يؤشر تجاهل واشنطن وعدم تعاطيها مع دعوة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان لزيارة السودان، إلى أزمة ثقة سياسية متراكمة؛ إذ باتت الولايات المتحدة تربط انخراطها الدبلوماسي المباشر بمدى استعداد القيادة العسكرية لتحويل التعهدات إلى خطوات قابلة للتنفيذ نحو وقف الحرب، بحسب سياسيين ومراقبين سودانيين تحدثوا لـ"المشهد".
مسارات السلام المتعثر
يستند هذا الموقف إلى سجل تفاوضي اتسم بالتعثر، بداية من جدة مرورًا بالمنامة وحتى جنيف ثم مقترحات الرباعية ومسارات السلام الأخيرة. وقد تصاعدت الضغوط الأميركية مع متتالية الإخفاقات المتسببة فيها حكومة بورتسودان بفرض العقوبات خصوصًا مع تفاقم ملف الأسلحة الكيميائية.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن واشنطن تتجه تدريجيًا من دبلوماسية الوعود إلى "دبلوماسية الضمانات"، عبر العقوبات وآليات التحقق والضغط الدولي. فيما لا تعني التطورات عزلة كاملة للبرهان بقدر ما تعكس "عزلة وظيفية" متصاعدة تحدّ من قدرته على تحويل السيطرة العسكرية إلى قبول سياسي دولي غير مشروط.
وكان البرهان قد وجّه دعوة إلى واشنطن لإرسال فريق للتحقيق في مناطق سيطرة الجيش بشأن ملف الأسلحة الكيميائية، مؤكدًا خلال لقاء مع إعلاميين في القيادة العامة للجيش، قبل أيام، أن الخرطوم سبق أن قدمت الدعوة، إلا أنها لم تتلقَّ استجابة من الجانب الأميركي.
تتزامن تحركات البرهان مع التحقيق الذي نشرته "نيويورك تايمز"، بينما كشف عن استخدام مواد كيميائية في الحرب السودانية، مستندة إلى إفادات ووثائق قالت إنها تشير إلى أن جهات مرتبطة بالحكومة السودانية حصلت على كميات من الكلور السائل الذي كان مخصصًا في الأصل لاستخدامات مرتبطة بالمياه، قبل أن يُعاد توجيهه إلى مؤسسات عسكرية وأمنية.
دلالة سياسية
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول القيادي البارز في حزب الأمة القومي السوداني عروة الصادق، إن عدم استجابة واشنطن لدعوة البرهان بخصوص زيارة السودان يحمل دلالة سياسية تتجاوز مسألة الزيارة نفسها، معتبرًا أنه يعكس تحولًا في طبيعة الانخراط الأميركي في الملف السوداني، وربط مستوى هذا الانخراط بمدى التقدم الفعلي نحو وقف الحرب.
وأوضح الصادق أن البرهان قال في الـ10 من سبتمبر إن دعوة قُدمت إلى الجانب الأميركي لزيارة السودان "والوقوف على الأوضاع على الأرض"، لكنها لم تلق استجابة، مشيرًا إلى أن أهمية الأمر تتضح عند مقارنته بموقف أميركي معلن أمام مجلس الأمن في 26 يونيو، حين أكدت واشنطن استعدادها للسفر فورًا إلى الخرطوم برفقة شركائها، إذا جرى المضي في مقترح السلام الذي نوقش مع وزير الخارجية وأعضاء في مجلس السيادة.
وبحسب الصادق، فإن ذلك يعني أن واشنطن لا تريد اختزال حضورها في السودان بزيارة دبلوماسية منفصلة عن النتائج السياسية، وإنما تربط انخراطها المباشر بما يمكن أن تفضي إليه الزيارة من خطوات عملية نحو إنهاء الحرب.
أزمة ثقة
ويرى القيادي في حزب الأمة القومي السوداني، أن البرهان يواجه في علاقته بواشنطن "أزمة ثقة متراكمة" أكثر من كونه يعاني أزمة في قنوات الاتصال، لافتًا إلى أن الولايات المتحدة فرضت عليه عقوبات شخصية في يناير العام الماضي، وربطت قرارها بانتهاكات ارتكبتها القوات المسلحة السودانية وبالتنصل من الالتزامات الواردة في إعلان جدة لحماية المدنيين.
وأشار الصادق إلى أن العلاقة الأميركية مع السودان شهدت مفارقة دبلوماسية لافتة، إذ أعادت واشنطن في عام 2022 مستوى التمثيل إلى سفير، بعد غياب دام قرابة ربع قرن، رغم انقلاب 25 أكتوبر 2021، قبل أن تؤدي الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 إلى تعليق السفارة الأميركية في الخرطوم عملياتها وإجلاء طاقمها.
وأوضح أن جانبًا أساسيًا من إدارة الملف السوداني انتقل بعد ذلك إلى الخارج، بما في ذلك مكتب شؤون السودان في أديس أبابا، الذي يديره موظف برتبة نائب للقائم بالأعمال.
واعتبر أن هذه النقلة تعكس حجم التراجع الذي أصاب العلاقة "من محاولة استعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل إلى إدارة الأزمة عن بُعد"، مضيفًا أن استمرار إدارة جزء كبير من الملف خارج السودان يضفي على تجاهل دعوة البرهان معنى سياسيًا أوسع.
الوساطة والأمن والعقوبات
وقال الصادق إن واشنطن باتت تتعامل مع الخرطوم باعتبارها "مركز أزمة" تتحدد درجة الانخراط معه وفق متطلبات الحرب والوساطة والأمن والعقوبات والتحقق، أكثر من كونها علاقة ثنائية مستقرة عادت إلى مسارها الطبيعي.
وتابع أن تراكم تعثر مسارات التفاوض، من جدة والمنامة وجنيف إلى مبادرات الرباعية والمقترحات الأميركية الأخيرة، أسهم في ترسيخ أزمة ثقة بين واشنطن والقيادة العسكرية السودانية، بعدما تكررت العودة إلى الشروط المسبقة والخيار العسكري.
إذ إن ملف الأسلحة الكيميائية، وما تبعه من عقوبات وضغوط أميركية، عمّق هذه الأزمة، بحسب ما يشير القيادي بحزب الأمة القومي السوداني، فيما باتت واشنطن تربط أي انخراط مباشر بوقف الحرب وتنفيذ الالتزامات والتعاون مع آليات التحقيق الدولية، بدلا من الاكتفاء بزيارات دبلوماسية تمنح الحكومة السودانية مكاسب سياسية.
من ثم، يرى الصادق أن البرهان لا يواجه عزلة دولية كاملة فقط، وإنما "عزلة وظيفية" متصاعدة تحد من قدرته على تحويل السيطرة العسكرية إلى قبول سياسي غير مشروط، وتدفع واشنطن تدريجيًا من دبلوماسية الوعود إلى دبلوماسية الضمانات والضغط والعقوبات وآليات التحقق.
تغيير الموقف الدولي
إذًا، رفض الولايات المتحدة منح قائد الجيش السوداني البرهان تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أمر متوقع، والأمر ذاته ينطبق على تجاهل دعوته بوصول محققين إلى مناطق سيطرته، خصوصًا في ظل الاتهامات الموجهة إلى الجيش وقيادته، تحديدًا في ما يتصل بملف استخدام الأسلحة الكيميائية، بحسب ما قال المحلل السياسي السوداني صلاح حسن لـ"المشهد".وأضاف أن الاتهامات الموجهة إليه تشمل أيضًا التعاون مع "الكتائب الإسلاموية" وإيران، ما يعمق الضغوط المفروضة عليه.
ورأى حسن أن دعوة البرهان مسؤولين أميركيين لزيارة السودان تتأتى، في جانب منها، ضمن محاولة لاكتساب شرعية سياسية وإظهار أن الحكومة في بورتسودان تحظى بقبول أميركي، إلا أن هذه الخطوات لن تكون كافية لتغيير الموقف الدولي.
عزلة متزايدة
إذ إن ملف الأسلحة الكيميائية يفرض ضغوطًا وعزلة متزايدة على البرهان، كما يؤكد المحلل السياسي السوداني، مشيرًا إلى أن نفي الاتهامات أو تنظيم لقاءات إعلامية لا يغني عن التعاون مع آليات التحقيق المختصة وتقديم ما يثبت ذلك.
وخلص إلى أن البرهان يواجه موقفًا دوليًا صعبًا، في ظل تحميله والجيش مسؤولية مباشرة في هذا الملف، معتبرًا أن رفض منحه تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة يمثل مؤشرًا إضافيًا على حجم العزلة التي يواجهها.



