hamburger
userProfile
scrollTop
أخبار

exclusive
 نقطة تحول.. البرهان في مأزق دولي بعد استخدام أسلحة كيميائية بحرب السودان

المشهد

واشنطن ترفع سقف المواجهة مع البرهان بدخول العقوبات الجديد حيز التنفيذ (أ ف ب)
واشنطن ترفع سقف المواجهة مع البرهان بدخول العقوبات الجديد حيز التنفيذ (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • عقوبات أميركية جديدة دخلت حيز التنفيذ الاثنين ضد الجيش السوداني.
  • مراقبون: واشنطن تنتقل من الضغط إلى رفع الغطاء السياسي عن البرهان.
  • اتهام الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية يرفع كلفة استمرار الحرب.


مع دخول عقوبات أميركية جديدة حيز التنفيذ الاثنين ضد الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وذلك على خلفية الاتهام باستخدام السلاح الكيميائي في قصف السودانيين، تبدو ثمة انعطافة من قبل الولايات المتحدة تجاه مقاربتها للملف السوداني ومواصلة الضغوط القصوى على البرهان للاستجابة إلى تسوية سياسية وإنهاء مسار الحرب، وفق مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد".

رفع الغطاء السياسي

وبحسب المصادر ذاتها، فإن واشنطن تنتقل من الضغط إلى "رفع الغطاء السياسي" بشكل واضح عن قائد الجيش، وتبعث بإنذارات متكررة لوقف الحرب وتدشين مسار سياسي للتسوية، الأمر الذي لن يحدث من دون فك ارتباطات عضوية داخلية وخارجية، أبرزها إنهاء نفوذ القوى الإسلاموية التي تتوغل في مفاصل المؤسسة العسكرية والأمنية وتتحرك بـ"ثقل مالي واقتصاديات تعتمد على الحرب وإطالة أمد الصراع، فضلًا عن التحالف البراغماتي مع قوى إقليمية مثل إيران، وتحقيق مصالحها في هذه المساحة الجيوسياسية والإستراتيجية المهمة".

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت قبل شهر حزمة جديدة من العقوبات على الحكومة السودانية، إثر اتهامها باستخدام السلاح الكيميائي.

وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، فإن العقوبات المفروضة على الجيش السوداني، جاءت بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية عام 1991، وقد نشر الإجراء العقابي في السجل الفيدرالي، الجريدة الرسمية للولايات المتحدة، الأمر الذي يضعه ضمن أعلى درجات الإقرار القانوني داخل واشنطن، ولا يقتصر على مجرد كونه إخطارًا سياسيًا بل يعدّ إجراء ملزمًا للمؤسسات والوكالات الحكومية كافة بالولايات المتحدة.

التمويل العسكري

فيما تتضمن العقوبات، التي أصبحت ملزمة للوكالات الأميركية، حزمة واسعة من الإجراءات، تشمل إنهاء جميع أشكال المساعدات الخارجية الأميركية للسودان، باستثناء المساعدات الإنسانية العاجلة، والغذاء، والمنتجات الزراعية، ووقف جميع مبيعات الأسلحة والخدمات الدفاعية الأميركية، وإلغاء التراخيص الخاصة بتصدير المعدات العسكرية أو الخدمات المرتبطة بها، إلى جانب إنهاء جميع برامج التمويل العسكري الخارجي المقدمة للسودان.

تُعد هذه الإجراءات من أشد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على السودان خلال الأعوام الأخيرة، إذ تطال قطاعات حيوية تشمل التمويل والتجارة والتكنولوجيا والتعاون العسكري، في وقت تواجه فيه السلطة التي يقودها الجيش في بورتسودان أزمة اقتصادية متفاقمة وعزلة دبلوماسية متزايدة.

ويمثل القرار أعلى مستوى قانوني وإجرائي تقوم به الولايات المتحدة تجاه السودان. ومن شأن هذه الخطوة أن تعمّق العزلة الاقتصادية التي تواجهها الحكومة السودانية، بينما تحدّ من فرصها في الحصول على تمويل خارجي، فضلًا عن تقويض جهودها لاستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية وجذب الاستثمارات اللازمة لإنعاش الاقتصاد.

تداعيات خطيرة

وفي حديثه لـ"المشهد" يقول مدير دراسات "مرصد الساحل الإفريفي" محمد علي كيلاني، إن تداعيات استخدام الأسلحة الكيميائية تمثل نقطة تحول خطيرة في مسار الأزمة السودانية على مستويين رئيسيين، وهما القانوني والسياسي.

أولًا: على الصعيد الدولي، سينقل الاتهام الملف من إطار الصراع الداخلي إلى ساحات أوسع، تشمل مجلس الأمن والمحاكم الدولية وهيئات حقوق الإنسان. هذا يضع قائد الجيش البرهان، أمام ضغوط قانونية وحقوقية غير مسبوقة.

ثانيًا: على الصعيد الداخلي من المتوقع أن يضع الاتهام سلطة البرهان والجيش في موقع نزع الشرعية التي سيتم تقديمهما كطرف غير مؤهل لإدارة المرحلة الانتقالية والحكم. هذا يعزز موقف القوى الرافضة لأي تسوية مع المكون العسكري، ويزيد من العزلة السياسية للحكومة القائمة.

وفي ما يتصل بالصعيد العسكري والمعنوي، يقول كيلاني إن الحديث عن استخدام "الكيميائي" يضعف الروح المعنوية للقوات وحلفائها في الميداني؛ لأنه يفتح الباب أمام تبرير تدخل دولي أو فرض عقوبات ذات طابع استثنائي على المؤسسة العسكرية والحكومة.

دائرة مغلقة

وبالنسبة للبرهان شخصيًا، فإن الأزمة تضيق خياراته، فهو أمام مسارين لا ثالث لهما، إما تقديم أدلة نافية والتعاون مع تحقيقات دولية لتبييض ساحة المؤسسة العسكرية، أو الدخول في دائرة مغلقة من العقوبات والعزلة الدولية التي ستضعف موقفه التفاوضي في أي مرحلة لاحقة.

وتابع: "ما نشهده هو انتقال الحرب إلى مرحلة الاستنزاف المركب، حيث لم يعد الاستنزاف عسكريًا للجيش فقط، بل أصبح سياسيًا وقانونيًا أيضًا. فان استمرار خطاب التصعيد المستمر من جانب البرهان، ورفض المبادرات الإقليمية والدولية، يعطي مؤشرًا بأن فرص الحل السياسي تتقلص على المدى القريب وتصبح أقرب إلى الاستحالة".

كما أن معوقات الحل الآن تتمثل في غياب جسم مدني موحد يمثل الشارع السوداني، في ظل الانقسامات داخل القوى السياسية والتي أضعفت موقفها كثيرًا، وجعلتها في كثير من الأحيان تابعة للأجندات خارجية متضاربة، بدلاً من أن تكون صاحبة قرار مستقل، وفق ما يوضح دراسات "مرصد الساحل الإفريفي".

ويخلص المصدر ذاته إلى أن الطريق إلى التسوية السياسية يمر بنقطتين. الأولى وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية. والثانية بناء عملية سياسية شاملة لصناعة السلام.

لكن طريق التسوية، والحديث لكيلاني، يبدو في الوقت الراهن شبه مستبعد لسببين:

أولهما: تعنت البرهان ورفضه للمبادرات السياسية. وثانيهما: إصرار البرهان على مواصلة الحرب رغم الكلفة العالية. وان ما يدور حالياً في الساحات الداخلية والخارجية هو أقرب إلى مسكنات تساهم في إطالة أمد الحرب بدلًا من إنهائها. 

تحول لافت

يتفق والرأي ذاته الباحث والمحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد، والذي يرى أن الموقف الأميركي الأخير يعكس "تحولًا لافتًا في طريقة تعاطي واشنطن مع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان"، إذ إن الولايات المتحدة "تواصل رفع الغطاء السياسي" عنه، وتضغط لعزله وفرض ضغوط قصوى ضده، وذلك منذ انخراطها في جهود الوساطة الرامية إلى وقف الحرب.

وقال المختار، في حديثه لمنصة "المشهد"، إنه قد سبق لكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط مسعد بولس، أن وصف البرهان بالاسم بوصفه معرقلًا لجهود السلام، وهو ما يمثل "رسالة سياسية" مباشرة مفادها أن واشنطن باتت تحمله مسؤولية تعثر المساعي الرامية إلى إقرار هدنة إنسانية وتهيئة الظروف المواتية لإطلاق عملية سياسية شاملة.

وأشار المختار إلى أن هذا التحول قد يمهد لمرحلة جديدة من الضغوط الدولية على قيادة الجيش، بعد تضييق هامش المناورة السياسية الذي كانت تتحرك ضمنه لكسب الوقت.

المبادئ السودانية

من جهته، قال الباحث المختص في الشؤون السياسية الدكتور سامح مهدي إن الاجتماع الذي دشنته قوى إعلان المبادئ السودانية اليوم الثلاثاء، في العاصمة الكينية نيروبي، بالتزامن مع دخول العقوبات الأميركية الجديدة حيز التنفيذ، ليس جديدًا أو مباغتًا، إنما يعكس تنامي القلق الإفريقي إزاء تطورات الحرب في السودان، وكذلك مخاوف متزايدة من انتقال تداعيات الصراع من نطاقه الداخلي إلى مستوى يهدد الأمن والسلم الإقليميين، في ظل تغير طبيعة الحرب واتساع تشابكاتها السياسية والعسكرية.

وليس خافيًا، والحديث للباحث المختص في الشؤون السياسية، أن جانبًا من هذا القلق يرتبط، بتنامي نفوذ جماعة "الإخوان" داخل مؤسسات الدولة السودانية، بالإضافة إلى الارتباط العضوي والبراغماتي سياسيًا وميدانيًا مع نظام "الولي الفقيه"، موضحًا لـ"المشهد"، أن هذه التحولات والتطورات الطارئة، تفرض تداعياتها على إدارة الحرب تحديدًا رغبة قوى وأطراف محددة إطالة أمد النزاع.

وعليه، تلح قوى عديدة سياسية ومدنية وإفريقية على ضرورة بحث سبل السلام والتسوية السياسية لإنهاء الصراع في السودان، ومنع انتقال عدوى الصراع والسلاح المتفلت بيد قوى ميلشياوية إقليمية. 

المشهد السوداني

إذًا، مما يتكشف تدريجيًا في المشهد السوداني أن الأزمة لم تعد تُدار فقط بمنطق القوة العسكرية، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها الضغوط السياسية والدبلوماسية. فالموقف الأميركي غير المسبوق بشأن اتهام الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية لم يضف مجرد ملف جديد إلى الحرب، بل رفع كلفة استمرارها، وفتح الباب أمام ضغوط متزايدة للدفع نحو تسوية سياسية، بحسب المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة الدكتور كمال الزغول.

وفي المقابل، تعكس اجتماعات قوى إعلان المبادئ في نيروبي استمرار المحاولة المدنية لاستعادة زمام المبادرة، رغم الانقسامات التي تعانيها. لكن الحقيقة التي كثيرًا ما يتم إغفالها هي أنه كما لم يتوحد المدنيون، فإن العسكريين أيضًا لم يتوحدوا، ما يجعل أياً من الأطراف غير قادر على فرض نهاية منفردة للحرب، ويجعل الحل السياسي الشامل أكثر إلحاحًا، بحسب الزغول في حديثه لـ"المشهد".

غير أن توحيد القوى المدنية لن يكون مهمة سهلة ما لم تتوافق الدول الإقليمية على دعم هذا المسار، في ظل تضارب المصالح وتعدد مراكز النفوذ داخل السودان، كما يوضح المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة، ويقول إن نجاح أي تحرك أميركي سيبقى مرهونًا بقدرته على الدفع نحو تسوية تعالج جذور الصراع، لا الاكتفاء بحل مؤقت يعيد إنتاج الأزمة، كما حدث في أكثر من ساحة نزاع في الشرق الأوسط. لذلك، لم يعد السؤال من سينتصر عسكريًا، بل من يستطيع جمع المدنيين والعسكريين، بدعم إقليمي ودولي، حول مشروع سياسي ينهي الحرب ويؤسس لاستقرار مستدام.

news_suggested_videos_ تركيا وحفتر.. هل تغيّرت خريطة ليبيا؟ ولماذا تقلق مصر والجزائر والمغرب؟
play