كثّف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضربات الجوية ضد إيران، ملوّحا بتوسيع نطاق العمليات العسكرية، في وقت لا تظهر فيه مؤشرات واضحة على أن زيادة الضغط العسكري ستنجح في انتزاع تنازلات من طهران، بحسب تقرير لوكالة "رويترز".
انهيار اتفاق وقف النار
ومع انهيار اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الذي تم التوصل إليه قبل شهر، يواجه ترامب تحديا متزايدا في مساعيه لإنهاء سيطرة إيران على مضيق هرمز وإجبار طهران على الاستجابة للمطالب الأميركية.
ورغم أن الطرفين تجنبا حتى الآن الانزلاق مجددا إلى مواجهة شاملة، فإن التصعيد المتواصل قلّص فرص التوصل إلى مخرج قريب للأزمة، التي دفعت أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع وأثرت في الأسواق المالية.
وتواصلت الهجمات المتبادلة، لليوم السادس على التوالي، بالتزامن مع إشارات إيرانية إلى احتمال دفع "الحوثيين" في اليمن نحو إغلاق مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات شحن النفط عند مدخل البحر الأحمر، في حال استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة داخل إيران، كما هدد ترامب.
وفي ظل التصعيد، ناقش ترامب مع مساعديه، وتحدث علنا في بعض الحالات، عن توسيع بنك الأهداف الأميركية ليشمل محطات الكهرباء والجسور، إلى جانب احتمال إرسال قوات برية للسيطرة على جزيرة خرج، المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني، وقصف موقع عميق تحت الأرض مرتبط بالبرنامج النووي ويُعرف باسم "جبل الفأس".
لكن بعض هذه الخيارات، بحسب التقرير، قد يكون من الصعب تنفيذه بسبب المخاطر العسكرية الكبيرة والتداعيات المحتملة داخليا وجيوسياسيا، خصوصا أن ترامب سبق أن لوّح بخيارات مماثلة قبل أن يتراجع عنها.
هل يغير التصعيد موقف طهران؟
ويرى معظم المحللين، وفق "رويترز"، أن أي تصعيد أميركي كبير، باستثناء غزو بري عالي المخاطر وغير مقبول سياسيا بهدف إسقاط الحكومة الإيرانية، قد لا يكون أكثر فاعلية في إجبار طهران على تغيير موقفها مقارنة بالمراحل السابقة من الحرب المستمرة منذ نحو 4 أشهر ونصف الشهر.
وخلال تلك الفترة، أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية إلى مقتل قادة كبار وإلحاق أضرار واسعة بالقدرات العسكرية الإيرانية.
وقال جوناثان بانيكوف، المسؤول السابق في الاستخبارات الأميركية لشؤون الشرق الأوسط والباحث حاليا في المجلس الأطلسي، إنه لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن موجة الهجمات الأخيرة، أو أي خطوات إضافية يفكر فيها ترامب، ستدفع الإيرانيين إلى تغيير طريقة تفكيرهم، مرجحا أن تؤدي بدلاً من ذلك إلى تشديد موقفهم.
في المقابل، قال مسؤول كبير في إدارة ترامب لـ"رويترز" إن الرئيس يفضل الحل الدبلوماسي، لكنه اعتبر أن "اللغة الوحيدة التي تفهمها إيران هي القوة العسكرية"، مؤكداً أن واشنطن ستواصل محاسبة طهران على ما وصفه بـ"الأعمال الإرهابية" في مضيق هرمز.
يأتي التصعيد في وقت يواجه فيه ترامب ضغوطا لإنهاء حرب أودت بحياة الآلاف، معظمهم في إيران ولبنان، وتسببت في أضرار اقتصادية داخل الولايات المتحدة وتراجع شعبيته قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر.
وتوقفت المفاوضات الهادفة إلى تحويل الاتفاق المؤقت إلى تسوية دائمة، رغم وجود مؤشرات على استمرار تحركات دبلوماسية خلف الكواليس.
ورحب ترامب بما وصفه بالإفراج عن مواطنة أميركية كانت محتجزة في إيران، معتبرا الخطوة بادرة حسن نية، إلا أن وسائل إعلام حكومية إيرانية نقلت عن السلطة القضائية نفيها الإفراج عن أي سجناء أو تنفيذ عملية تبادل.
مضيق هرمز في قلب الخلاف
وبحسب التقرير، قد يراهن ترامب على أن استمرار القصف سيجبر إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي، الذي قال إنه كان السبب الرئيسي لشن الحرب.
إلا أن جوهر الجولة الأخيرة من القتال يرتبط أيضاً بالخلاف حول تفسير الاتفاق الأولي بشأن السيطرة على مضيق هرمز، بعدما أظهرت إيران خلال الحرب قدرتها على تعطيل نحو خُمس شحنات النفط العالمية.
وترى طهران أن لها دورا في إدارة الممر المائي، وربما فرض رسوم على العبور، بينما تتمسك الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون بحرية وأمن الملاحة من دون شروط.
ومع استئناف إيران هجماتها على السفن التجارية خلال الأيام الماضية، ردت الولايات المتحدة بإجراءات شملت إعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية، فيما وصف البيت الأبيض الهجمات الإيرانية بأنها انتهاك للاتفاق المؤقت.
كما ازدادت الضغوط الاقتصادية على طهران بعدما ألغت واشنطن الإعفاء الذي كان يسمح لإيران ببيع النفط دولياً.
ضربات تمهد لخيارات أكبر؟
ونقلت "رويترز" عن 3 مسؤولين أميركيين قولهم إن موجة الضربات الحالية قد تكون "عمليات تشكيلية"، تهدف إلى منح ترامب خيارات أوسع من خلال تدمير قدرات عسكرية إيرانية قبل الانتقال إلى خطوات أكبر.
وفي المقابل، لوّحت إيران بتوسيع نطاق المواجهة، محذرة من إمكانية استهداف منشآت مدنية تابعة لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج إذا مضت واشنطن في التصعيد.
ونقلت "رويترز" عن 3 مصادر أن طهران طلبت من "الحوثيين" في اليمن الاستعداد لإغلاق ممر النفط عبر البحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة الإيرانية، ما يضيف تهديدا جديدا لإمدادات الطاقة العالمية، خصوصاً بعد تحويل مسار بعض الشحنات إلى البحر الأحمر.
وفي المقابل، رأى مارك دوبويتز، رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن استخدام طهران ورقة مضيق هرمز قد يدفع المجتمع الدولي إلى تسريع إنشاء خطوط أنابيب وممرات شحن بديلة تقلل من قدرة إيران على التأثير في حركة التجارة العالمية.
مخاوف من تكرار أخطاء سابقة
وأشار محللون إلى أن ترامب، الذي خاض حملته الانتخابية لولاية ثانية على أساس تجنب التدخلات الخارجية والتركيز على القضايا الاقتصادية الداخلية، قد يجد نفسه أمام تكرار بعض الأخطاء التي رافقت اندلاع الحرب في 28 فبراير، في ظل غياب تفسير كافٍ لأسبابها أو استراتيجية خروج واضحة، بحسب التقرير.
لكن مسؤولاً كبيراً في الإدارة الأميركية رفض هذا الطرح، مؤكدا أن الضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية هي التي دفعت إيران سابقاً إلى طاولة المفاوضات لمناقشة مذكرة التفاهم.
من جهته، قال داني سيترينوفيتش، الباحث في الشؤون الإيرانية بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إن زيادة الضغط والتهديدات لن تدفع، على الأرجح، القيادة الإيرانية إلى الاستسلام، محذراً من أن توسيع ترامب قائمة الأهداف قد يقابله رد مماثل من طهران.






