تخطى ليبيون من كل أرجاء بلادهم المنقسمة خطوط مواجهة سابقة ونحَّوا الخصومة المريرة جانبا لإيصال المساعدات إلى مدينة درنة المنكوبة التي ضربتها السيول والفيضانات.
وداخل درنة، حيث تدفقت كمية ضخمة من المياه جرفت في طريقها أحياء بأكملها مساء الأحد بعد انهيار سدين تحت وطأة منسوب مياه السيول الناجمة عن عاصفة، يوزع متطوعون من مصراته وطرابلس وبنغازي الملابس وعلب الطعام منذ أمس الأربعاء واليوم الخميس.
وقتلت الكارثة الآلاف ولا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين، لكن هناك تباينا كبيرا في تقديرات الأعداد، كما فقد عدد كبير من سكان المدينة منازلهم ومتعلقاتهم.
وقال إلياس الخبولي وهو متطوع من الزاوية في غرب البلاد عضو في جماعة بالتريس الناشطة "قلنا لأنفسنا سيكون هناك بكل تأكيد نقص في الأيدي العاملة من أجل التحميل والتفريغ والقيادة أو أي أمور أخرى".
واستأجرت الجماعة حافلات وسيارات فان لنقل أكثر من 100 متطوع من مناطق في غرب ليبيا إلى مدينة درنة في الشرق في وقت مبكر من صباح يوم الاثنين في رحلة استغرقت 15 ساعة وبدأت حتى قبل اتضاح حجم المأساة بالكامل.
ومزق الصراع الدائر في البلاد منذ 2011 الكثير من المجتمعات في ليبيا ووضع مدنا في مواجهة بعضها البعض وقسم البلاد بعد 2014 لمناطق خاضعة لسيطرة حكومتين متناحرتين في الشرق والغرب.
ورغم أن التوصل لوقف لإطلاق النار في 2020 أنهى أغلب المعارك الكبرى وسمح بإعادة فتح الطرق واستئناف الرحلات بين المنطقتين المتناحرتين، لا تزال جماعات مسلحة متصارعة تسيطر على بعض المناطق ولا توجد سلطة موحدة تفرض سيطرتها على البلاد بأكملها.
لكن الإدارتين المتناحرتين نسقتا من قبل في بعض الملفات. كما زار وزراء من الحكومة التي تتخذ طرابلس مقرا لها في الغرب مدينة بنغازي في الشرق اليوم الخميس.
وقال تيم إيتون من تشاتام هاوس "هناك إلى حد ما استعداد أكبر للتعاون أكثر مما رأيت في أي وقت مضى خلال العقد المنصرم".
وجاءت بعض المساعدات من الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس، والتي لا تعترف بها فصائل الشرق وتتحالف مع جماعات مسلحة قاتلت ضد خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي.
شقاق قائم
لكن الشكوك ما زالت قائمة. وليس هناك أي مؤشرات على أن سحابات الحزن التي تخيم على أرجاء البلاد والشعور المشترك بفداحة المأساة سيترتب عليه تخفيف حدة الأزمة السياسية الخانقة القائمة في ليبيا منذ أكثر من عام، والتي جعلت إجراء انتخابات عامة مهمة مستحيلة.
وقال مصدر في مجال الإغاثة إن السلطات في الشرق منعت تدفق مساعدات أجنبية لدرنة عبر الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس التي ترفض إدارة الشرق مشروعيتها.
ونفى مصدر في إدارة شرق البلاد ذلك، وقال إنها لم ترفض توجيه المساعدات عبر طرابلس.
ويحذر محللون من أن الزعامات السياسية ربما تسعى لاستغلال الشعور العام بالوحدة في البلاد بسبب الكارثة وتتخذ مواقع تمكنها من الاستفادة من أي أموال للتنمية على المدى الطويل. وتركز الصراع في ليبيا عادة على السيطرة والوصول للموارد المالية للدولة.
وقال إيتون "عندما يبدأ الحديث عن كل الأمور المتعلقة بإعادة الإعمار والدعم المالي فهذا سيوسع كل الصدوع القائمة في ليبيا".
لكن الصفوف الطويلة من الشاحنات التي تنتظر للدخول إلى درنة اليوم الخميس تظهر أن التبرعات تصل من كل أنحاء البلاد فيما وصفه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأنه "موجة من الدعم على مستوى البلاد... اجتاحت أنحاء ليبيا".
والجهة التي تدير عمليات الإغاثة في درنة هي الجيش الوطني الليبي، التي تسيطر على شرق البلاد وتخوض صراعا مفتوحا مع السلطات والجماعات في غرب البلاد منذ سنوات.