تشهد الجبهة اللبنانية الإسرائيلية حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث تضع التطورات الميدانية والأمنية المتلاحقة المنطقة أمام منعطف إستراتيجي يعيد رسم قواعد الاشتباك.
وعلى الرغم من التفاهمات الأخيرة بين بيروت وتل أبيب التي استهدفت احتواء التوتر، إلا أنّ القراءات الأمنية تحذر من إمكانية تحوّل هذه التهدئة الموقتة إلى شرارة لمواجهة أوسع في ظل مساع ميدانية لفرض معادلات ردع جديدة على الحدود الشمالية ترفع من مستوى التأهب العسكري.
تعقيدات التفاوض
في قراءته للموقف الدبلوماسي، يرى توم واريك، كبير مستشاري مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق، أنّ واشنطن تسعى جاهدة لصياغة مسار ينهي حالة النزاع مع طهران، مستدركا بأنّ هذا التوجه يصطدم بحزمة من الملفات الشائكة والمعقدة.
وقال واريك في حديثه لبرنامج "المشهد الليلة" الذي يبث على قناة ومنصة "المشهد" مع الإعلامية كاترين دياب، أنه تأتي في مقدمة هذه الملفات أمن الملاحة في مضيق هرمز والملف النووي الإيراني، فضلا عن العقوبات الاقتصادية والإجراءات المالية المفروضة على طهران وهو ما يزداد تعقيدا في ظل أزمة الثقة العميقة بين الطرفين.
وأكد أنّ هذه التعقيدات تلقي بظلالها مباشرة على المحادثات المتعلقة بلبنان، مشيرا إلى أنّ "حزب الله" لا يبدو متوافقا مع المساعي الدبلوماسية الرسمية، ويفضل اتخاذ مسار منفصل يتجاوز توجهات الحكومة اللبنانية.
وأضاف واريك أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدير المفاوضات برؤية تضع شروطا صارمة تتعلق بالبرنامج النووي وحرية الحركة في مضيق هرمز باعتباره ممرا دوليا، مرجحا أن تدفع هذه العقبات المتشابكة نحو تمديد مهلة الـ60 يوما المقررة للاتفاق، نظرا لعدم وجود سقف زمني كافٍ لحل هذه القضايا المعقدة في الأسابيع المقبلة.
متغيرات الحاضنة الإقليمية
من جانبه، قدّم الخبير العسكري والإستراتيجي العميد خالد حمادة تحليلا للمشهد اللبناني الداخلي، مؤكدا أنّ التفاوض الأميركي الإيراني يظل المظلة الأساسية التي تندرج تحتها الاتفاقات.
وأشار حمادة إلى أنّ خيار التصعيد العسكري من قبل "حزب الله" يواجه كوابح موضوعية صعبة، حيث يدرك أنّ أيّ مغامرة ميدانية جديدة ستؤدي إلى زيادة النقمة الداخلية ضده، وتضاعف حجم الدمار في الجنوب، خصوصا بعد أن أظهرت معطيات المعركة عدم قدرته على وقف الانهيار العسكري أو إعادة توازن القوى إلى الميدان.
وشدد على أنّ قرار "حزب الله" مرتهن بالكامل بالتوجهات الإيرانية، حيث تبدو طهران مستعدة للاستثمار في هذه الورقة الثمينة حتى النهاية، لمحاولة استعادة دورها الإقليمي.
وعلى الرغم من هذا التمسك، اعتبر حمادة أنّ الظروف الإقليمية والدولية قد تغيرت كليا، وأنّ الوظيفة الإقليمية لإيران باتت مقصاة بفعل الردع العسكري والموقف الدولي الصارم ضد أيّ تهديد للملاحة.
وفي المقابل، يكتسب الموقف اللبناني اليوم حصانة غير مسبوقة بفضل الدعم العربي والخليجي الواضح والتفاف الحاضنة الإقليمية حول القرار الشرعي للحكومة اللبنانية، مدعوما بتوقيع إسرائيل على وثيقة تقر فيها بعدم وجود أيّ أطماع لها في لبنان، وهو ما يعدّ إنجازا سياسيا لافتا في هذه المرحلة، بحسب حمادة.