hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 أنفاق "حزب الله".. سلاح حاسم يعيد رسم موازين القوة على حدود سوريا

الأنفاق ومسارات التهريب تتركز في منطقة إستراتيجية تمتدّ بين ريف حمص الغربي والبقاع الشمالي (فيسبوك)
الأنفاق ومسارات التهريب تتركز في منطقة إستراتيجية تمتدّ بين ريف حمص الغربي والبقاع الشمالي (فيسبوك)
verticalLine
fontSize

تشهد الحدود السورية - اللبنانية تطوّرات متسارعة تعكس تحوّلات عميقة في البيئة الأمنية والإقليمية، كان آخرها إعلان وزارة الدفاع السورية في 29 مارس 2026، عن اكتشاف نفق جديد يُستخدم لعمليات تهريب، وذلك بعد أقلّ من 24 ساعة على اكتشاف نفق مماثل بالقرب من قرية حوش السيد علي في ريف حمص الغربي. إضافة إلى صدّ الجيش السوري هجمات بطائرات ‌مسيّرة ‌استهدفت قواعد قرب الحدود العراقية، بحسب وكالة سانا السورية.

هذه الوقائع، وإن بدت حوادث أمنية موضعية، تكشف في العمق عن صراع مركّب يتداخل فيه البعد الجغرافي مع الحسابات العسكرية والسياسية، خصوصًا في ظلّ إعادة تشكيل موازين القوى بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.

أنفاق على الحدود السورية - اللبنانية

وفي هذا الإطار، أعلنت السلطات السورية أنّ النفقين المكتشفين كانا يُستخدمان لتهريب الأسلحة والمواد غير المشروعة عبر الحدود، وقد جرى إقفالهما ضمن سلسلة عمليات أمنية متواصلة.

وشملت هذه العمليات إحباط محاولة تهريب أسلحة في 19 مارس في منطقة جرود فليطة غرب دمشق، إضافةً إلى ضبط شحنة كبتاغون في 28 مارس بعد اشتباك مع مهرّبين.

وتعكس هذه التحركات تصاعد جهود دمشق لإعادة فرض السيطرة على حدودها، خصوصًا في المناطق الجبلية التي شكّلت تاريخيًا بيئة خصبة لاقتصاد التهريب، كما تشير إلى انتقال تدريجي من مرحلة الانكفاء الداخلي إلى إعادة بناء أدوات الضبط الأمني.

تكتسب الأنفاق أهمية تتجاوز كونها مجرد أدوات تهريب، إذ تشكّل عنصرًا أساسيًا في الحروب غير المتماثلة. فهي ليست مجرّد وسائل تهريب، بل أدوات لوجستية تتيح تجاوز الرقابة وتسهيل نقل مواد حسّاسة في بيئة معقّدة. كما أنّ استمرار اكتشافها يشير إلى أنّ البنية التحتية لهذه الشبكات لا تزال قائمة، رغم الضغوط الأمنية والعسكرية.

وفي هذا السياق، يوضح العميد اللبناني المتقاعد فادي داود في حديث خاص لمنصة "المشهد"، أنّ الأنفاق يمكن اعتبارها امتدادًا للخنادق، لكنّها أكثر تعقيدًا وديناميكية، وقد أثبتت فاعليتها تاريخيًا، كما في تجربة "الفيتكونغ" في فيتنام.

ويرى داود أنّ الأنفاق تمثّل "عاملًا مضاعفًا للقوة"، إذ توفّر الحماية من الضربات الجوية والطائرات المسيّرة، وتمنح مستخدميها ميزة التخفي والمفاجأة. كما تؤدي دورًا لوجستيًا حيويًا في نقل الأسلحة وتخزينها بعيدًا عن الرصد.

وبالنسبة إلى "حزب الله"، فإنّ العمل تحت الأرض يتيح تعويض الفارق العسكري مع خصومه، ما يجعل هذه الأنفاق جزءًا من بنية قتالية متكاملة، لا مجرد وسائل تهريب تقليدية.

الجغرافيا كعامل حاسم في ديناميات التهريب

تتركّز الأنفاق ومسارات التهريب في منطقة إستراتيجية تمتدّ بين ريف حمص الغربي والبقاع الشمالي اللبناني، وتحديدًا في محيط القصير ومطار الضبعة، وصولًا إلى مناطق قريبة من الهرمل في البقاع الشمالي الشرقي. هذه المنطقة ليست مجرّد حدود جغرافية، بل هي ممرّ تاريخي استُخدم لسنوات طويلة في نقل السلاح والمقاتلين التابعين لـ"حزب الله"، خصوصًا خلال الحرب الأهلية السورية (2011-2024).

تتميّز هذه الجغرافيا بتضاريسها الجبلية المعقّدة، ما يجعل من الصعب مراقبتها بشكل كامل، ويوفّر في الوقت ذاته غطاءً طبيعيًا لشبكات التهريب. كما أنّ وجود بنًى تحتية مدنية على جانبي الحدود، استُخدمت كمخازن موقّتة، يعكس مستوى التنظيم اللوجستي الذي تتمتّع به هذه الشبكات.

أدّى سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر 2024، إلى إحداث فراغ في منظومة ضبط الحدود، ما انعكس مباشرة على شبكات التهريب. فقد تعطّلت معظم المسارات الإيرانية التقليدية عبر سوريا، خصوصًا الجوية والبحرية، فيما استمرّت بعض الطرق البرّية بوتيرة أقلّ. ومع صعود حكومة انتقالية في دمشق، بدأت مرحلة إعادة تنظيم الحدود وتقليص نفوذ الجهات غير الرسمية، الأمر الذي ساهم في تراجع نقل الأسلحة الثقيلة نتيجة تشديد الإجراءات الأمنية وتكثيف الضربات الإسرائيلية على خطوط الإمداد.

في هذا السياق، تصاعد التوتّر بين السلطات السورية وعناصر مرتبطة بـ"حزب الله"، خصوصًا في المناطق الحدودية، حيث شهد عام 2025 سلسلة اشتباكات بارزة، من بينها هجوم في آذار أسفر عن مقتل جنود سوريين. وتعكس هذه التطورات تحوّل العلاقة بين الطرفين من تحالف ظرفي خلال الحرب السورية، إلى حالة من التنافس والصدام المحدود، مدفوعة بسعي الدولة السورية إلى استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها وحدودها.

في المقابل، يوضح الخبير الإستراتيجي السوري محمد عباس محمد في مقابلة خاصّة مع "المشهد"، أنّ الأنفاق تشكّل أحد أكثر الأدوات تعقيدًا في الحروب غير المتماثلة، حيث تتحول إلى عنصر حاسم في موازنة التفوق العسكري التقليدي، خصوصًا في الصراع بين "حزب الله" وإسرائيل.

وفي هذه المقابلة، يوضح الخبير الإستراتيجي أنّ الأنفاق لم تعد مجرد وسيلة دفاعية، بل أصبحت بنية قتالية ولوجستية متكاملة قادرة على تغيير مسار المعارك.

ويوضح أنّ الأنفاق استُخدمت على نطاق واسع خلال الحرب السورية، حيث أدت أدوارًا متعددة شملت القتال الهجومي والدفاعي، ونقل الإمدادات، وتخزين العتاد، وتأمين حركة الأفراد وإخفاء تحركاتهم. كما ساهمت في تحقيق عنصر المفاجأة، ووفرت مسارات آمنة للعبور بين المناطق.

الأنفاق بين لبنان وسوريا لا تزال فعالة

وبحسب المعطيات، فإنّ هذه الشبكات لم تبقَ داخل الأراضي السورية، بل امتدت إلى الحدود اللبنانية–السورية، واستُخدمت بشكل مزدوج لأغراض عسكرية واقتصادية، بما في ذلك تهريب السلاح والعتاد بين البلدين، مع اعتماد أساليب تمويه متقدمة لإخفائها عن أنظمة المراقبة المنتشرة على الحدود.

ورغم أهمية الأنفاق، يشير محمد إلى أنّ تهريب الأسلحة لم يقتصر عليها، إذ جرى في حالات عدة، نقل العتاد الثقيل عبر البر باستخدام وسائل تمويه، أبرزها صهاريج المازوت، التي استُخدمت لإخفاء الأسلحة ونقلها من دون إثارة الشبهات، ما يعكس تعدد أدوات التهريب وتعقيدها.

توازيًا، يلفت إلى أنّ هذه الأنفاق تمثل تحديًا كبيرًا على المستوى الأمني، إذ يصعب كشفها في غياب الخرائط الدقيقة، ما يجعل المعلومات الاستخباراتية والاستطلاعية العامل الحاسم في رصدها والتعامل معها.

ويرتبط استمرار هذه الظاهرة بما يُعرف بـ"البيئة الحاضنة"، أي المجتمعات المحلية التي قد تسهّل عمليات التهريب. وبالتالي، فإنّ الحد منها لا يقتصر على الإجراءات العسكرية، بل يتطلب معالجة اقتصادية وأمنية متكاملة.

أما على المستوى الإقليمي، فيشير إلى وجود محاولات أميركية وإسرائيلية لدفع سوريا نحو مواجهة مع "حزب الله"، إلا أنّ دمشق، بحسب تقديره، تتجنب الانخراط في صراع إقليمي، مفضّلة التركيز على إعادة الإعمار وبناء الاستقرار الداخلي. كما أنّ أيّ تدخّل عسكري مباشر، قد يعرّضها لمخاطر فتح جبهات متعددة، وهو ما يجعل هذا الخيار غير مرجح في المرحلة الراهنة.

رغم هذه التحوّلات، يؤكد العميد داود لـ"المشهد"، أنّ الأنفاق لا تزال "فعّالة إلى حدّ مقبول جدًا"، مستدلًا باستمرار اكتشافها واستخدامها. إلا أنّ فاعليتها لم تعد مسألة تقنية فقط، بل باتت مرتبطة بعوامل سياسية وإقليمية، أبرزها طبيعة الموقف السوري.

وتابع أنّ مدى استمرارية هذه الشبكات، يعتمد على وجود حدّ أدنى من القبول أو التغاضي من الجانب السوري، إضافةً إلى طبيعة التنسيق مع الأطراف الإقليمية. وبالتالي، لم تعد الأنفاق تعمل في فراغ، بل ضمن بيئة سياسية معقّدة تحدد قدرتها على الاستمرار.

وتتزامن هذه التطورات مع ضغوط متزايدة من الولايات المتحدة وإسرائيل على دمشق، لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه "حزب الله"، وصولًا إلى طرح سيناريوهات تدخّل داخل لبنان. غير أنّ سوريا تبدو حذرة، وفق داود، من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تفتح عليها جبهات متعددة، سواء مع "حزب الله" أو أطراف إقليمية أخرى.

كما أنّ أيّ تدخّل قد يفاقم التعقيدات الداخلية اللبنانية، خصوصًا في المناطق الحدودية ذات البنية العشائرية الحساسة. لذلك، تفضّل دمشق التركيز على تثبيت وضعها الداخلي وتعزيز انتشارها الدفاعي على الحدود، بدل الانخراط في صراع أوسع.

أخيرًا، لا يمكن قراءت هذه الأحداث بمعزل عن السياق الأوسع للتحوّلات الإقليمية. فهو يعكس صراعًا متعدّد الأبعاد بين الدولة السورية في طور إعادة التشكّل، وشبكات تهريب متجذّرة، وضغوط دولية متزايدة، وفق مراقبين.

وبينما تسعى دمشق إلى تحقيق توازن دقيق بين فرض السيادة وتجنّب التصعيد، تبقى هذه الأنفاق مؤشّرا على أنّ الصراع لا يزال قائمًا؛ وإن كان يدور في كثير من الأحيان تحت الأرض.