تبعث الخروقات الحقوقية المتورطة فيها "القوات الإخوانية" في حضرموت، مؤخرًا، بحقيقة رئيسة مفادها، أن هذه الممارسات، تهدف إلى إبقاء المحافظة في حالة "هشاشة سياسية وأمنية" دائمة، بما يتيح للجماعة الأم لقوى الإسلام السياسي تمرير أجنداتها، وفرض وصايتها على القرار المحلي، والتحكم بالثروة والمسار السياسي، وفق قيادي بالمجلس الانتقالي الجنوبي لـ"المشهد".
الممارسات الانتقامية
كما تسعى هذه الممارسات الانتقامية والتي ترقى إلى كونها "جرائم ضد الإنسانية" إلى عرقلة أي مشروع وطني يعزز استقلالية القرار الحضرمي، ويمكن أبناء المحافظة من إدارة شؤونهم بأنفسهم، وفق المصدر ذاته.
وأثناء انعقاد الاجتماع الدوري للهيئة التنفيذية المساعدة للمجلس الانتقالي الجنوبي لشؤون مديريات وادي وصحراء حضرموت، دان المجلس، الثلاثاء، الانتهاكات التي تورطت فيها "القوات الإخوانية" في المحافظة، ومنها عمليات الاختطاف والإخفاء القسري إلى جانب اقتحام المنازل.
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال القائم بأعمال رئيس الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجنوبي بحضرموت علي أحمد الجفري، إن هذه الممارسات الانتقامية تهدف إلى إبقاء حضرموت في حالة "هشاشة سياسية وأمنية" دائمة، بما يتيح للجماعة تمرير أجنداتها، وفرض وصايتها على القرار المحلي، والتحكم بالثروة والمسار السياسي.
كما تسعى إلى عرقلة أي مشروع وطني يعزز استقلالية القرار الحضرمي، ويمكن أبناء المحافظة من إدارة شؤونهم بأنفسهم، وفق أحمد الجفري، وذلك في إطار دولة جنوبية فيدرالية، وهو المشروع الذي يتبناه ويناضل من أجله المجلس الانتقالي الجنوبي.
وتابع: "الهدف الأساسي لـ"الإخوان" يتمثل في الحفاظ على نفوذ سياسي وعسكري، عبر أدوات تنظيمية وإعلامية، والعمل كأداة ضغط لإعادة تشكيل موازين القوى في الجنوب. ويأتي ذلك في سياق خدمة مشاريع الجماعة العابرة للحدود، والتي تتعارض بشكل واضح مع إرادة الغالبية العظمى من أبناء حضرموت، الذين يقفون مع الانتقالي الجنوبي ومشروعه في استعادة الدولة الجنوبية بنظام فيدرالي يضمن حقوق جميع المحافظات في إدارة شؤونها".
علاقة "الإخوان" بالتنظيمات الإرهابية
وعلاقة حزب الإصلاح بالتنظيمات الإرهابية "معروفة ومثبتة"، إذ يُعد الحزب الحاضنة الأساسية لتلك التنظيمات، وكثير من عناصر وقيادات الجماعات الإرهابية كانوا في الأصل قيادات أو منتسبين للحزب، ما يجعل منه "الرحم التي خرجت منها هذه التنظيمات، بأشكال ومسميات مختلفة"، وفق ما يذكر القائم بأعمال رئيس الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجنوبي بحضرموت، موضحًا الدور الانتهازي والوظيفي لـ"الإخوان"من خلال التعاون البراغماتي، المؤقت والمرحلي، مع السلطة حين يضعف نفوذه، ثم يسعى للانقضاض على المشهد متى ما سنحت له الفرصة.
هذا ما حدث خلال الفترة الممتدة من عام 2016، عقب تحرير ساحل حضرموت من تنظيم "القاعدة" الإرهابي، وحتى أواخر عام 2025، عندما التزم "الإخوان" حينها بحالة "ركود نسبي"، مكتفيًا بالوجود داخل مؤسسات الدولة، بحسب المصدر ذاته.
لكن مع التدخل السعودي الأخير وقصف القوات الجنوبية وإخراجها من حضرموت، شعر حزب الإصلاح الذراع السياسية لـ"الإخوان" بأن الفرصة أصبحت مواتية لاستعادة نفوذه في المحافظة، فعاود الظهور عبر تصريحات إعلامية وبيانات سياسية تتهم المجلس الانتقالي الجنوبي ودولة الإمارات بارتكاب ما سماه انتهاكات لحقوق أبناء حضرموت. إلا أن المقصود بهذه الاتهامات في جوهرها هو الدفاع عن عناصر إرهابية كانت تنتمي لتنظيمات متطرفة، هزمتها قوات النخبة الحضرمية ونجحت في طردها من مناطق الساحل، إضافة إلى إلقاء القبض على عدد من عناصرها، بحسب أحمد الجفري.
وتابع: "رغم حالة الركود الظاهري التي مر بها الحزب منذ عام 2016، إلا أنه ظل يمتلك قدرة كبيرة على التعطيل، نظرًا لتغلغل عناصره داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية. ويعود هذا التغلغل إلى شراكته الطويلة في الحكم مع نظام علي عبدالله صالح، منذ اجتياح قواته وعناصره المسلحة للجنوب عام 1994، وهو ما مكنه من التمدد داخل مفاصل الدولة المختلفة".
وقد انعكس هذا التغلغل سلبًا على أداء السلطة المحلية، وأسهم في تدهور الخدمات الأساسية، كالكهرباء والمياه. غير أن الأخطر، يتمثل في امتلاك الجماعة جهازاً إعلاميا منظمًا وفعّالا، مرتبطاً بشبكة الإخوان الإقليمية والدولية، استخدم ولا يزال يستخدم في التضليل الإعلامي وتزييف وعي الرأي العام.
البدايات الأولى
وفي الإطار نفسه، أكد الكاتب والمحلل السياسي اليمني محمد أحمد مبارك لـ"المشهد" أن جماعة "الإخوان" كانت الرحم الذي تمخضت عنه البدايات الأولى لنشاط تنظيم "القاعدة" في حضرموت، ويعود ذلك إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا إلى عام 1993، حين نُفذت أول عملية مسلحة استهدفت قوات لواء "تيسير الجنوبي" في منطقة الخشعة، بقيادة كل من "أبو علي الحضرمي" و"سنيان الحارثي"، ثم تسبب اعتقال عدد من منفذي العملية في إعادة تموضع هذا النشاط، ليتحول لاحقًا إلى عمل سياسي منظم تحت مظلة حزب الإصلاح الذراع السياسية لـ"الإخوان"، حيث جرى دمج العناصر المتشددة والإرهابية ضمن الإطار الحزبي.
وبعد حرب 1994 على الجنوب، حاز الحزب الإسلاموي على تمثيل برلماني بدعم من صنعاء، التي شجعت تمدد الحزب داخل المجتمع الحضرمي، المعروف تاريخيًا بوسطيته الدينية وموقفه الرافض للتطرف وجماعات الإسلام السياسي. واستمر هذا النفوذ حتى عام 2015، حين كانت السلطة المحلية في حضرموت خاضعة لقيادات محسوبة على الحزب، قبل أن تسقط صنعاء بيد "الحوثيين"، لتشهد المحافظة لاحقًا تطورات تمثلت في سيطرة تنظيم "القاعدة" على مدينة المكلا، بحسب أحمد مبارك.
ويقول: "مع انطلاق عمليات التحالف العربي والدولي ضد "الحوثيين"، تولت دولة الإمارات، عبر قوات جنوبية محلية، مهمة تحرير المكلا في عام 2016، وتمكنت من طرد تنظيم "القاعدة" وإعادة الأمن والاستقرار إلى ساحل حضرموت، وهو ما انعكس على الحياة العامة حتى نهاية العام الماضي".
جرائم ضد الإنسانية
وبحسب مبارك، فإن المشهد عاد إلى التوتر مع تدخل عسكري سعودي في حضرموت، أُخرجت على إثره القوات الجنوبية من مواقعها، وسط اتهامات بتسليم المحافظة مجددًا لقوى محسوبة على حزب "الإخوان" وتنظيم "القاعدة". وترافقت هذه التطورات مع تقارير وثقت انتهاكات شملت عمليات قتل وإعدامات ميدانية بحق جنود جنوبيين، واعتقالات طالت مواطنين ونشطاء سياسيين، بالإضافة إلى مداهمات منازل وملاحقات لقيادات جنوبية، كان من بينها الاعتداء على منزل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في وادي حضرموت.
إلى جانب ذلك يقول الكاتب والمحلل السياسي اليمني أنه تم "ارتكاب ما يمكن وصفه بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها دفن جنود أحياء في مناطق صحراوية بحضرموت، وإخفاء مئات المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولًا حتى اليوم. كما سُجلت عودة نشاط تنظيم "القاعدة" إلى مناطق مثل وادي ساه، حيث يُشار إلى وجود قيادات بارزة في التنظيم، إضافة إلى تمدده مجددًا في مديريات بمحافظة شبوة، ووصولًا إلى استعادة بعض معاقله السابقة في محافظة أبين".
هذا التمدد لم يكن ليحدث لولا وجود دعم لوجستي قادم من محافظة مأرب، التي هي معقل مشترك لقوى إخوانية وعناصر متطرفة، وبغطاء إقليمي، وفق المصدر ذاته، والذي يختتم حديثه قائلًا: "يعيد هذا المشهد المعقد طرح تساؤلات جدية حول مستقبل الأمن والاستقرار في حضرموت، وطبيعة الصراع على القرار السياسي والثروة، في ظل هشاشة الوضع الأمني في واحدة من أهم المحافظات اليمنية".