مع اقتراب موعد انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق نهاية سبتمبر المقبل، تدخل الحكومة العراقية مرحلة أكثر تعقيداً مرتبطة بكيفية حماية أجوائها من المسيرات الإيرانية المفخخة، وتبدو مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان أكثر قلقاً حول هذه المسألة، في ظل انتشار تقارير تتحدث عن مغادرة منظومة بتريوت الأميركية لمطار أربيل الدولي مع انسحاب تدريجي لقوات التحالف الدولي.
وأكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، قبل أيام عدة، أن عملية انسحاب قوات التحالف الدولي تسير بوتيرة متسارعة وفقاً للجداول الزمنية المرسومة وصولاً إلى الموعد النهائي 30 سبتمبر المقبل، وأن القوات الألمانية التابعة للتحالف الدولي التي تركزت مهامها على مجالات تدريب الجيش العراقي وقوات البيشمركة أكملت انسحابها من أربيل.
والتحالف الدولي يمثل ائتلافاً تقوده واشنطن منذ العام 2014، لمواجهة تنظيم "داعش" في سوريا و العراق، يضم دولاً أبرزها فرنسا وألمانيا إلى جانب دول عربية وإقليمية، وبعد القضاء على التنظيم ساهمت قوات التحالف الدولي بدعم الجيش العراقي وقوات البيشمركة بالتدريب والاستشارات، وخلال الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران تصدّت الدفاعات الجوية التابعة للتحالف الدولي لجميع الطائرات المسيّرة التي استهدفت مناطق مختلفة من العراق وكردستان.
ويصف مراقبون مسألة خروج قوات التحالف الدولي من العراق بأنها تحد حقيقي لقدرة الدولة العراقية على إدارة أمنها الوطني وضبط توازناته الداخلية في ظل الضغط الداخلي من قبل الفصائل الشيعية المسلحة الرافضة لبقاء التحالف بوصفه وجوداً عسكرياً أجنبياً، وبين الضغط الإقليمي الخارجي الذي يطالب العراق بنزع السلاح المنفلت وفك الارتباط العسكري مع طهران.
هل غادرت بتريوت أربيل؟
وكشف مصدر عسكري من داخل قوات التحالف الدولي لمنصة "المشهد" أنه لم تصلهم أوامر بالانسحاب أو التراجع من محيط مطار أربيل الدولي، بل على العكس هنالك بعض القوات الأجنبية التي تتوافد إلى الإقليم ضمن مهمّات خاصة تابعة لقوات التحالف الدولي في العراق.
وأوضح المصدر، أن جزءاً من الأسلحة الثقيلة التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، تم نقلها من سوريا إلى أربيل بعد إعلان حل "قسد" بشكل كامل واندماجها في الدولة السورية الجديدة.
وكشفت مصادر أمنية خاصة لمنصة "المشهد" أن كل ما يتم تداوله عن الانسحاب الكلي لقوات التحالف الدولي سواء من العراق أو إقليم كردستان غير دقيق، ولا يمكن لمنظومة بتريوت الجوية الأميركية الانسحاب وترك المجال الجوي مفتوحاً أمام الطائرات المسيّرة التي تطلقها الفصائل العراقية المسلحة، وتستهدف مصالحها في المنطقة سواء السفارات أوالقنصليات الأجنبية أوشركات النفط والغاز وغيرها.
وأوضحت المصادر، أن قوات التحالف الدولي لم تقرر سحب مضاداتها الجوية، لأن واشنطن تدرك أن الوضع الأمني في المنطقة ليس جاهزاً للانسحاب الكلي، خصوصاً فيما يتعلق بمضادات الدفاع الجوية الأميركية والفرنسية والألمانية، التي ما زالت موجودة في بغداد و أربيل خصوصاً أن عاصمة إقليم كردستان تضم أكبر قنصلية أميركية في الشرق الأوسط.
لماذا وافقت أربيل على خروج التحالف؟
وتعرّضت مدينة أربيل خلال الأعوام الأخيرة لعدة هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت تضم قوات ومستشارين تابعين للتحالف الدولي، وتمكّنت الدفاعات الجوية التابعة للتحالف الدولي في العراق من التصدي لهذه المسيّرات وإسقاط معظمها، ما جعل الحديث عن انسحابها مقلقاً لإقليم كردستان الذي ستصبح سماؤه مكشوفة أمام المسيّرات الإيرانية.
وتعليقاً على هذه النقطة، يقول اللواء المتقاعد في وزارة البيشمركة صلاح فيلي لمنصة "المشهد" إن حكومة إقليم كردستان طالبت الحكومة المركزية في بغداد بحماية سماء أربيل وشركات النفط والغاز قبل خروج قوات التحالف الدولي من العراق، وتم نقل عدد من المضادات الجوية إلى حقل كورمور بمحافظة السليمانية الذي تم استهدافه مرات عدة بطائرات مسيرّة، كما سيتم في مراحل أخرى نقل المزيد من الأسلحة الثقيلة إلى إقليم كردستان.
ويشرح الفيلي، أنه تم انسحاب جزء من الجنود الأميركيين من البلاد، لكن نظام التحالف الدولي ليس فقط عساكر ومدافع، بل توجد هيئات عليا واستشارية لتدريب الجيش العراقي وقوات البيشمركة، إضافة إلى ضباط من 5 دول أجنبية مختلفة تُشرف على عمليات التدريب هؤلاء ما زالوا موجودين ولن يغادروا العراق حالياً، لا يمكن لهذه المنظومة العسكرية المتكاملة أن تنسحب بشكل مفاجئ مع نهاية سبتمبر، بل تحتاج إلى مزيد من الوقت لتسحب قواتها تدريجياً عبر مراحلة متعددة.
وأضاف: "لن يشهد العراق انسحابا عسكريا كاملا لقوات التحالف في ظل وجود المصالح الأميركية والسفارات الأجنبية وشركات النفط العالمية العاملة في العراق التي تحتاج إلى حماية خاصة، هذا ما يؤكد أن الخطابات الرسمية المتداولة عبر الإعلام عن اكتمال انسحاب القوات الأجنبية من العراق هي فقط لكبح جماح الفصائل العراقية المسلحة المصرّة على خروج القوات الأجنبية كشرط لتسليم سلاحها".
وفي سياق متصل، يقول الباحث في الشأن السياسي صبحي مندلاوي لمنصة "المشهد" إن:
- قرار خروج قوات التحالف الدولي من العراق تم بناء على اتفاق بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، رغم تحفظات نواب الحزب الديمقراطي الكردستاني على هذا القرار، لكنه أصبح لازماً علينا تنفيذه، وتم وضع جدول لانسحاب القوات الأميركية.
- خروج قوات التحالف الدولي بشكل نهائي هو أمر سيادي يخص الحكومة الاتحادية في بغداد وكردستان جزء من هذه الحكومة، وتدعم قراراتها رغم تحفظنا عليها.
وفي بداية 2020 صوّت مجلس النواب العراقي على قرار يقضي بإلزام الحكومة العراقية بالعمل على إنهاء وجود القوات الأجنبية في العراق، بما فيها قوات التحالف الدولي ومنعها من استخدام الأراضي والأجواء والمياه العراقية، جاء هذا القرار بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني ورئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس على يد الولايات المتحدة في العام ذاته.
حقيقة وصول الدفاعات الجوية الكورية إلى بغداد
وتزامن إعلان القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان عن انسحاب قوات التحالف الدولي، مع اتجاه العراق لعقد صفقة مع كوريا الجنوبية لشراء منظومة دفاع جوي متوسطة المدى تضم 8 بطاريات (رادار متعدد الوظائف، مركز قيادة وسيطرة، منصات إطلاق متحركة، صواريخ اعتراضية)، إلا أن خلافاً جرى حول تسليم الأموال من الجانب العراقي منع الصفقة من الاكتمال.
ويقول المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد" إنه لا يوجد أي أدلة على وصول هذا البطارات إلى العراق، كما أن البلاد بحاجة إلى منظومة دفاع جوي متطورة وليس للذهاب إلى كوريا الجنوبية لعقد الصفقات، لأنها لا تعتبر من الدول الأكثر تطوراً في التسليح العسكري، بل يجب الاتجاه للشركات الأميركية مثل شركة "لوتن مارتن" المتألقة مثل "بتريوت"، والعراق قادر على عقد هذه الصفقات بموجب اتفاقاته الأمنية والدولية.
لكن، بحسب القيسي، يمكن أن يتجه لعراق للشركات الكورية الجنوبية كحل أخير للدفاع عن الوطن في حال تم فعلاً انسحاب الدفاعات الجوية التابعة للتحالف الدولي من البلاد، ولابد أن تتم هذه الصفقات بعيداً عن الشركات العراقية الأهلية، وبإشراف مباشر من القائد العام للقوات المسلحة الرئيس علي الزيدي، منعاً للتلاعب أو الفساد كما حدث سابقاً.
ويختم القيسي حديثه بالقول: إن الجيش العراقي يحتاج لعقد صفقات دفاع جوي؛ لأنه يفتقر إلى القدرات الدفاعية الجوية، توجد لدى واشنطن أسباب كثيرة لمنع تسليح الجيش العراقي، لأن الولايات المتحدة بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين 2003، قامت بتجهيز الجيش العراقي بالكثير من المعدات، لكن كل هذه المعدات الأميركية انتقلت إلى يد الحشد الشعبي والفصائل العراقية المسلحة خلال الحرب على "داعش" 2014، ما دفعها لإيقاف التسليح لمنع تقوية هذه المجموعات بالأسلحة المتطورة.



