً وضراوة، يُعيد هندسة الجغرافيا والديمغرافيا يوماً بعد آخر، عبر إستراتيجية منهجية تجمع بين الاستيطان المادي والعنف البيروقراطي، تحوّلت هذه الأرض إلى فسيفساء من الكانتونات المنعزلة، يفصل بينها جدار عنصري وشبكة من الحواجز العسكرية، تغُص فيها الحياة تحت وطأة هدم المنازل وسلب الأراضي وانتهاكات لا حصر لها لإرهاق الفلسطينيين واستنزافهم.
مختصون ومراقبون يؤكدون لـ"المشهد" بأن "الضفة الغربية لم تعد مجرد أرض محتلة بالمعنى التقليدي، بل تحولت إلى مختبر لسيطرة حديثة تجمع بين القوة العسكرية الخشنة وأدوات القانون والاقتصاد والإدارة المدنية"، حيث إن المستوطنات الإسرائيلية الشائكة لا تنمو فقط على قمم التلال، بل تتوسع أفقياً لتحاصر القرى وتتغلغل في عمق البلدات، ولم يعد يخفى على أحد بأن إسرائيل تستخدم قوانين التخطيط والبناء كأدواتٍ لسحب شرعية الوجود الفلسطيني من تحت أقدام أصحاب الأرض الأصليين.
وفي هذا الصدد، تشير أبرز الإحصائيات الرسمية الفلسطينية التي حصلت عليها "المشهد"، إلى أن القوات الإسرائيلية هدمت مؤخراً مئات المنازل، وتهدد الآلاف غيرها بالمصير ذاته، وتنشر تلك القوات مئات الحواجز ونقاط التفتيش للتحكم بحركة الفلسطينيين وخنقهم، وأضحى مئات الآلاف من المستوطنين يعيشون في تجمعات غير قانونية دولياً، تتم حمايتهم بنظام أمني مزدوج، بينما يُحرم الفلسطينيون من أبسط حقوق البناء والتنمية على أراضيهم.
المشاهد اليومية في الضفة الغربية تسير وفق المخططات الإسرائيلية، فهي ليست مجرد إزعاج مؤقت، بل جزء من هندسة جغرافية وسياسية تعيد رسم الضفة الغربية، بينما تنسج خيوط شبكة استيطانية متصلة تهدف إلى خلق وقائع تعزز قبضتها على السكان والأرض، كل ذلك دون ضجيج إعلامي يذكر.
أدوات الضم الزاحف
تُواصل السلطات الإسرائيلية تنفيذ إستراتيجية طويلة الأمد في الضفة الغربية، تهدف إلى فرض سيادة فعلية كاملة من دون اللجوء إلى إعلان ضم رسمي قد يُكلفها ثمناً دولياً وسياسياً باهظاً.
منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان، جمال جمعة، يوضح لمنصة "المشهد"، أدوات خطة العمل الميدانية الإسرائيلية لفرض السيادة على أرض الواقع في الضفة من دون إعلان الضم وبلا ضجيج إعلامي، من خلال "أولاً، التوسع الاستيطاني الزاحف الذي لا يتوقف، حيث إن وتيرة البناء في المستوطنات تضاعفت مؤخراً، عبر إنشاء وحدات سكنية جديدة في مستوطنات عميقة داخل الضفة، مثل "أريئيل" و"معاليه أدوميم"، وتحويل البؤر الاستيطانية العشوائية لأحياء معترف بها، مدعومة بالبنى التحتية والحماية العسكرية، ومصادرة الأراضي تحت ذرائع الأراضي المتروكة وأراضي الدولة، ثانياً، شبكات الطرق، من خلال شق الجغرافيا وعزل التجمعات السكانية، وباتت شبكة الطرق الالتفافية أداة رئيسية لإعادة رسم خريطة الضفة، عبر عزل القرى والبلدات الفلسطينية ونشر الحواجز"
ويتابع المسؤول الفلسطيني جمعة حديثه: "ثالثا، الهدم المنظم لمحو الوجود الفلسطيني، هدم المنازل والبنى التحتية الحيوية، بذرائع عدم الترخيص في مناطق يُمنع فيها الفلسطينيون من البناء أصلاً، وتدمير المدارس والعيادات، وهدم المنشآت الزراعية كالآبار والصوامع، لدفع المزارعين إلى هجر أراضيهم، رابعاً، مصادرة الأراضي، كإعلان مناطق واسعة محميات طبيعية يمنع الفلسطينيون من استخدامها، بينما يسمح للمستوطنين بالاستفادة منها، ومصادرة الأراضي الزراعية بحجة المناطق العسكرية المغلقة، وتوسيع حدود المستوطنات، خامساً، خلق حقائق جديدة، من خلال زرع البؤر الاستيطانية العشوائية كأداة للتوسع السريع في مختلف أرجاء الضفة الغربية".
حياة تحت المجهر
تُختزل مأساة الضمّ الإسرائيلي الزاحف بالضفة الغربية، في حكاية المزارع الخمسيني أبو ناصر من الأغوار الشمالية، يقف اليوم عاجزاً أمام القيود المجحفة التي حولته من مالك لأرضه إلى متعدٍ عليها، فمنذ أعلنت السلطات الإسرائيلية أراضيه الزراعية المحيطة بمستوطنة "بتسائيل" منطقة عسكرية مغلقة، أصبح وصوله إلى أرضه أشبه بمعركة يومية، يشير بحسرة لمنصة "المشهد" إلى بئر المياه الذي صودر لصالح المستوطنة الإسرائيلية، بحرقة يعبر لـ"المشهد"، عن مأساته "الأرض تموت عطشاً، ونحن نموت وتنزف قلوبنا حزناً" فيما تظهر الوحدات الاستيطانية الجديدة على التلة المقابلة، في مشهد يلخص سلب الأرض تدريجياً دون رصاص.
حكاية المزارع أبو ناصر، نقطة في بحر ما يتعرض له الفلسطينيون جراء الضم القائم لأراضيهم وممتلكاتهم، في مشهد أصبح جزءاً من روتين السيادة الإسرائيلية الذي تدفع ثمنه العائلات الفلسطينية، أضحى منزل الأربعينية أم هاني أثراً بعد عين، في بلدة الولجة غربي مدينة بيت لحم، تقول لمنصة "المشهد"، "تحول منزل العمر الذي شيدناه من تعبنا ومدخراتنا أنا وزوجي إلى كومة من الركام في ساعات، بذريعة عدم الترخيص الذي من المستحيل أن نحصل عليه من قبل السلطات الإسرائيلية، أي ظلم يعصف بنا وبأطفالنا من قبل إسرائيل"، وفي المقابل فإن مستوطنة "جيلو" الإسرائيلية آخذة بالتوسع على أراضي البلدة السكنية والزراعية.
السيادة الإسرائيلية المنظمة
تشي المشاهد في الضفة الغربية، أن إسرائيل تنسج في الخفاء سياسات وإجراءات ستحول الاحتلال العسكري للضفة الغربية إلى سيادة فعلية دائمة، فليست هناك قرارات برلمانية صريحة أو إعلانات دولية، بل واقع يومي تُبنى فيه الحدود الجديدة بالأسمنت والأسلاك الشائكة، وتُفرض السيطرة من خلال القوانين والأنظمة البيروقراطية.
بدوره، أشار عضو هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، صلاح الخواجا لمنصة "المشهد"، إلى أن ما يحدث في الضفة الغربية، "ضم غير معلن، وهي إستراتيجية إسرائيلية طويلة المدى تهدف إلى فرض الهيمنة الكاملة على الأرض والموارد دون تحمل التبعات القانونية والسياسية لضم رسمي، هذه الإستراتيجية تخلق واقعاً جديداً من بسط النفوذ والسيطرة، حيث تشيّد البنى التحتية والتجمعات الاستيطانية، في المقابل يحشر الفلسطينيون في كنتونات محاصرة ومقطعة الأوصال، مما يفقد فكرة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أي معنى عملي على الأرض".
ووفق متابعته الميدانية يضيف الخواجا لـ"المشهد"، بأن، "مجمل السياسة والأدوات الإسرائيلية في الضفة الغربية تشكل نظاماً متكاملاً من السيطرة، يجمع بين القوة الخشنة كالهدم، والاستيطان، والقوة الناعمة عبر الاستحواذ على الموارد، والهدف هنا ليس مجرد إدارة الاحتلال، بل خلق واقع جديد على الأرض، تمهيداً لضمّ فعلي من دون إعلان صريح، بعيداً عن الأضواء الإعلامية التي تركز عادة على الأحداث العنيفة والمباشرة".