لم يكن مباغتًا التحركات المشبوهة التي يقوم بها "الحوثي" لتوسيع حضوره في القرن الإفريقي ومحيطه، بحيث يضحى عقدة جديدة داخل ما يًعرف بـ"محور المقاومة"، بحسب ما كشف تقرير بحثي أميركي قبل أيام.
"الحوثي" في السودان
إذ تسعى الميليشيات اليمنية المدعومة من إيران إلى بناء علاقات مع جماعات إفريقية مختلفة، بينها "حركة الشباب الصومالية" التابعة لتنظيم "القاعدة"، وفصائل إسلاموية داخل القوات المسلحة السودانية، وفق ما يقول التقرير البحثي لمؤسسة "ذا سنتشري فاونديشن" الأميركية، ضمن مشروعها "سنتشري إنترناشونال"، والمعنون بـ"من حلقة هامشية إلى مركز للشبكة: الحوثيون في إفريقيا".
وذكر التقرير، أن "الحوثي" دخل على خط العلاقة مع السودان باعتباره شريكًا أصغر لإيران، ونقلوا ما لا يقل عن 3 شحنات من الأسلحة الصغيرة والخفيفة إلى الجيش الذي يقوده الفريق عبد الفتاح البرهان نيابة عن طهران. كما تتحدث مصادر عن وجود عناصر "حوثية" في بورتسودان، حيث يمكن أن تستخدم المدينة مركزًا للنقل والتمويل واللوجستيات.
في حين يرى التقرير أن طائرة "سفاروغ" التي كشفت عنها مؤسسة الصناعات الدفاعية السودانية عام 2025 قد تكون مؤشرًا مهمًا على انتقال المعرفة الإيرانية و"الحوثية" إلى السودان. وهي تشبه بدرجة كبيرة الطائرة الإيرانية "أبابيل-تي"، وهي منظومة استخدمها "الحوثيون" وأنتجوها محليًا تحت اسم "قاصف-2K".
إنذار إستراتيجي
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني عروة الصادق، إن التقرير الأميركي هو "إنذار إستراتيجي" بالغ الخطورة؛ فالقضية تجاوزت شحنات السلاح أو وجود خبراء "حوثيين"، وتؤكد فرضية تحويل الساحل السوداني إلى "عقدة لوجستية وعسكرية" داخل شبكة إقليمية عابرة للحدود، تستخدم الحرب لإعادة تشكيل موقع السودان، ووظيفة موانئه، وعلاقاته الأمنية، ثم تربط جزءًا من قراره السيادي بحسابات صراع تتجاوز حدوده ومصالح شعبه.
والوقائع التي كشف عنها التقرير الأميركي هي عملية "اختطاف مزدوج للدولة؛ قيادة عسكرية تستخدم مؤسساتها لإدارة حرب مفتوحة، وشبكة أيديولوجية تعمل داخل المجال نفسه وتبني علاقات تسليح وتدريب وتمويل مباشرة مع قوى أجنبية"، كما يشير الصادق.
من ثم، فالقرار السيادي أصبح موزعًا بين قيادة الجيش، ومنظومة الصناعات الدفاعية، والكتائب العقائدية، وشركاء خارجيين يملكون السلاح، والخبرة، وخطوط الإمداد، ويصبح السؤال الأخطر، بحسب القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني هو من يملك قرار الحرب فعلًا، ومن يستطيع إيقافها إذا تعارض السلام مع مصالح هذه الشبكات؟
النقطة الأخطر
وما يثير المخاوف، والحديث للمصدر نفسه، أن التقرير يتحدث عن خطوط دعم تصل مباشرة إلى فصيل أيديولوجي مسلح داخل التحالف العسكري، وهذه النقطة أخطر من السلاح نفسه؛ لأنها تنشئ "مراكز قوة" موازية، وتمنح جماعة حزبية مصادر تسليح وتدريب خارج التسلسل المهني، بينما تزرع، منذ الآن، بذرة صدام محتمل داخل المؤسسة العسكرية بعد توقف الحرب الحالية.
هنا تظهر مفارقة سياسية وأخلاقية فادحة؛ فالجماعات التي رفعت شعار "الكرامة والسيادة" تواجه اتهامًا بفتح الموانئ السودانية أمام شبكة أجنبية، والاستعانة بـ"الحوثيين" و"الحرس الثوري"، وفق القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني. من ثم، ربط الصناعات الدفاعية السودانية بمشروع إقليمي لا يقرر السودانيون أهدافه، حيث إن "السيادة لا تقاس بعلم يرفرف فوق الميناء، وإنما بمن يملك قرار الميناء، ومن يعرف محتويات السفن، ومن يجيز العقود، ومن يراقب الأموال، ومن يحاسب المسؤولين، ولصالح أي مشروع تعمل منظومة التسليح في نهاية سلسلة القرار".
وتابع: "المطلوب الآن وفورًا تحقيق سوداني مستقل، مدعوم فنيًا بخبرات إفريقية ودولية، مع رقابة دقيقة على الموانئ، ومسارات الشحن، والطيران، وكشف الاتفاقات العسكرية، وصفقات التسليح، والجهات المنتفعة منها. كما تقتضي المواجهة فرض عقوبات موجهة على الشركات، والسفن، والوسطاء، وشبكات التمويل المتورطة، مع تجنب الإجراءات الجماعية التي تنتهي فاتورتها عند المواطن السوداني. كل هذا ما لم يتم نحن أمام هرمز أخرى في البحر الأحمر".
المعالجة السياسية
أما المعالجة السياسية فـ"تبدأ بوقف إطلاق النار، وانتزاع قرار الدولة من الجماعات المتطرفة التي تستثمر في استمرار الحرب، وإنهاء تعدد مراكز التسليح والقيادة، وإقامة سلطة مدنية مستقلة تخضع لها المؤسسة العسكرية، ثم بناء جيش مهني واحد، بعقيدة وطنية، وسلسلة قيادة معلومة، ورقابة مالية ودستورية صارمة".
والخطر الذي يكشفه التقرير، بحسب القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني، يتجاوز سنوات الحرب الحالية؛ فالسودان قد يخرج من القتال منهكًا، ثم يكتشف أن موانئه، وصناعاته العسكرية، ومؤسساته الأمنية، تحولت إلى "أجزاء وظيفية" داخل شبكة صراع إقليمي أكبر منه، وعندها يصبح إنهاء الحرب السودانية عاجزًا وحده عن إنهاء وظيفة السودان داخل تلك الحرب الأوسع.
العلاقة العسكرية
إلى ذلك، قال المحامي والناشط الحقوقي السوداني، طلب الختيم، إن العلاقة العسكرية بين إيران والجيش السوداني لم تعد مجرد افتراض سياسي، مشيرًا إلى أن تقارير دولية عدة وثقت حصول الجيش السوداني على مسيّرات إيرانية، إلى جانب رصد رحلات شحن من إيران إلى بورتسودان، وهو ما يشير إلى وجود قناة إمداد عسكري فعلية بين الطرفين.
وشدد الختيم لـ"المشهد" على أن هذه العلاقة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نتاجًا للحرب وحدها، بل "وجود تاريخ طويل من العلاقات السياسية والأمنية بين الإسلاميين السودانيين وإيران، رغم مرور العلاقات الرسمية بين نظام الرئيس المعزول عمر البشير وطهران بمراحل من التقارب والفتور، وفقًا للظروف السياسية والحسابات التكتيكية والضغوط الإقليمية والدولية التي كان يواجهها النظام آنذاك".
وأضاف أن التوتر الدبلوماسي الذي شهدته العلاقات بين البلدين في بعض المراحل لا يعني بالضرورة تفكك الشبكات السياسية والأمنية التي نشأت بينهما على مدى عقود.
دور الإسلامويين
فيما رأى الختيم أن أحد الأبعاد الأساسية للحرب السودانية الحالية يتمثل في دور الإسلامويين، باعتبارهم من أكثر المكونات السياسية والأمنية تجذرًا داخل مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية، موضحًا أنهم لم يدخلوا الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية مجردة، بل باعتبارها تحركًا لاستعادة نفوذهم، جرى الإعداد له ضمن شبكة أوسع من التحالفات والعلاقات الإقليمية التي تمتد إلى قوى دولية وإقليمية مختلفة.
وأشار إلى أن الحرب لم تؤدِ إلى تفكيك تلك الشبكات، وإنما ربما أعادت تنشيط بعضها ومنحتها أدوارًا جديدة.
وقد حذر من أن السودان يتحول تدريجيًا، مع استمرار القتال، من مجرد ساحة لحرب داخلية إلى "سوق ومختبر مفتوح" لتقنيات الأسلحة المرتبطة بشبكات الصراع الإقليمية.
كما قال الختيم إن دخول المسيّرات الإيرانية إلى مسرح العمليات في السودان لا يمثل مجرد إضافة إلى ترسانة أحد طرفي النزاع، وإنما يعني أيضًا انتقال تكنولوجيا عسكرية إيرانية إلى بيئة صراع مفتوحة، بما يتيح اختبار قدراتها وتطوير آليات استخدامها في ظروف جغرافية وعسكرية مختلفة، معتبرًا أن "هنا تكمن الخطورة الحقيقية".
معادلة الأمن السوداني
واعتبر المحامي والحقوقي السوداني، أن البحر الأحمر أصبح عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن السوداني، نظرًا لامتلاك البلاد ساحلًا إستراتيجيًا على البحر الأحمر، وتحول بورتسودان، منذ اندلاع الحرب، إلى مركز للحكومة وقاعدة بحرية رئيسة للقوات المسلحة السودانية.
وحذر من أن استمرار عسكرة الساحل السوداني وتصاعد الحضور والتنافس الخارجي حوله قد يؤدي، على المديين المتوسط والإستراتيجي، إلى مخاطر تتجاوز حدود السودان، مستشهدًا بالهجمات التي استهدفت بورتسودان بالطائرات المسيّرة خلال عام 2025 باعتبارها مؤشرًا على إمكانية انتقال تداعيات الحرب إلى هذه المنطقة الحساسة.
"الإخوان" بالجيش السوداني
يتفق والرأي ذاته، الكاتب والمحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد، والذي يرى أن العلاقة بين إيران والجيش السوداني، الذي تسيطر عليه جماعة "الإخوان" ثم وجود نفوذ لـ"الحوثي" مؤخرًأ، تشهد تطورًا وتغلغلًا إستراتيجيًا متزايدًا، خصوصًا في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الـ3 الماضية، ومساعي طهران لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر عبر نقل الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات العسكرية.
ويشير المختار محمد لـ"المشهد"، إلى أن ظهور طائرات مسيّرة سودانية جديدة، بينها الطائرة الانتحارية "سفروق" التي أعلن الجيش السوداني تصنيعها عبر المؤسسة السودانية للصناعات العسكرية (MIC)، يثير تساؤلات بشأن مصادر التكنولوجيا والخبرات المستخدمة في تطويرها، لافتًا إلى تشابهها مع بعض الطائرات المسيّرة الإيرانية، خصوصًا طائرات "أبابيل".
ويرجح الكاتب والمحلل السياسي السوداني أن طهران تسعى إلى نقل خبراتها في مجال الطائرات المسيّرة إلى حلفائها في المنطقة، وربما بناء نموذج مشابه لتجربة "الحوثيين" في اليمن داخل السودان، من خلال تمكين "الإخوان" من تطوير قدراتها في تصنيع المسيّرات، خصوصًا "كتائب البراء بن مالك".
كما يشير إلى ما يعتبره صلات سابقة بين الكتائب العسكرية التابعة لـ"الإخوان" و"الحرس الثوري"، معتبرًا أن تفكيك شبكات تهريب ونقل الأسلحة المرتبطة بإيران قد يدفع طهران إلى الاعتماد بصورة أكبر على نقل التكنولوجيا والخبرات بدلًا من الإمدادات المباشرة.



