تسارعت وتيرة الاحتجاجات في ليبيا خلال الأيام الماضية، حيث توسعت رقعة تلك الاحتجاجات المطالبة برحيل رئيس حكومة طرابلس، عبد الحميد الدبيبة، والانتقال إلى مسار سياسي ينتهي بانتخاب مؤسسات دستورية للبلاد تنهي حالة التشتت والانقسام.
بدأت الاحتجاجات في ليبيا على خلفية مقتل رئيس جهاز دعم الاستقرار، عبد الغني الككلي، في عملية وصفها محللون بأنها محاولة من الدبيبة للتخلص من منافسيه في العاصمة الليبية، والتفرد بالسلطة هناك.
وبعد مقتل الككلي، شهدت العاصمة طرابلس اشتباكات عنيفة لبضعة أيام قبل أن تخرج مسيرات شعبية حاشدة تطالب بإسقاط حكومة الدبيبة، ما دفع عددًا من الوزراء إلى التضامن مع مطالب المحتجين والتقدم باستقالتهم.
وقال محللون في حديث لمنصة "المشهد" إنّ توسع الاحتجاجات يعكس حقيقة أن الليبيين لم يخرجوا ضد الدبيبة فقط، بل رفض شامل للنظام السياسي بأكمله، وأكدوا ضرورة الانتقال إلى مسار سياسي سريع ينتهي بانتخاب مؤسسات رسمية.
من جانبهم، أصدر أعضاء مجلس النواب عن المنطقة الغربية، الخميس الماضي، بيانًا موجهًا إلى الشعب الليبي وكافة المؤسسات الوطنية والدولية المعنية بمستقبل ليبيا حول آخر المستجدات التي تعيشها العاصمة طرابلس، وذلك في خطوة وصفت بالمهمة، حسبما أفاد موقع بوابة إفريقيا الإخبارية.
وجاء البيان في ظل ما وصفه النواب بـ"الفوضى التي عمت أنحاء البلاد"، ورافق صوتهم رفض الفساد والتخريب والانهيار، مؤكدين التزامهم الثابت بمساندة المطالب الشعبية الحقيقية والتعبير عن الإرادة الصادقة للمواطنين.
وشددوا على ضرورة "إدارة الأزمة الاقتصادية والأمنية، وإنهاء معاناة الناس، ووقف حالة الانهيار العام".
ما تداعيات تلك الاحتجاجات؟
ولكن هل هذه الخطوات كافية أمام ارتفاع سقف مطالب المحتجين الذين طالبوا بضرورة إنهاء حكم الطبقة الحاكمة في البلاد؟ وما تداعيات تلك الاحتجاجات؟
في التفاصيل، قال المحلل السياسي الليبي، أنس القماطي، إنّ الشارع الليبي أعطى المجلس الرئاسي مهلة 24 ساعة لحل المؤسسات الليبية والانتقال إلى الانتخابات.
وأضاف في حديث لـ"المشهد" أن "توسع الاحتجاجات يعكس حقيقة مهمة، أن هذه ليست مجرد احتجاجات ضد الدبيبة، بل رفض شامل للنظام السياسي بأكمله. المحتجون يطالبون بحل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وليس فقط تغيير رئيس الوزراء".
وأشار إلى أن الشارع الليبي أعطى المجلس الرئاسي 24 ساعة لحل هذه المؤسسات والانتقال إلى انتخابات، وهددوا بالتصعيد يوم الجمعة المقبل إذا لم تتم الاستجابة. هذا يضع ضغطا مباشرا على المنفي وليس فقط على الدبيبة.
السؤال الحقيقي بحسب مراقبين ليس ما إذا كان الدبيبة سيستجيب، بل ما إذا كان المنفي سيتجاوب مع مطالب الشارع. الدبيبة قد يضطر للاستقالة تحت الضغط، لكن هذا لن يحل الأزمة إذا تم استبداله بحكومة توافقية أخرى معينة من نفس النخب، وفق القماطي.
بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية الليبي، الدكتور أحمد المهداوي، إن استمرار الاحتجاجات الرافضة لحكومة الدبيبة سيكون لها تأثير كبير على شرعيته، خصوصًا أن الحكومة أُفرغت سياسيًا باستقالة وزراء كثر، وبالتالي من المتوقع أن تجبر هذه الاحتجاجات المجتمع الدولي على الرضوخ في النهاية لإرادة الشعب.
وأشار في حديث لـ"المشهد" إلى أن الدبيبة الآن يرفض الاستماع لصوت الشارع ويرفض تسليم الحكم، حتى لو اضطر لاستخدام القوة وإدخال العاصمة في "حمام دم"، لافتًا إلى أن الدبيبة أجبر الموظفين الحكوميين على الخروج في مسيرات داعمة له في طرابلس لتزييف الواقع.
حكومة مؤقتة؟
وكان نواب غرب ليبيا قد اقترحوا إطلاق مرحلة انتخابية عاجلة من خلال تشكيل "حكومة مصغرة، تتولى إدارة شؤون البلاد لفترة مؤقتة". وتتمثل المهمة الجوهرية لهذه الحكومة، في الإعداد لانتخابات رئاسية وبرلمانية "حرة ونزيهة، وشفافة، ووفق معايير إقليمية ودولية".
من جانبه، رأى المهداوي أنّ رحيل حكومة الدبيبة مسألة وقت، خصوصا أن حلفاءه الدوليين بدأوا في التذمر من أسلوبه في التعامل مع التظاهرات، لافتا إلى أن تصريحات المبعوثة الأممية في ليبيا أشارت إلى انتهاء ولاية حكومة الدبيبة.
وقال: "أعتقد أن البعثة الأممية أمامها خيار وحيد لتخرج نفسها من مأزق هذه الحكومة، وهو الدعوة إلى تشكيل حكومة مؤقتة لحين إجراء الانتخابات".
بدوره، قال القماطي، إنّ المحتجين واضحون، فهم لا يريدون حكومة انتقالية مؤقتة، بل يريدون دستورا وانتخابات. وأشار إلى أن أي محاولة لتشكيل حكومة جديدة من دون انتخابات ستواجه نفس الرفض الشعبي.
ورأى القماطي أن الحل الحقيقي يكمن في استجابة المجتمع الدولي لإرادة الشعب الليبي، بدلا من دعم النخب الحاكمة. وقال: "إذا تجاهل المنفي والأمم المتحدة هذه المطالب، فإن الحراك سيتصاعد ليشمل كامل التراب الليبي".
وتابع: "الشعب الليبي يطالب بإنهاء عصر أمراء الحرب والحكومات المزيفة. السؤال هو ما إذا كان المجتمع الدولي سيدعم هذا التوجه، أم سيستمر في حماية الوضع الراهن… الرسالة واضحة: لا مزيد من التوافقات الشكلية".