في ظل توقيع اتفاق مرتقب بين إيران والولايات المتحدة، الجمعة في جنيف، فإن تساؤلات عدة تؤطر الوضع الراهن ومآلاته. فمرحلة ما بعد الحرب إثر توقيع "مذكرة التفاهم"، تفرض، بصورة ملحة، إعادة تعريف علاقة إيران بشبكة وكلائها الإقليميين.
مستقبل وكلاء إيران
إذ إنّ التوترات التي اندلعت منذ حرب غزة، اضطلعت فيها إيران بدور رئيس من خلال وكلائها الميلشياويين الذين طوقت بهم المنطقة، وراكمت فيها نفوذها على مدار أكثر من عقد.
ومن ثم، انبعثت تهديدات قصوى بفعل سياسة "الحرس الثوري" التي تقوم على مبدأ "وحدة الساحات" والتي بلورت ما عرف بـ"جبهات الإسناد"، لجهة تحويل أيّ ضغط أو مواجهة مع إيران إلى حرب لها كلفتها على الأمن الإقليمي والدولي.
بالتالي، تتباين التقديرات بشأن انعكاسات أيّ اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران على شبكة النفوذ الإقليمي لطهران. واتفق مراقبون تحدثوا لـ"المشهد" على أن الاتفاق، لن يعني بالضرورة تفكيك الوكلاء أو إنهاء نفوذهم وضبط سلوك طهران الخارجي.
والمعضلة الرئيسة تتمثل في أن شبكات النفوذ المرتبطة بطهران قد تطورت إلى منظومات أكثر مرونة وتعقيدًا، بينما تقوم على تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية والأيديولوجية بين فاعلين متعددين، ما يجعل قدرتها على الاستمرار تتجاوز حدود القرار المركزي الإيراني.
دعم إيران لوكلائها
وفي حديثه لـ"المشهد"، قال المدير السابق لشؤون الخليج في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ديفيد دي روش، إن إيران ستضطر خلال المرحلة المقبلة إلى توجيه مواردها المحدودة نحو إعادة الإعمار وترميم ما خلّفته الحرب، مع المحافظة في الآن ذاته على قنوات دعمها لحلفائها ووكلائها الإقليميين.
وأضاف دي روش أن ميلشيا "الحوثي" باتت تعتمد إلى حد كبير على قدراتها الذاتية رغم الضغوط التمويلية، مشيرًا إلى أن قدرة طهران على تقديم دعم مالي مباشر لها تبدو محدودة، لكنها ستواصل تزويدها بشحنات من الأسلحة المتطورة، بما في ذلك مكونات الصواريخ.
كما ألمّح المدير السابق لشؤون الخليج في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، إلى أن الفصائل العراقية الموالية لإيران تتمتع بدرجة كبيرة من الاكتفاء الذاتي، فضلًا عن حصولها على مصادر تمويل داخلية، ما يجعلها حريصة على تجنب أيّ تصعيد قد يهدد مكاسبها الحالية.
بالتالي يُرجّح أن تبقى بعيدة عن الانخراط في مواجهات واسعة خلال المرحلة المقبلة.
واعتبر دي روش أن التركيز الإيراني سينصبُّ بصورة أساسيّة على "حزب الله"، باعتباره "أحد أهم الأدوات الإستراتيجية التي استخدمتها طهران لردع إسرائيل وتعزيز نفوذها الإقليمي"، خصوصًا أن إيران تعاملت مع الحزب، خلال الأعوام الماضية، بوصفه "قوة قتالية" يمكن توظيفها في معارك تخدم مصالحها، كما هو الحال في الحرب السورية.
تراجع نفوذ إيران الإقليمي
من جهته، أوضح الباحث في العلاقات الدولية محمد خلفان الصوافي، أن تراجع نفوذ إيران الإقليمي يظل مرهونًا بحالة أساسية تتمثل في وقف أو بالأحرى تقييد مصادر تمويلها، مشيرًا إلى أن الحديث المتزايد عن احتمال الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة يثير تساؤلات حول مدى واقعية الرهان على انكفاء طهران عن سياساتها الإقليمية.
وأضاف خلفان الصوافي في حديثه لـ"المشهد"، أن طموحات النظام الإيراني في توسيع نفوذه الإقليمي لم تنتهِ، حيث إن شبكة النفوذ التي أعادت طهران تشكيلها خلال الأعوام الأخيرة، خصوصًا في أعقاب حرب غزة وما تبعتها من توترات إقليمية، لا تزال قائمة بأشكال وصيغ مختلفة.
وتابع أن هذه الشبكة تشمل أنماطًا متعددة من التحالفات والتقاطعات السياسية والأمنية في عدد من الساحات الإقليمية، من بينها السودان وقطاع غزة، وبدرجات متفاوتة في اليمن ولبنان، لافتًا إلى أن تلك الروابط تشكل جزءًا من إستراتيجية أوسع تسعى إيران من خلالها إلى الحفاظ على حضورها ونفوذها في المنطقة.
هدف إستراتيجي
ولا يقتصر ذلك على الفصائل أو الجماعات الحليفة لطهران، بل يمتد إلى مختلف الأدوات والشبكات المرتبطة بها، بحسب ما ذكر الباحث في العلاقات الدولية، مؤكدًا أن "استمرار هذه الكيانات يعكس بقاء الهدف الإستراتيجي لطهران، والمتمثل في تعزيز النفوذ الإيراني خارج الحدود".
وختم حديثه قائلًا إن أيّ "تحول جوهري" في هذا المسار يتطلب إما تغييرًا في طبيعة النظام الحاكم في إيران وأولوياته الإستراتيجية، أو فرض آليات رقابة دولية صارمة على كيفية إنفاق الموارد والأموال الإيرانية، على غرار أنظمة الرقابة التي فُرضت على العراق في مرحلة برنامج "النفط مقابل الغذاء" خلال عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
إذًا، يمكن القول إن العامل الحاسم في التوصل إلى التفاهمات الأخيرة بين طهران وواشنطن لم يكن مرتبطًا بنفوذ طهران عبر وكلائها في المنطقة، بقدر ما ارتبط بأهمية مضيق هرمز ودوره الحيوي في أمن الطاقة والتجارة العالمية.
الورقة الرئيسة
ولهذا، فإن "الورقة الرئيسة" التي دفعت واشنطن إلى السعي نحو اتفاق مع طهران تمثلت في قدرة إيران على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق، وما يترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وليس الدور الذي تؤديه التنظيمات الولائية والميلشياوية في اليمن أو لبنان أو غيرهما من ساحات النفوذ الإقليمي، بحسب ما يوضح المراقب الدولي العسكري لدى الأمم المتحدة الدكتور كمال الزغول.
ويقول الزغول لـ"المشهد"، إن التطورات الأخيرة كشفت عن تحوّل في طبيعة أدوات التأثير والصراع في المنطقة، حيث بات الضغط الاقتصادي وتأثيره على حركة التجارة والطاقة العالمية أكثر فاعلية من كثير من أدوات النفوذ التقليدية، بينما أصبحت القدرة على التأثير في الاقتصاد الدولي أحد أبرز عناصر القوة في التوازنات الإقليمية والدولية الراهنة.
التحولات الجيوسياسية
وأشار إلى أن دول المنطقة باتت أمام واقع أمني جديد يدفعها إلى إعادة تقييم إستراتيجياتها الدفاعية والأمنية، مرجحًا أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة في الإنفاق العسكري والاستثمارات المخصصة لتعزيز القدرات الدفاعية وحماية الأمن الوطني في مواجهة التحديات المستقبلية.
وهذه المتغيرات، وفق المراقب الدولي العسكري لدى الأمم المتحدة، ستدفع كذلك العديد من دول المنطقة إلى إعادة النظر في بنية منظوماتها الأمنية والعسكرية، بما ينسجم مع طبيعة التهديدات المستجدة والتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
ضبط سلوك طهران
يتفق والرأي ذاته القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني وعضو التحالف المدني الديمقراطي "صمود" عروة الصادق، والذي وصف الرهان على قدرة الاتفاق بأنه قد يسفر تلقائيًا عن ضبط سلوك وكلاء طهران في المنطقة بأنه ينطوي على "قدر من التبسيط".
ويقول الصادق لـ"المشهد" إن التجارب السابقة منذ الاتفاق النووي عام 2015، وحتى جولات التهدئة الإقليمية اللاحقة، أظهرت أن العلاقة بين طهران وشبكات نفوذها أكثر تعقيدًا من النموذج "الولائي"، خصوصًا مع تحول هذه الشبكة لمنظومات مصالح أمنية واقتصادية وأيديولوجية تمتلك قدرًا معتبرًا من الاستقلال التكتيكي، حتى مع استمرار ارتباطها الإستراتيجي بطهران، وبعضها منقسم داخليًا على نفسه من الموقف تجاه إيران.
وما نشهده منذ 7 أكتوبر هو ولادة "طبعة جديدة" من شبكة النفوذ الإقليمي، وفق الصادق، موضحًا أنها شبكة "أكثر مرونة" و"أقل هرمية"، تجمع بين الفاعلين العسكريين التقليديين وبين قوى سياسية وعقائدية تتقاطع مصالحها مع إيران دون أن تكون جزءًا عضويًا من بنيتها التنظيمية، وهنا تبرز حالة التخادم بين تنظيم "الإخوان" و"الحرس الثوري" الإيراني في بعض الساحات.
تقاطع وظيفي
ويردف: "في السودان على سبيل المثال، لا يقوم التقارب بين الإسلامويين و"الحرس" على وحدة مذهبية أو تطابق أيديولوجي؛ وإنما على تقاطع وظيفي فرضته الحرب. حيث إن التيار الإسلاموي يبحث بانتهازية عن مصادر تسليح ودعم وخبرات عسكرية تعيد ترميم نفوذهم، بينما ترى إيران في السودان بوابة إستراتيجية على البحر الأحمر ونقطة ارتكاز في القرن الإفريقي، ولذلك نشأ نمط من التحالف البراغماتي القتالي الذي تحكمه المصالح أكثر من العقائد".
والأمر ذاته في قطاع غزة واليمن ولبنان وحتى العراق، بحسب المصدر ذاته، وقد أنتجت الحرب بيئة إقليمية جديدة تقوم على تشابك المصالح بين جماعات ذات خلفيات فكرية، أيدولوجية أو عقائدية، مختلفة، لكنها تتشارك "عدوًا واحدًا وفق منطقها أو ترى في استمرار التوتر وسيلة لترسيخ نفوذها المحلي والإقليمي".
بالمحصلة، يرى الصادق أنه حتى إذا توصلت طهران وواشنطن إلى تفاهمات واسعة حول الملف النووي أو الأمن الإقليمي، فإن ذلك قد يخفف مستوى التصعيد المباشر، وقد يضع ضوابط على بعض السلوكيات العسكرية، لكن لن يؤدي بالضرورة إلى تفكيك شبكات التخادم الجديدة؛ لأن هذه الشبكات اكتسبت دينامياتها الذاتية، وخلقت اقتصادات حرب، ومسارات تمويل، معلنة وخفيّة، ثم علاقات نفوذ تتجاوز القرار المركزي في طهران، وهذا أمر الاستهانة به ستكلف العالم "جولة ثانية من العنف والتطرف والإرهاب".