hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 التصعيد الإيراني في المنطقة.. هروب إلى الأمام أم انتحار سياسي؟

المشهد

مراقبون إيران فقدت بوصلتها الخارجية (أ ف ب)
مراقبون إيران فقدت بوصلتها الخارجية (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج تكشف عن مفارقات فادحة بين الخطاب والواقع.
  • تآكل سرديات إيران السياسية وفقدان بوصلتها الإستراتيجية.
  • مراقبون: التصعيد الإيراني يعكس هروبًا من تحمّل مسؤولية قرارات إستراتيجية خاطئة. 

إثر التصعيد الإقليمي المتسارع منذ تنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته العسكرية وشنّ ضربة عسكرية على إيران، أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي ونحو 40 مسؤولًا إيرانيًا، فإنّ الاعتداءات التي تقوم بها طهران على دول الخليج، وطاولت منشآت مدنية حيوية وإستراتيجية، تكشف عن مفارقات فادحة بين الخطاب الواقع.


السلوك الإيراني

ففي حين تبدو إيران وكأنها تمضي نحو إستراتيجية تقوم على توسيع رقعة الحرب لرفع كلفة الحرب، واستنزاف واشنطن عبر استهداف قواعدها ومصالحها، فإنّ الوقائع الميدانية بما تشير إليه من نمط عمليات يطال منشآت مدنية وبنًى تحتية، تفضح جملة تناقضات في السردية الدعائية الرسمية والتلفيقية. ومن ثم، ضرورة مساءلة الأهداف الخفية وغير المعلنة خلف السلوك الإيراني الراهن.

إذ يبعث الأداء الميداني لإيران بتساؤلات جمّة حول ما إذا كانت طهران قد فقدت بوصلتها الإستراتيجية، لتتحرك بردود فعل عشوائية عدوانية من دور مبرر أو أفق سياسي واضح، أو بالأحرى هدف عسكري قابل للتحقق.

مقتل علي خامنئي

في حديثها لـ"المشهد" تقول الناشطة الحقوقية الإيرانية عادلة كودرزي، إنّ مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي يشكل "محطة مفصلية" قد تكون بداية أفول 4 عقود من الحكم الديني في إيران، موضحة أنّ النظام، رغم ما يملكه من أدوات أمنية وعسكرية، لا يبدو قادرًا على خوض مواجهة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ومع ذلك، فإنّ استمرار الضربات الجوية وتبادل الهجمات، يجعل من السابق لأوانه الحديث عن حسم نهائي لأيّ طرف، بل ثمة إشارات نحو تصعيد إقليمي وتوترات متزايدة. وتردف: "يظل العامل الحاسم في أيّ لحظة تحول داخلي واستقرار إقليمي، هو إرادة الإيرانيين أنفسهم، وقدرتهم على تحقيق مصيرهم وتحديد مستقبلهم بعيدًا عن حسابات القوى الخارجية".

ورغم ضبابية المشهد وتسارع تطوراته، تبرز حقيقة يصعب تجاهلها وهي أنّ "الجمهورية الإسلامية" في إيران، تدخل "مرحلة غير مسبوقة من الضعف والتآكل، بما قد يفتح الباب أمام تحولات عميقة في بنية النظام السياسي الإيراني خلال المرحلة المقبلة".

هدف النظام الإيراني

يتفق والرأي ذاته المعارض الإيراني مهدي عقبائي، والذي يقول إنّ هدف النظام الإيراني من إطلاق الصواريخ على دول الخيج، يتجاوز بكثير فكرة "تغيير موازين الحرب"، إذ يأتي في إطار عملية سياسية لصرف الأنظار عن الأزمة التي يواجهها اليوم، وهي "أزمة السقوط الوشيك".

ويصف عقبائي لـ"المشهد"، عدوان النظام الإيراني على دول الخليج بأنها محاولة لتصدير أزماته للخارج، ويمكن اعتبارها بمثابة "الهروب إلى الأمام".

وإلى ذلك، يقول الباحث الإماراتي المختص في العلاقات الدولية محمد خلفان الصوافي، إنّ القراءة الأدق لما يجري، تشير إلى أنّ هذا التصعيد الإيراني يعكس، في جوهره، هروبًا من تحمّل مسؤولية قرارات إستراتيجية خاطئة، وعجزًا في تقدير الموقف خلال مرحلة حساسة من التفاوض غير المباشر مع إدارة الرئيس ترامب، الذي كان يبحث بدوره عن إنجاز سياسي قبيل الانتخابات النصفية.

وشدد على أنّ تمسّك النظام الإيراني بـ"دبلوماسية المماطلة"، قبل أن ينزلق إلى سلوك عسكري متسرّع، نجم عنه خسارة ما تبقى من تعاطف في الرأي العام الخليجي، وعمّق الانطباع بأنّ الأيديولوجيا تتقدّم على حسابات المصلحة والاستقرار.

ويعزّز هذا التفسير مسار الضربات ذاتها؛ إذ لم تُصب البوارج الأميركية كما أُعلن، فيما طالت الصواريخ مناطق سكنية وبنًى مدنية، من دون أن تمتد العمليات إلى دول إقليمية أخرى خارج دائرة الاشتباك المباشرـ وهو ما يطرح أسئلة حول دقة الأهداف، وحول الرسائل السياسية التي أرادت طهران إيصالها، ومدى اتساقها مع قواعد الاشتباك المتعارف عليها، بحسب الباحث الإماراتي في العلاقات الدولية.

إيران وفقدان البوصلة

عسكريًا، يقول الصوافي: "يمكن بناء فرضية مفادها أنّ إيران فقدت بوصلتها القيادية، خصوصًا بعد خسارة عدد من كبار قادتها، بدءًا من المرشد الأعلى وصولًا إلى قيادات ميدانية وازنة. هذا الفراغ النسبي في هرم القيادة أفضى، على ما يبدو، إلى قرارات تُتخذ على مستويات أدنى، وربما بدوافع انفعالية انتقامية أكثر منها إستراتيجية".

ويردف: "سياسيًا، يلوح في الأفق سيناريو فراغ معقّد، كان مرشّحًا للظهور في مرحلة ما حتى من دون هذه الحرب، بالنظر إلى التركيز المفرط على شخص المرشد بوصفه محور النظام ومرجعيته العليا. غير أنّ ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد فراغ تقني في السلطة؛ إذ إنه أقرب إلى اهتزاز بنيوي في منظومة حكم تأسست على فكرة الثورة الدائمة والصراع المفتوح مع الآخر".

هذا الارتباك يشي بما يشبه "الانتحار السياسي" إقليميًا، حين يتحول توسيع الصراع إلى أداة لإثبات الوجود بدلًا من أن يكون وسيلة لتحقيق أهداف قابلة للتحقق.

وثمة غضب واضح داخل دوائر القرار الإيرانية، من أنّ الحرب الجارية لا تستهدف البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية فحسب، بل تمسّ أيضًا مرتكزات النسخة الأيديولوجية للنظام، القائمة على خطاب ثوري متشنج تجاه المحيط، خصوصًا العربي، كما يوضح الصوافي. ومن هنا يمكن فهم حدّة الردود، بوصفها دفاعًا عن سردية سياسية قبل أن تكون دفاعًا عن قدرات عسكرية.

إذًا، تبدو السردية الإيرانية في حالة تآكل متسارع. وقد تراجعت قدرتها على التعبئة إقليميًا بعد تحولات كبرى في ساحات نفوذها، وتعرّضت داخليًا لاختبارات قاسية كشفت حدود الشعارات في مواجهة أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة. ولم يعد يتبنى هذه السردية سوى قوى مؤدلجة، في حين يتسع نطاق الشك لدى قطاعات أوسع من الرأي العام في المنطقة.

وبينما تسعى طهران إلى تقديم تصعيدها بوصفه "ردعًا استباقيًا"، على حد توصيف الباحث الإماراتي، تتعزز قناعة مقابلة بأنها محاولة لتأجيل استحقاقات داخلية وإعادة خلط الأوراق، في لحظة إقليمية لا تحتمل مزيدًا من المغامرات المحسوبة بخطاب أيديولوجي أكثر مما تُحسَب بميزان المصالح والاستقرار.

غموض وتخبط

المستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية سالم عسكر يقول، إنّ الضربة العسكرية التي تلقتها إيران قبل يومين، بدت أكثر اتساعًا وتركيزًا مقارنة بالضربة التي تعرضت لها خلال حرب الـ12 يومًا، موضحًا في حديثه لـ"المشهد"، أنّ الدولة الإيرانية بقيت، بعد الضربة الأولى، كيانًا واحدًا نظريًا، لكنها عمليًا باتت تتحرك عبر 3 مراكز قرار: مؤسسة المرشد ورجال الدين، ودائرة السياسيين الساعين إلى احتواء المخاطر المحدقة بالنظام، ثم الحرس الثوري الذي يؤسس إستراتيجياته وعلاقاته على منطق المواجهة والتصعيد.

وأشار عسكر إلى أنّ الاعتداءات الإيرانية، خصوصًا تجاه دول الخليج ودول عربية أخرى، تعكس حالة من الغموض والتخبط، وربما فقدان البوصلة في إدارة الصراع.

في المقابل، أظهرت دول الخليج موقفًا حاسمًا برفض هذه الممارسات، وانتقلت لهجتها من الإدانة إلى التأكيد على حق الدفاع عن النفس، مع التحذير من أنّ استمرار التصعيد قد يفضي إلى ردّ أوسع، حسبما يشير المستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية.