اختتم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يوم السبت زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة، أعلن خلالها عن العديد من الشراكات الاقتصادية بين البلدين، وأجرى مباحثات مع كبار المسؤولين في شركة "شيفرون" و" إكسون موبيل" لزيادة إنتاج النفط والغاز العراقي، وتطوير الصناعات النفطية، وفتح منافذ جديدة لتصدير الخام العراقي.
ومن أبرز المشاريع التي أعلنها الزيدي من واشنطن، توقيع وزارة النفط العراقية مذكرة تفاهم مع الجانب السوري لإنشاء أنبوب لتصدير النفط الخام عبر الأراضي السورية وصولاً إلى بانياس على ميناء البحر الأبيض المتوسط، ما وصفه مراقبون بأنه محاولة أميركية لإيجاد ممر آمن للسفن التجارية بديلاً عن مضيق هرمز.
وخلال 5 أيام من زيارة الزيدي للبيت الأبيض، توالى الإعلان عبر المواقع العربية والعالمية عن الشراكات الجديدة بين بغداد وواشنطن التي بلغت 48 مذكرة تفاهم إضافة إلى فك الحظر عن 7 مصارف عراقية مقيّدة، ما أثار استياء طهران التي سارعت للتعليق على الزيارة على لسان مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي، حيث وصفها بـ "المؤسفة" و"المهينة" للعراق.
وتزامنت زيارة الزيدي لواشنطن مع عودة التصعيد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وكان للعراق نصيبه من الطائرات المسيّرة التي أطلقها الحرس الثوري الإيراني على المصالح الأميركية في أربيل عاصمة إقليم كردستان ومدينة السليمانية الحدودية مع إيران.
هل سيزور الزيدي طهران؟
وتناقلت مواقع محلية عراقية، أن الزيدي سيزور طهران الأسبوع المقبل، تلبية لدعوة من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، دون الكشف عن جدول الأعمال الرسمي أو مدة الزيارة أو توقيتها المحدد. في حين كشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد" أن الزيدي سينطلق إلى طهران حاملاً رسالة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطالباً إيران بالعودة إلى طاولة الحوار.
وأكدت أن الزيدي كان قد قرر زيارة إيران قبل واشنطن، وتم التخطيط لهذه الزيارة مباشرة بعد استلامه الحكومة، لكن تحديد ترامب منتصف يوليو الحالي موعداً لاستقبال الزيدي في البيت الأبيض، دفع الأخير إلى تأجليها لحين عودته.
وأوضحت المصادر، أن الزيدي اقترح على ترامب أن يكون العراق دولة وسيطة بين واشنطن وطهران، وأن يلعب دوره الإقليمي لخفض التصعيد وإيقاف إطلاق النار عبر زيارة العاصمة الإيرانية طهران والتفاوض مع القادة الإيرانيين للعودة إلى طاولة الحوار التي ستكون بانتظارهم في بغداد. حيث رحّبت القيادة الأميركية بالفكرة في حين لم تلقَ استحسان بعض أعضاء الكونغرس الأميركي.
لماذا استاءت طهران من الزيارة؟
أعلن الزيدي من واشنطن، أن 30 سبتمبر المقبل هو الموعد النهائي لانسحاب القوات الأميركية من العراق، وبعد هذا التاريخ لن يكون هنالك أي مبرر لوجود السلاح المنفلت أو لنشاط أي مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة العراقية.
وفي هذا الصدد، كشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد" أن الزيدي حاول تمديد مهلة حصر السلاح بيد الدولة إلى ما بعد 30 سبتمبر، إلا أن الإدارة الأميركية تحفّظت على الموافقة، وربطت علاقة واشنطن ببغداد بقدرة حكومة الزيدي على تنفيذ الاتفاقات وليس فقط تقديم الوعود كالحكومات العراقية السابقة.
ويقول المحلل السياسي مكرم القيسي، لمنصة "المشهد" إن تصريحات الجانب الإيراني فيما يخص زيارة الزيدي لواشنطن متوقعة جداً، لأسباب عدة في مقدمتها إدراك طهران أن واشنطن وضعت يدها بالكامل على الاقتصاد العراقي، من خلال الاستثمارات الأميركية التي ستبدأ في السوق العراقية، ما أثار قلق إيران على نفوذها في العراق، خصوصا بعد رفع الحظر عن 7 مصارف عراقية، ما سيضعف تهريب الدولار إلى طهران، وسيؤدي لزيادة حصة العراق من أوبك، وضبط المال الأميركي، ما يزعج إيران التي تراجع نفوذها بشكل واضح خاصة بعد زيارة الزيدي لواشنطن.
وفيما يخص تراجع النفوذ العسكري لإيران في العراق، يجيب القيسي: "هنالك تراجع ملحوظ للنفوذ العسكري الإيراني في العراق، خصوصا" بعد أن أعلنت "عصائب أهل الحق" و"كتائب سيد الشهداء" إمكانية تسليم سلاحها ثم عادت نفت تصريحاتها، هذا يدل على زعزعة الوجود الإيراني.
إضافة إلى أن الزيدي كان واضحاً في حديثه من واشنطن، وحدد 30 سبتمبر المقبل الفرصة الأخيرة لتسليم السلاح، الفصائل العراقية المدعومة من إيران تدرك جديّة الحكومة العراقية بتنفيذ مهمتها، ونلاحظ غيابها عن التصعيد الأخير بين واشنطن وطهران. بحسب القيسي.
أما فيما يخص زيارة الزيدي المرتقبة إلى إيران، يرى القيسي أن زيارته مرهونة بالأوضاع الأمنية، خصوصا بعد مقتل جنود أميركيين في الأردن، مما قد يؤدي لتأجيلها، لكن في حال تمت فهي بالتأكيد لترسيخ دور العراق الإقليمي في المنطقة وإبراز دوره في إحلال السلام ووقف الحرب.
وتزامنت الانتقادات الإيرانية التي طالت زيارة الزيدي لواشنطن، مع تصريحات أطلقها مسؤول في "كتائب سيد الشهداء" أشار من خلالها بشكل غير مباشرة للزيارة، قائلاً: "عليهم تجهيز التوابيت!".
ويرى القيسي، أن هذه التصريحات التي يطلقها قادة الفصائل من وقت لآخر لن يكون لها أي تأثير، لأن وجودهم أصبح ضعيفاً، وفي أي لحظة سينتهي دورهم ولا تشكل خطراً على الحكومة العراقية، وفي حال تحركت هذه الفصائل ضد الأجهزة الأمنية سيكون الرد قاسيا جداً.
إقليم كردستان ضمن حقيبة الزيدي إلى طهران
وشهدت مدينتا أربيل والسليمانية خلال الأيام الماضية سلسلة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تبناها الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى استهداف المعارضة الإيرانية الكردية في السليمانية ومستودعات أسلحة وذخيرة. ما أدانته سلطات الإقليم وطالبت بغداد بالتدخل لإيقاف هذه الهجمات على مدن إقليم كردستان.
ويقول المحلل السياسي محمد زنكنة لمنصة "المشهد"، إن استهداف إقليم كردستان سيكون من أبرز الملفات التي سيحملها الزيدي إلى طهران، لكن التفاوض حول أي موضوع تراه إيران جزء من أمنها الوطني لن يؤدي إلى نتيجة إيجابية، لأن هذه الاستهدافات تتكرر بين حين وآخر، وتطال الكثير من المناطق الحساسة ولولا وجود أنظمة الدفاع الجو الأميركية لتضررت كردستان بشكل كبير.
ويرى زنكنة، أن الفصائل العراقية المسلحة التي رفضت تسليم السلاح، ستصّر على موقفها، ومعها إيران التي لن تستجيب لطلبات الزيدي، ولن يكون استقباله في طهران أفضل من استقبال رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي، هذه الزيارة قبلت بها طهران على مضض، خصوصا بعد عودته من واشنطن وتوقيعه العديد من الاتفاقيات الاقتصادية، والإقليم يرى أن هذه الفصائل لن تتوقف على استهدافه.
ويصف زنكنة، زيارة الزيدي المقبلة إلى طهران، بأنها محاولة منه لإظهار التوازن في سياسته بين الجانبين الأميركي والإيراني، أصحاب النفوذ في العملية السياسية الأميركية، ويريد أن يقول لطهران إن العلاقة مع واشنطن ليس على حساب العلاقة معها، لأن الجانب الإيراني قلق جداً من العلاقات الخليجية العراقية والعلاقات الأميركية العراقية.



