في توقيت إقليمي مثقل بالصراعات والتوترات، تترقب القاهرة زيارة رسمية للرئيس الصيني شي جين بينغ خلال الأيام المقبلة، وسط توقعات بشأن توسيع الشراكة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بين القاهرة وبكين، فالزيارة التي تُعد الأولى بعد عقد كامل من غياب شي جين بينغ عن القاهرة تأتي بالتزامن مع مرور 70 عاماً على بدء العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية.
ووفقاً لما أعلنته الخارجية الصينية فإن شي جين بينغ سيتوجه اليوم الأحد إلى قرغيزستان، في مستهل جولته التي تستمر إلى 3 سبتمبر للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، بينما أكدت الرئاسة المصرية في بيان رسمي لها أنه في إطار العلاقات الثنائية المتميزة مع بكين، فمن المقرر أن يقوم الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة إلى مصر خلال الأيام القليلة المقبلة، ومن المقرر أن يلتقي خلال الزيارة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الإستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات، فضلاً عن تبادل الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وعلى ما يبدو فإن العلاقات المصرية الصينية قائمة على أساس المصالح المتبادلة، فبكين تبحث عن توسيع حضورها الاقتصادي والإستراتيجي، بينما تسعى القاهرة إلى تعظيم الاستفادة من علاقاتها مع قوة دولية كبرى، مع الحفاظ على سياسة تقوم على تنويع الشراكات واتخاذ القرار وفقاً للمصلحة الوطنية.
زيارة تاريخية
رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير عزت سعد وصف في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد" زيارة الرئيس الصيني لمصر بالتاريخية، مشيراً إلى أن العام الحالي يتزامن مع مرور 10 أعوام على زيارته للقاهرة في عام 2016، والتي ألقى خلالها خطابه الشهير في جامعة الدول العربية وطرح ورقة خاصة بسياسة الصيغة العربية، على نحو شامل يغطي كل مجالات التعاون المشترك وأسس هذا التعاون وأهدافه، مشيراً إلى أن اختيار الرئيس الصيني زيارة مصر دون التوجه إلى دول أخرى في المنطقة، يعكس إدراك الصين لقيمة مصر ومكانتها، كما تُعد خطوة مهمة على صعيد العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية مع مصر.
وأكد أن زيارة شي جين بينغ للقاهرة تأتي في توقيت بالغ الدلالة وفي لحظة دولية تشهد إعادة تشكيل عميقة في موازين القوة والاقتصاد والسياسة، وفي سياق أوضاع مضطربة داخل منطقة الشرق الأوسط، تتقاطع فيها الحسابات السياسية مع المصالح الاقتصادية والأمنية، فيما تعيد القوى الكبرى رسم دوائر نفوذها في المنطقة.
ومع اقتراب زيارة الرئيس الصيني إلى مصر، تبرز تساؤلات عديدة حول كيفية قدرة القاهرة على المواءمة بين علاقاتها مع بكين وواشنطن في ظل تباين وتجاذبات الطرفين، وفي هذا الصدد نفى سعد وبشكل قاطع وجود أي تعارض في علاقة بلاده مع كل من الصين وأميركا، موضحاً أن التطورات التي طرأت على صعيد العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة ليست موجهة ضد أحد، ومن أبرزها انضمام القاهرة لتجمع البريكس في يناير من عام 2024، ووجود القاهرة كشريك حوار في منظمة شنغهاي للتعاون، مضيفاً في الوقت نفسه أن مصر الدولة الإفريقية الوحيدة من خارج آسيا التي تتمتع بهذه الوضعية في هذه المنظمة.
وأوضح أن مجالات التعاون بين القاهرة وبكين منذ أن رُفعت هذه العلاقات إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة في عام 2014، وبات هناك تعاون متعدد الأبعاد بين الجانبين بما في ذلك المناورات والتدريبات العسكرية المشتركة والتي تجري حالياً في نسختها الثانية تحت شعار "نسور الحضارة 2026"، وبالتالي فإن هذه الزيارة بالغة الأهمية، وتعكس الثقة والاحترام المتبادل بين القيادتين المصرية والصينية واللتين كان لهما دور محوري في تعزيز التقارب المصري الصيني، مبيناً أن الطفرة التي حدثت في العلاقات بين الصين والمنطقة بشكل عام وبين مصر على وجه الخصوص كانت في عام 2013 وذلك بعد أشهر من تولي الرئيس شي جين بينغ الحكم في الصين.
خروج عن الاتزان الإستراتيجي؟
ولفت رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، إلى أن تقديرات البعض بأن التقارب المصري الصيني يمثل خروجا عن مسألة الاتزان الإستراتيجي الذي تنتهجه القاهرة في مسار علاقاتها الخارجية، هي تقديرات خاطئة وفي غير محلها شكلا وموضوعا، مؤكدا أن هذا التقارب يعد تأكيداً على أن مصر كقوة متوسطة قررت أن تحتفظ لنفسها بمساحة معتبرة في حركة سياستها الخارجية، وأن تنويع هذه الخيارات هو جوهر هذه السياسة، وأينما كانت لها مصلحة مشتركة مع أي من الدول ستعزز من تعاونها معها، مضيفاً أن اتجاه مصر نحو الشرق لا يتعارض بأي حال مع سياسة الاتزان الإستراتيجي الذي تنتهجه مصر.
وأشار إلى أن العالم الآن أصبح قائماً على شبكة من المصالح، وبالتالي فإن الصين لديها مصالحها في مصر، خصوصاً أن الأخيرة تتمتع بقوة إستراتيجية مستقرة في المنطقة، ومن ثم فإن التعاون معها يحقق للصين نوعاً من الاستقرار في حماية مصالحها الاقتصادية، كما أن القاهرة لديها مصالحها في إقامة علاقة إستراتيجية مع قوة دولية بحجم الصين، خصوصاً أنها تمر بمرحلة تحول تحتاج خلالها إلى دعم عناصر قوة الدولة الشاملة، من أجل تعزيز قدرتها على مجابهة التحديات المحيطة بها.
وعلى الجانب العسكري، يشير خبير الأمن الإقليمي اللواء أركان حرب وائل ربيع، إلى أن هذا الملف سيكون على طاولة الملفات التي تحظى باهتمام واسع خلال زيارة شي جين بينغ للقاهرة، خصوصاً في ضوء تنامي التطور الذي تشهده العلاقات الدفاعية بين البلدين والتدريبات المشتركة التي جرت مؤخراً، موضحاً أن التعاون فيما يخص مجال تكنولوجيا التسليح سيكون إحدى أبرز النقاط المهمة خلال النقاش في هذا الملف.
ولفت ربيع إلى أن بلاده تسعى إلى تنويع مصادر التسليح وتعزيز قدراتها الدفاعية، وامتلاكها قوة عسكرية قادرة على تحقيق التوازن، وذلك في ظل تسارع وتيرة التطورات الإقليمية وتصاعد القوة العسكرية لإسرائيل، موضحاً أن بكين يمكن أن تكون أحد الخيارات المهمة المتاحة أمام القاهرة في هذا الملف، مبيناً أن التسليح الصيني بات حاضراً بصورة متزايدة في العالم كله، لأن الأسلحة والمعدات الصينية تتميز بانخفاض تكلفتها مقارنة بمصادر أخرى، وهو ما يجعل التعاون معها خياراً يمكن لمصر الاستفادة منه وفقاً لاحتياجاتها.
الذكاء الاصطناعي "ملف مهم"
وحول ما يتردد بشأن إقدام شركة هواوي الصينية على عرض للتعاون في مجال التكنولوجيا وإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي في مصر، لخدمة الاستخدامات العسكرية والقطاعات الحكومية، أشار خبير الأمن الإقليمي إلى أن ملف الذكاء الاصطناعي سيكون من الملفات التي قد تكتسب أهمية كبيرة خلال الفترة المقبلة بين مصر والصين، بما يعزز موقع القاهرة كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي في إفريقيا والشرق الأوسط.
وأضاف أن هذا المركز لا يقتصر على احتياجات مصر الداخلية، بل يمكن أن يصبح جزءاً من بنية إقليمية تقدم خدمات الحوسبة والذكاء الاصطناعي لأسواق عربية وإفريقية أخرى، مؤكداً أن القاهرة تمتلك بنية تحتية للاتصالات تجعلها نقطة اتصال مهمة داخل المنطقة، إذ تمر عبرها كابلات بحرية دولية تربط بين مناطق مختلفة من العالم.
وتشير البيانات الرسمية المصرية إلى أن العلاقات بين البلدين شهدت تطورات كبيرة خلال العقود الماضية، ففي عام 1999 ارتقت هذه العلاقات إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، ثم رُفعت بعد ذلك إلى شراكة إستراتيجية شاملة في عام 2014، بينما ارتبطت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في عام 2016 بمرحلة توسع كبيرة في التعاون والمشروعات المشتركة.



