hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 تحت النار والنزوح.. مسيحيو فلسطين جذور راسخة تبحث البقاء

المشهد

حجارة الكنائس والأديرة في غزة والضفة تروي قصص استهداف ومعاناة لا تتوقف (أ ف ب)
حجارة الكنائس والأديرة في غزة والضفة تروي قصص استهداف ومعاناة لا تتوقف (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • عضو مجلس الكنيسة العربية الأرثوذكسية في غزة: الحرب ألحقت خسائر فادحة بالأديرة والطنائس، ودمرت 80% من ممتلكات المسيحيين في غزة.
  • رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة: إسرائيل تستهدف صمود المسيحيين في فلسطين وتسعى لتهجيرهم. 

في أرضٍ تفوحُ منها ذكريات الصعود والصلب، يحمل أحفاد السيد المسيح اليوم صليباً آخر، مصنوعاً من الجدران العازلة والاستيطان والتهجير المنظم، فالمسيحيون الفلسطينيون، الذين ورثوا إيمانا عريقا ومتجذرا في هذه الأرض المقدسة التي شهدت خطوات السيد المسيح وتعاليمه الأولى، يواجهون واقعاً مركباً، وحرباً مزدوجة، إذ يناضلون للبقاء على أرض الأجداد، ويقاومون ضغط السياسات الإسرائيلية تجاههم منذ عقود.

من القدس إلى الناصرة وصولاً إلى قطاع غزة، تروي حجارة الكنائس والأديرة قصص استهداف ومعاناة لا تتوقف، وتظهر سجلات التهجير القسري أرقاماً مفزعة عن نزيف ديمغرافي مستمر، فالاستيطان والمضايقات الإسرائيلية، المتمثلة بتقييد حرية العبادة، تتزامن معها الهجمات المتكررة من قبل مستوطنين متطرفين، أضحت تشكل أسلحة في حرب إبادة بطيئة ضد أحد أقدم التجمعات المسيحية في العالم، فأحوالهم تكشف عن واقع مؤلم من التحديات التي تواجههم وتنذر "بطمس وجودهم التاريخي".

استهداف المسيحيين في غزة

كشف عضو مجلس الكنيسة العربية الأرثوذكسية في غزة إلياس الجلدة لمنصة "المشهد" عن حجم الخسائر التي لحقت بالمسيحيين الفلسطينيين في قطاع غزة على مدار عامين بفعل الحرب الإسرائيلية، "فقدنا 44 مسيحياً من الأهل والأحبة، نتيجة القصف، والوضع الإنساني الصعب مع انعدام العلاج والغذاء والدواء، فيما تجاوز عدد الجرحى والمتضررين 500 شخص، أما المنشآت الكنسية والمؤسسات التعليمية والثقافية تعرضت لخراب كبير، إذ دمرت الكنائس والمدارس والمراكز المجتمعية وجمعية الشبان المسيحية ومدرسة العائلة المقدسة، وعدد من المرافق الحيوية التي تعتبر ركيزة أساسية لحياة المسيحيين في غزة".

ويتابع الجلدة حديثه لـ"المشهد" حول سلسلة مؤلمة من الأحداث التي أثّرت بعمق على هذا المكوّن الأصلي في المجتمع الفلسطيني، قائلاً "إن غالبية المنازل المسيحية سُوِّيت بالأرض بشكل كامل، ما دفع أعداداً كبيرة من العائلات للعيش في مساكن مؤقتة وسط ظروف حياتية تزداد قسوة يوماً بعد يوم، فالمجتمع المسيحي في غزة عايش ضربات مؤلمة وغير مسبوقة، إذ ارتفعت نسبة المنازل المدمرة بين العائلات المسيحية إلى نحو 80%، وهذا يعكس حجم الكارثة التي ألمت بالمسيحيين".

ويؤكد الجلدة أن حجم الخسائر التي لحقت بالمسيحيين في قطاع غزة صادماً وغير مسبوق، إذ مُحيَت منازلهم، واستُهدف وجودهم التاريخي، حيث قصفت إسرائيل كنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس، وكنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية، ودمرت المؤسسات التابعة للكنائس، مثل المستشفى المعمداني، والمركز الثقافي والاجتماعي الأرثوذكسي العربي.

وتفيد إحصائيات رسمية، بأن الحرب الإسرائيلية تسببت بمقتل 44 مسيحياً فلسطينياً، أي ما يزيد على ثلاثة في المئة من عددهم البالغ 667 مسيحياً، حيث كان 1100 قبل نشوب الحرب، واضطر المئات منهم إلى مغادرة القطاع خلال الأشهر الأولى للحرب، فيما يتبع 70% من مسيحيي غزة لطائفة الروم الأرثوذكس، والبقية لطائفة اللاتين الكاثوليك.

"قلوبنا تعتصر ألماً على الفقدان، والحرمان من حقوقنا المشروعة وندوب الحرب مستمرة"، يحكي وليام الصوري لـ"المشهد"، جزءاً من ثقل معاناته بفعل الحرب التي فقد خلالها عدداً من أقاربه وأصدقائه، وخسر منزل العمر، "نحن المسيحيين في غزة نفتقد أجواء العيد وطقوسه، فالكنيسة لم تعد آمنة للصلاة، وأشجار الميلاد اكتست بالحزن، لكننا نرجوا الأمن والعدل، وحان الوقت أن يدق العالم جرس السلام لننعم بحياة كريمة".

تطهير عرقي صامت

من جهته، أوضح رئيس التجمع الوطني المسيحي في الأراضي المقدسة، ديمتري دلياني لمنصة "المشهد" بأن المسيحيين الفلسطينيين بالقدس والضفة الغربية يعيشون تحت حصار إسرائيلي مركّب، "يتمثل في قيود حركة قسرية، وإذلال يومي على الحواجز العسكرية، وتفكيك متعمّد للاقتصاد المحلي، واعتداء مباشر على الحق الطبيعي في الوصول إلى الكنائس والمدارس والمؤسسات الاجتماعية، ورقة حقائق أصدرها مجلس الكنائس العالمي تؤكد أن أعداد الفلسطينيين المسيحيين داخل الحدود البلدية التي فرضها الاحتلال للقدس بلغ 11,241، هذه سياسات طرد منظمة تُنتج اكتظاظاً خانقاً، وانهياراً اقتصادياً، واستنزافاً اجتماعياً يدفع العائلات الفلسطينية إلى حافة الرحيل القسري، وكذلك هو الحال بالضفة الغربية".

وأشار دلياني خلال حديثه إلى أن "داخل القدس العتيقة والتي تضم عشرات المواقع المقدسة المسيحية، تتجلى عملية التطهير العرقي الصامت البطيء بصورة أكثر وضوحاً، إذ توثق يومياً اعتداءات إرهابية يرتكبها إسرائيليون ضد المسيحيين، كالاعتداءات الجسدية، على رجال الدين والمسيحيين أثناء مرورهم، وكذلك على الكنائس والممتلكات الدينية، بما في ذلك المقابر، وهجمات المستوطنين بالحرق والتدمير لا تتوقف على المسيحيين في عموم الضفة الغربية".

وأكد بأن "إسرائيل تستهدف المكون المسيحي والأماكن المقدسة عن وعي كامل، كسياسات استعمارية ترى في كل حضور فلسطيني تهديداً وجودياً، هذه السياسات تترافق مع صعود تطرف قومي ديني إسرائيلي بات سائداً، ويشكّل جزءاً طاغياً من بنية الحكم والمجتمع، ويُستخدم كأداة ضغط ميداني لترهيب المسيحيين ودفعهم إلى الانكفاء أو الرحيل، لكي تصبح مدينة القدس منزوعة التعددية، وخالية من أي حضور فلسطيني".

وأردف قائلاً "التاريخ يوضح أن اضطهاد المسيحيين ارتبط دائماً بتحوّل الدولة إلى أيديولوجيا مغلقة ترى في التنوع خطراً، ما تمارسه إسرائيل هو سلوك سلطوي كلاسيكي تسعى من خلاله القوة الاستعمارية إلى احتكار المعنى وسحق الشهود على الحقيقة، الواقع الديمغرافي للمسيحيين الفلسطينيين يدق ناقوس الخطر، حيث إن أعدادهم في تناقص مستمر بفعل الحصار والتدمير الإسرائيلي الممنهج لمقومات الحياة، لذلك يتوجب على الكنائس والمؤسسات المسيحية حول العالم إلى التحرك السياسي والإعلامي لوقف الانتهاكات الإسرائيلية، وتعزيز صمود المسيحيين، وملاحقة الجرائم الإسرائيلية".