استمرار الحرب في السودان، والتي يصادف اليوم مرور الذكرى الـ3 لاندلاعها، يؤشر إلى أن هذه الأزمة لم تعد نتاج اعتبارات عسكرية فقط، بل تعكس إرادة سياسية لإعادة تشكيل موازين القوى، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، بينما اتهموا جماعة "الإخوان" وحلفاءها، وعلى رأسهم حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية السودانية، بإدارة الصراع وتدويره عبر تغذية الانقسامات وتعطيل التسويات لجهة إعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة.
رهان "الإخوان"
كما أن هذه الحرب قد تحوّلت إلى أداة لإعادة إنتاج النظام السابق لعمر البشير بصيغة عسكريتارية، بحسب المصادر ذاتها، وذلك بعد فشل رهان "الإخوان" على جولة حرب خاطفة يتحقق من خلالها الحسم السريع، وهو ما يفسر رفضهم أو ممانعتهم للمبادرات الدولية والإقليمية.
ولهذا تبرز جملة مؤشرات قانونية وأدلة مباشرة تفضح دور الإسلامويين في إشعال الحرب، مع توظيف خطاب تعبوي وإعلامي ساهم في التطبيع مع العنف وإطالة أمده. كما أن استمرار الصراع يهدد بتحوّله إلى نزاعات أهلية ممتدّة، في ظل انهيار الدولة وتفاقم الأزمة الإنسانية، ما يستدعي مسارًا وطنيًا شاملًا يقوم على وقف الحرب، والمساءلة ضمن شروط العدالة الانتقالية، ومن ثم، إعادة بناء الدولة على أسس مدنية.
إعادة إنتاج النفوذ
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول القيادي في حزب الأمة القومي السوداني وعضو التحالف المدني الديمقراطي "صمود" عروة الصادق، إنه بعد 3 أعوام على اندلاع الحرب في السودان، لم يعد استمرارها محكومًا فقط باعتبارات عسكرية مباشرة، بل بات يعكس إرادة سياسية منظمة تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة والمجتمع، موضحًا أن الحرب تحوّلت إلى أداة لإعادة إنتاج النفوذ، عبر توظيف مؤدلج لمؤسسات الدولة والخطاب العام، واستثمار الشبكات الاجتماعية التقليدية، بما في ذلك البنى القبلية والإدارات الأهلية.
واتهم الصادق جماعة "الإخوان" بالسودان المصنفة على قوائم الإرهاب وحلفاءها، ممثلين في حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية السودانية، بالمسؤولية عن إشعال الصراع واستمراره، وذلك على مستوى إدارة الصراع وتدويره بدلًا من حسمه، من خلال تغذية الانقسامات وتعطيل مسارات التسوية، بما يُبقي البلاد في حالة سيولة أمنية تتيح إعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا العسكرية والأمنية.
وتستند هذه القوى إلى خبرة تراكمية في توظيف الأزمات، بحسب القيادي في حزب الأمة القومي السوداني وعضو التحالف المدني الديمقراطي "صمود"، حيث أعادت تنشيط شبكاتها داخل الأجهزة ومؤسسات الدولة، بينما استعادت مواقع نفوذها مستفيدة من تحولات المشهد السياسي.
كما فعّلت أدواتها الإعلامية وخطابها التعبوي القائم على التخويف والاستقطاب، بهدف إبقاء حالات العنف المحتلفة الرمزي والمادي قائمة، ومنع تشكّل جبهة وطنية واسعة قادرة على فرض مسار سياسي بديل.
أدوات ضغط
ويردف: "جرى توظيف التناقضات الاجتماعية والمناطقية وتحويلها إلى أدوات ضغط داخل مسرح العمليات، بما يعمّق الانقسام ويعقّد فرص الوصول إلى تسوية مستقرة. ويُعد استثمار البعد القبلي من أخطر ملامح هذه الإستراتيجية، إذ تُدفع مكونات اجتماعية نحو اصطفافات قسرية عبر مزيج من الترهيب والترغيب، مع بث روايات متضاربة تعزز الشكوك وتُفكك الثقة بين المجتمعات المحلية. وتخدم إطالة أهداف "الإخوان"، حيث إن توقف القتال قد يفتح الباب أمام مساءلات سياسية وقانونية بشأن مسؤولية انهيار الدولة، وهو ما تسعى هذه القوى إلى تفاديه عبر إبقاء الصراع مفتوحًا".
ويضاف لذلك "محاولة "الإخوان" فرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية، واستغلال حالة الإنهاك المجتمعي وتراجع قدرة القوى المدنية على التنظيم والفعل".
ويُحذّر الصادق من أن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط بإطالة أمد الحرب، بل يفتح المجال لتحولها إلى نزاعات أهلية ممتدة، يصعب احتواؤها حتى بعد توقف العمليات العسكرية المباشرة".
إنهاك الخصوم
يتفق والرأي ذاته الكاتب والمحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد والذي يرى أنه مع دخول الحرب التي أشعلها "الإخوان" في السودان عامها الـ3، لم تعد المواجهة تدور في إطار صراع تقليدي على السلطة، بل تحوّلت إلى صراع أعمق على بنية الدولة نفسها، في ظل تآكل سيادتها وتفكك مؤسساتها.
وعزا المختار محمد في حديثه لـ"المشهد" هذا التحول إلى فشل الرهان على حسم سريع يعيد تشكيل المشهد السياسي وفق أجندة الجماعة الأم للإسلام السياسي، ما دفع هذه الجماعة الإسلاموية إلى تبني مقاربة تقوم على إطالة أمد الصراع وتدويره.
ويقول: "انتقال الرهان إلى حرب ممتدة يهدف إلى إنهاك الخصوم وتقويض أي بديل مدني ديمقراطي، عبر استثمار حالة الفوضى لإعادة إنتاج النظام السابق بصيغة عسكرية تستند إلى شرعية الأمر الواقع".
هذا التوجه يفسر رفض المبادرات الدولية الرامية إلى وقف الحرب، من بينها مسار محادثات جدة وصولًا إلى مؤتمر برلين لدعم السودان، حيث يُنظر إلى أي تسوية سياسية باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمصالح هذه القوى، على نحو ما يوضح الكاتب والمحلل السياسي السوداني، خصوصًا في ما يتعلق باستحقاقات ما بعد الحرب، مثل المحاسبة، الإصلاح العسكري والأمني، والتحول المدني الديمقراطي.
ويردف: "استمرار الحرب يرتبط برهان على الحسم العسكري في بيئة منقسمة اجتماعيًا وسياسيًا، ما يعزز عسكرة الفضاء العام، ويجعل فرص وقف القتال أكثر تعقيدًا. كما أن إعادة تموضع عناصر مرتبطة بالحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا الجيش، جاءت في سياق تغييرات أُجريت تحت قيادة عبد الفتاح البرهان، وهو ما يبدو ضمن محاولة لإعادة بناء النفوذ داخل مراكز القوة".
ذكرى الحرب
وإلى ذلك، يقول المحامي والناشط الحقوقي طلب الختيم إنه مع ذكرى الحرب السودانية، تتكشف صورة قاتمة لصراع تجاوز حدود التنافس على السلطة إلى انهيار واسع في بنية الدولة، وانفراط غير مسبوق في منظومة الأمن وسيادة القانون.
وعلى امتداد السنوات الماضية، تصاعد الجدل حول القوى المسؤولة عن اندلاع الحرب، بحسب ما يوضح الختيم، مؤكدًا أن "كل الشواهد والأدلة المادية والقانونية تشير إلى أن الإسلاميين هم من خططوا لهذه الحرب وهم من أشعلوا شرارتها الأولى، وذلك بتوظيف نفوذهم المؤثر في أجهزة الجيش والمخابرات لقطع الطريق أمام الاتفاق الإطاري، الأمر الذي يبدو موثقًا من خلال مواقف عديدة وحراك قادتهم وكذلك خطاباتهم قبيل الحرب بأيام".
ويردف: "لم يتوقف "الإخوان" عند ذلك بل وظفوا كل وسائطهم وأجهزتهم الإعلامية كما خبراتهم السياسية لإغلاق الطريق أمام أي مساع لوقف الحرب قبل أن تتحقق أهدافهم عبر التدليس والتضليل الإعلامي. وبدا لافتًا أن إستراتيجيتهم الإعلامية تقوم على بناء وتعميم خطابات تعبوية لتسعير الحرب، الأمر الذي جعل قطاعات واسعة من المجتمع تنفصل شعوريًا عن إدراك مخاطر استمرار الصراع وتداعياته على الحاضر والمستقبل، قبل أن تبدأ هذه القطاعات تدريجيًا في استيعاب حجم الكلفة الإنسانية مع تفاقم مشاهد الموت والدمار".
الخروج من المأزق
وفي ظل هذا الواقع، يواجه السودانيون واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخهم، مع انهيار مؤسسات الدولة، تدهور الأوضاع المعيشية، وتراجع خدمات الصحة والتعليم والأمن. كما باتت مساحات واسعة من البلاد خاضعة لدوائر عنف متصاعدة، في ظل تنامي نفوذ مجموعات مسلحة موازية وغياب فعلي لسلطة القانون، بحسب المحامي والحقوقي طلب الختيم، محذرًا من "التطبيع مع مشاهد العنف، حيث لم تعد جرائم الحرب تثير ردود الفعل المعتادة والمتوقعة أو التقليدية، خصوصًا في ظل انتشار خطاب تعبوي يبرر استمرار القتال، ويعيد إنتاج سرديات تمنح الشرعية للعنف، وهو ما يعمّق الأزمة ويطيل أمدها".
ويختتم حديثه قائلًا إن "الخروج من المأزق يتطلب إطلاق مسار وطني شامل، يقوم على المصالحة والعدالة والمساءلة، ويستند إلى مشاركة واسعة تتجاوز النخب السياسية، لتشمل مختلف القوى الاجتماعية المتأثرة بالحرب، بما يتيح إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمهّد لإنهاء الصراع على أسس أكثر استدامة".