hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 بين الحرب والحصار.. لماذا عزف الفلسطينيون عن التصويت؟

المشهد

أزمة ثقة واسعة ضربت الانتخابات المحلية الفلسطينية (رويترز)
أزمة ثقة واسعة ضربت الانتخابات المحلية الفلسطينية (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • الخبير السياسي والباحث الحقوقي أشرف عُكة: الانتخابات المحلية تجري في ظل أجواء من الاعتراض
  • الرفض والشعور بالاغتراب وردة الفعل المبنية على مجموعة من العوامل السياسية والإقتصادية والإجتماعية.
  • الأكاديمي والمحلل السياسي د.أيمن يوسف: الشارع الفلسطيني يعاني من أزمة ثقة حادة بكل الفاعلين السياسيين.

على وقع الحرب والحصار، انطلقت صباح اليوم انتخابات المجالس المحلية الفلسطينية في مشهد بدا وكأنه مسرحية خالية من أبطالها، فحركة "حماس" تغيب تماماً عن السباق، والفصائل والأحزاب السياسية ليست على الساحة، والمستقلون يعتزلون المشهد، لتتحول المنافسة إلى مواجهة شبه حصرية بين لوائح مدعومة من حركة "فتح" وقلة من المرشحين المستقلين الذين لم يقدموا سوى برامج خدمية ضيقة، بعيدة عن أي طموح سياسي.

لكن الأكثر إيلاماً من غياب الفاعلين، كان حضور الفراغ في صناديق الاقتراع نفسها، فمع حلول منتصف النهار، لم تتجاوز نسبة الإقبال 15%، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الانتخابات المحلية الفلسطينية، التي اعتادت أن تكون محطة جماهيرية بامتياز، هذه المرة، بدا المواطن الفلسطيني وكأن يمر بجانب مركز الاقتراع، كما يسير بجانب جدارية، يراها لكنه لا يتوقف عندها.

وفي الشارع الفلسطيني، لم يعد السؤال "لمن نصوت؟"، بل "لماذا نصوت أصلًا؟" يتساءل الفلسطينيون، بين 925 حاجزاً إسرائيلياً تخنق الضفة، وجحيم حرب أبادت أكثر من 72 ألف فلسطيني في قطاع غزة، إن كانت الانتخابات المحلية مجرد رفاهية ديمقراطية لا معنى لها في زمن الموت الجماعي والدمار الممنهج.

سياق معقد للانتخابات المحلية الفلسطينية

شهدت مراكز الاقتراع صباح اليوم مشهدين متباينين، فبينما حرصت أعداد محدودة من الناخبين، غالبيتهم من كبار السن وأعضاء حركة فتح، على الوصول إلى صناديق الاقتراع منذ ساعات الصباح الأولى، وقف آخرون في الشوارع المجاورة عابرين أو متفرجين دون اكتراث.

في مدينة بيت لحم، أكد سعيد ناصر (60 عاماً) لمنصة "المشهد"، "جئت لأصوت في هذه الانتخابات، لأنني ما زلت على قناعة تامة أن التغيير يبدأ من البلديات، حتى لو كانت السلطة ضعيفة"، أما الشاب طلال عودة (26 عاماً) من مدينة جنين يقول "للمشهد"، "لم أشارك في الانتخابات، ولم أدلي بصوتي، فلا فائدة حقيقية منها، مادامت السلطات الإسرائيلية تحاصرنا، وتسيطر على تفاصيل حياتنا اليومية".

أما في قطاع غزة، حيث تجري الانتخابات في خيام وسط الدمار، وضعت السيدة أم جواد (40 عاماً) ورقتها في الصندوق في مدينة دير البلح، وقالت لـ"لمشهد"، "الانتخابات تثبت أننا شعب له إرادة، ولسنا مجرد أرقام في إحصاءات الحرب، هذا حقي وحق الجميع".

حتى منتصف النهار، لم ترتفع نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية عن 15%، في مؤشر واضح لحالة الشارع الفلسطيني المنقسم بين راغب في التغيير، وآخر فقد الأمل بقدرة أي طرف سياسي على إحداث الفرق، وتظهر سجلات لجنة الانتخابات المركزية، أن 87% من الكتل التي تتنافس على المجالس هي كتل مستقلة تضم فنيين ونشطاء محليين وممثلي عائلات، وأن 13% فقط كتل حزبية تمثل حركة فتح متحالفة مع بعض القوى في منظمة التحرير والعائلات.

انعدام المنافسة السياسية

أشار الخبير السياسي والباحث الحقوقي أشرف عُكة لمنصة "المشهد"، أن انتخابات المجالس المحلية الفلسطينية، تجري وسط تراجع كبير في المنافسة المعتادة بين القوى السياسية، قائلاً "الانتخابات البلدية الفلسطينية تعقد في بيئة سياسية منقوصة التعددية، حيث يغيب أحد أبرز الفاعلين السياسيين وتتراجع قوائم مستقلة كانت تاريخياً تشكل مساحة احتجاج مدني أو بديلاً محلياً، النتيجة أن المنافسة في عدد كبير من الهيئات المحلية تتحول من تنافس سياسي حقيقي إلى تنافس محدود بين عائلات أو نخب محلية أو قوائم مدعومة بشكل غير مباشر من قوى تقليدية تحديداً قوى السلطة الفلسطينية، نتحدث عن أكثر من 70 هيئة محلية لم تجرى فيها انتخابات أو لن تجري فيها انتخابات، وهي حوالي 197 هيئة محلية بالتزكية، وحوالي 47 هيئة لم تقدم أي قائمة انتخابية، بالنسبة للهيئات التي قدمت بالتزكية فرضت على المجتمع الفلسطيني من قوى متنفذة".

ويعتبر عُكة "للمشهد"، أن الانتخابات المحلية الفلسطينية، "تعكس أزمة النظام السياسي وحجم الفجوى بين النظام السياسي الفلسطيني والمجتمع، وحتى بين الهيئات المحلية نفسها والمجالس البلدية، خاصة وأنها تتقدم للواجهة في ظل تعطل الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وبالتالي تتحمل المحليات مايفوق دورها الطبيعي في إدارة شؤون المواطنين، وهذه مسؤولية السلطة، ولهذا أعتقد بأن الانتخابات المحلية اليوم تجري في ظل أجواء من الاعتراض والرفض والشعور بالإغتراب، وردة الفعل المبنية على مجموعة من العوامل السياسية والإقتصادية والإجتماعية، والفراغ الذي يحدث في أدوار السلطة السياسية في حماية المواطنين ورعاية شؤونهم".

ويعزو الخبير السياسي والحقوقي عُكة"للمشهد" عوامل انخفاض نسبة مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات البلدية للأسباب التالية، "أولاً، تآكل الثقة السياسية على مدار سنوات طويلة، بفعد غياب التجديد الديمقراطي، ثانياً، تأجيل الاستحقاقات الوطنية وضعف قدرة القوى السياسية لتقديم حلول ملموسة للمواطنين، ثالثاً، الفلسطيني مازال خاضعاً لقوى الخلاص الجماعي، يعود لمنطقته وعشيرته وعائلته، على قاعدة الخلاص الفردي، بعيداً عن فكرة البناء والفريق الجماعي، لتحقيق الإنجازات والتنمية".

عزوف عن صناديق الإقتراع

اعتبر الأكاديمي والمحلل السياسي د.أيمن يوسف، خلال حديثه لمنصة "المشهد"، بأن "خيار الذهاب إلى الانتخابات المحلية الفلسطينية، أحد الخيارات لتجديد الشرعيات، الفلسطيني فشل في الانتخابات التشريعية والرئاسية وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وهذه الانتخابات تجديد للشرعية، في ظل ضغوطات أوروبية على الفلسطينيين لعمل هذه الانتخابات على كل المستويات، والمعادلة تكاد تكون أحادية تماماً، القوائم في أغلب المناطق لحركة فتح أو من المستقلين وتتنافس فيما بينها، وأغلب الفصائل لم تظهر بشكل واضح، حتى أحزاب اليسار من الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية لم تظهر في التنافس، حركة "حماس" لا تستطيع الدخول والمشاركة، وما يحرك هذه الانتخابات العشائر والعائلات والأشخاص المؤثرين، والكوتات الموجودة في أغلب المناطق محسوبة على حركة "فتح" وعلى السلطة الفلسطينية، وبالتالي التنافس سيكون بناءاً على الأصوات التي تنتمي للقبائل والعشائر".

وفقاً للمحلل السياسي د.يوسف، فإن التراجع الحاد في الإقبال على الانتخابات المحلية الفلسطينية، والذي يُتوقع ألا يتجاوز 15%، سببه عوامل متراكمة أعمق من مجرد الحرب والحصار، مؤكداً، "الشارع الفلسطيني يعاني من أزمة ثقة حادة بكل الفاعلين السياسيين، فمن جهة، تتهم السلطة الفلسطينية بعدم قدرتها على إنهاء الانقسام، ومن جهة أخرى، تغيب حركة "حماس" والمستقلون عن المشهد، مما يجعل الاقتراع أشبه بمسرحية خالية من الممثلين الأساسيين، كما أن الانشغال بتداعيات الحرب على غزة، وانهيار الخدمات الأساسية، واستمرار الاستيطان والاعتقالات في الضفة، جعل المواطن الفلسطيني يرى في الانتخابات المحلية ترفاً ديمقراطياً لا يلامس أولوياته المصيرية، مثل إنهاء الاحتلال ورفع الحصار وتوفير الأمن والوظائف، في حين أن غياب البرامج السياسية الطموحة واستبدالها بصراعات عشائرية وخدماتية ضيقة، حوّل الصناديق الانتخابية إلى واجهة إعلامية تفتقر إلى أي معنى تغييري حقيقي".