شهدت دول الخليج عدوانًا إيرانيًا خلال الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة، تمثّل في هجمات صاروخية واسعة، وكانت دولة الإمارات من بين الأكثر تضررًا بخسائر اقتصادية ومادية وبشرية. وفي هذا الإطار، تستند المطالبة بتعويضات كاملة إلى مبادئ القانون الدولي التي تُلزم الدولة المسؤولة بجبر الضرر وتعويض المتضررين.
ويؤكد خبراء أنّ أيّ تسوية سياسية مستدامة، تتطلب ركيزتين أساسيتين: تعويضات عادلة وشاملة، وضمانات دولية فعّالة تمنع تكرار الاعتداءات، إذ إنّ غيابهما يُبقي الاستقرار الإقليمي هشًّا. وفي هذا السياق، شددت وزارة الخارجية الإماراتية، عقب إعلان وقف إطلاق النار، على أولوية التعويضات وضرورة تحميل إيران المسؤولية عن الأضرار، بما يشمل قطاعات الطاقة والتجارة والبنية التحتية.
هذا التوجه يعكس اعتماد دولة الإمارات على أدوات القانون الدولي لاسترداد حقوقها، ليس فقط من منظور سياسي، بل أيضًا كضرورة اقتصادية لحماية الاستقرار المالي وتعزيز ثقة المستثمرين، في ظل نقاش أوسع حول فاعلية آليات التعويض في النزاعات الدولية.
تعويضات اقتصادية ومادية
يستند الطرح الإماراتي للمطالبة بتعويضات كاملة عن الأضرار الاقتصادية إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي، وفي مقدمتها مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا (ARSIWA 2001)، الذي يُلزم الدولة المسؤولة بجبر الضرر بشكل كامل، سواء من خلال إعادة الحال إلى ما كان عليه، أو التعويض المالي، أو غير ذلك من أشكال الإنصاف.
وفي هذا السياق، يبرز نموذج لجنة الأمم المتحدة للتعويضات التي أُنشئت عقب غزو العراق للكويت، كسابقة عملية يمكن الاستناد إليها، حيث تم إقرار مسؤولية العراق عن الأضرار المباشرة، ومعالجة ملايين المطالبات ودفع عشرات المليارات من الدولارات على مدى سنوات طويلة.
ويعزز استحضار هذه التجربة الطرح الإماراتي بإمكانية تحويل المطالبات القانونية إلى آليات تنفيذية واقعية، خصوصًا إذا ما توافرت إرادة دولية داعمة، ما يفتح الباب أمام مسار قانوني–اقتصادي، يهدف إلى تعويض الخسائر وحماية الاستقرار المالي للدولة.
يقول المحامي الإماراتي وخبير التشريعات المالية حبيب الملا في حديث لمنصة "المشهد"، إنّ "مشاريع مواد لجنة القانون الدولي، تنطبق مباشرة إذا ثبت وجود فعل منسوب لإيران ويخالف التزامات دولية، والهجمات الإيرانية على البنية التحتية الإماراتية تُشكّل "فعلًا دوليًا غير مشروع" بموجب المادة 2، إذ إنها تنتهك التزامًا دوليًا. كما أنّ المادة 31 تُلزم إيران بالتعويض الكامل عن كل الأضرار السببية، سواء كانت الإمارات طرفًا مباشرًا في النزاع أم لا، لأنّ الضرر وقع على أراضيها ومواطنيها".
رفض إيران الدفع
بينما تصطدم المطالب بحدود الإرادة السياسية للدول المعنية، تبقى الأدوات القانونية الدولية، من العقوبات إلى قرارات مجلس الأمن، محورًا أساسيًا في محاولة فرض التزامات مالية أو تنظيمية على الأطراف المتهمة، مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة النظام الإيراني، وأدائه الذي يرفع من احتمالات عدم امتثاله للقوانين الدولية.
وفي هذا السياق يلفت الملا إلى أنّ "الخيار الأقوى في حال رفض إيران دفع التعويضات، هو تجميد وضبط الأصول الإيرانية في الخارج، عبر آليات العقوبات الدولية أو قرارات مجلس الأمن بموجب الفصل السابع. للمحاكم الأميركية سابقة ناجحة في هذا المجال، إذ صدرت أحكام بمليارات الدولارات ضد إيران، ونُفّذت من أصولها المجمّدة، وهو مسار يمكن الإمارات الاستفادة منه. إنشاء لجنة تعويضات دولية خاصة، يستلزم قرارًا من مجلس الأمن، وهو محتمل في ظل الدعم الأميركي الراهن. أما التقاضي أمام محكمة العدل الدولية، فيشترط قبول إيران الولاية القضائية، وهو أمر مستبعد من دون معاهدة ثنائية نافذة أو قبول مسبّق".
ويشير الملا إلى أنّ "دروس لجنة تعويضات الأمم المتحدة بعد غزو الكويت، كانت ناجحة، لأنّ العراق قَبِل الهزيمة العسكرية الكاملة، وصدر قرار مجلس الأمن 687 بموجب الفصل الـ7 يُلزمه صراحةً بالتعويض، وهو ما لا يتوافر بعد في الحالة الإيرانية. الدرس الأهم هو أهمية إنشاء لجنة وطنية للمطالبات بسرعة، وفصل المطالبات الفردية عن المطالبات الحكومية، وتأمين مصدر دائم للدفع (كإيرادات النفط في حالة العراق). المهم حاليًا توثيق كل الأضرار بدقة الآن، تمهيدًا لأيّ آلية تعويض قد تنشأ مستقبلًا سواء عبر تسوية تفاوضية أو قرار أممي".
الجدير بالذكر أنه بتاريخ 29 مارس 2026، نشر المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش، تغريدة على منصة "إكس" حدد فيها موقف الإمارات بوضوح، قائلًا: "لا بد لأيّ حل سياسي يعالج العدوان الإيراني على دول الخليج العربي، أن يشمل ضمانات واضحة تمنع تكرار الاعتداء مستقبلًا، وأن يكرّس مبدأ عدم الاعتداء، ويعتمد التعويضات الإيرانية عن استهداف المنشآت المدنية والحيوية والمدنيين"، مشيرًا إلى أنّ الضمانات والتعويضات أساسيّين في مواجهة نظام بات يشكل التهديد الأول لأمن الخليج
وأضاف الملا، "مبدئيًا، المادة 30 من مواد لجنة القانون الدولي تُجيز المطالبة بضمانات عدم التكرار كجزء من جبر الضرر. لكنّ ربط إعادة فتح هرمز بمراقبة دولية للبرنامج الصاروخي الإيراني، هو مطلب سياسي في جوهره، يتجاوز ما يمكن فرضه قانونيًا. الأجدى قانونيًا هو المطالبة بضمانات عدم التكرار بشكل صريح في أيّ اتفاق، مع إبقاء مسار التعويض المالي مستقلًا وغير مشروط".
وتابع، "يمكن اشتراط آليات رقابة أو التزامات أمنية كجزء من اتفاق أوسع، هذا شائع في الاتفاقات الدولية بعد النزاعات، لكنه يتطلب توافقًا دوليًا وليس مجرد مطالبة أحادية".
اقتصاد لا يتراجع تحت النار
إلى جانب نجاحها العسكري في صد أكثر من 95% من الاعتداءات الإيرانية الجوية، سجّلت دولة الإمارات نجاحًا آخر في هذه الحرب، من خلال مواصلة ترسيخ مكانتها كوجهة مفضلة لرؤوس الأموال العالمية، حتى في ظل التوترات الجيوسياسية والاقتصادية الإقليمية.
ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل البنيوية التي تعزز ثقة المستثمرين، أبرزها الاستقرار السياسي، وقوة النظام المالي والمصرفي، إضافة إلى بيئة أعمال مرنة وتنافسية، خصوصًا وأنّ جاذبيتها لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، وإنما تمتد إلى عناصر جودة الحياة، والأمان، والبنية التحتية المتطورة، إلى جانب سياسات داعمة للاستثمار الأجنبي، مثل تسهيلات الإقامة والمُلكية. هذه المقومات مجتمعة، جعلت من الإمارات مركزًا استثماريًا قادرًا على امتصاص الصدمات الإقليمية، والحفاظ على تدفق رؤوس الأموال والمشاريع، حتى في فترات عدم اليقين.
وفي هذا السياق، أعلنت وكالة موديز للتصنيف الائتماني، عن استكمالها للمراجعة الدورية للتصنيفات الائتمانية لدولة الإمارات بتاريخ 30 مارس 2026، حيث جرى إعادة تقييم مدى ملاءمة التصنيف الحالي، ليبقى دون تغيير عند "Aa2" مع نظرة مستقبلية مستقرة، بما يعكس استمرار الثقة العالمية بمتانة الاقتصاد الإماراتي واستدامة سياساته المالية.
فيما أكدت وكالة التصنيف الائتماني العالمي "فيتش"، أنّ القطاع المالي في الإمارات يتمتع بقدرة عالية على مواجهة الضغوط بدعم السيولة والملاءة المالية العالية، وذلك بعد "اختبار الضغط الشديد" على جودة أصول البنوك الإماراتية المصنفة لديها، حيث خلصت النتائج إلى أنّ جميع البنوك قادرة على تحمّل الضغط من دون دعم استثنائي، وذلك بعد أن افترض الاختبار الذي أجرته، أنه سيكون هناك تدفقات خارجة بنسبة 10% من إجمالي الودائع، وأنّ نسب القروض المتعثرة ستتضاعف 3 مرات، أو حتى 4 مرات، مقارنة بمستويات نهاية 2025.
وبينما كانت دفاعاتها الجوية تتصدى للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، كانت الإمارات تضيف إنجازًا جديدًا إلى رصيدها، حيث أظهر تقرير "آفاق وإحصاءات التجارة العالمية"، الصادر عن منظمة التجارة العالمية، أنّ الإمارات دخلت للمرة الأولى في تاريخها قائمة الـ10 الكبار عالميًا في صادرات السلع، محتلة المرتبة الـ9 بين أكبر الدول المصدرة للسلع على مستوى العالم.
كذلك شهد القطاع العقاري في دبي أداءً قويًا خلال أبريل، مسجلًا تصرفات بقيمة 4.4 مليارات درهم عبر 1101 صفقة، من بينها صفقة بارزة لبيع شقة سكنية فاخرة قيد الإنشاء، بقيمة 70 مليون درهم ضمن مشروع "أمان ريزيدينسيز". وكان المشروع نفسه قد شهد الشهر الماضي بيع ثالث أغلى شقة في تاريخ سوق دبي بقيمة 422 مليون درهم، إلى جانب صفقة أخرى لشقة فاخرة على الخريطة بقيمة 65.4 مليون درهم في منطقة نخلة جميرا.
فيما سجلت السوق العقارية في أبو ظبي أعلى أداء ربع سنوي في تاريخها، بعدما حققت المعاملات العقارية نموًا لافتًا بنسبة 160.7% خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025، بـ 66 مليار درهم كقيمة إجمالية للتصرفات العقارية خلال الأشهر الـ3 الأولى من العام.
في المحصلة، نجحت دولة الإمارات في الحفاظ على مسار اقتصادي صاعد ومتوازن في قلب بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. فاستمرار تدفق الاستثمارات، وثبات المؤشرات الائتمانية، وتوسع الحضور التجاري العالمي، إلى جانب الزخم العقاري المتصاعد، جميعها تعكس صورة اقتصاد قادر على التكيّف وإعادة إنتاج الثقة حتى في أحلك الظروف.