وأظهرت الدراسة، التي أعدها علماء من تحالف الإسناد العالمي للطقس (World Weather Attribution)، أن نحو 45% من أكبر 850 مدينة أوروبية، تشهد أعلى مستويات للإجهاد الحراري المسجل، وهو مقياس يجمع بين درجات الحرارة والرطوبة، ما يزيد من صعوبة تبريد جسم الإنسان، ويرفع المخاطر الصحية المرتبطة بموجات الحر.
آثار بشرية واقتصادية واسعة
وتزامنت نتائج الدراسة مع تسجيل المملكة المتحدة، أعلى درجة حرارة في تاريخ شهر يونيو بلغت 36.7 درجة مئوية، في وقت شهدت فيه عدة دول في غرب أوروبا ارتفاعا في حالات الطوارئ الطبية، وتسجيل وفيات مرتبطة بالحرارة.
وتحذر الدراسة من أن موجة الحر الحالية ستخلف آثارا بشرية واقتصادية واسعة، بعد أن تسببت بإغلاق مدارس، وضغط كبير على المستشفيات، وتعطيل خدمات السكك الحديدية والطيران في عدد من الدول الأوروبية.
ووفقا للباحثين، فإن موجة الحر الحالية كانت ستصبح أقل حرارة بنحو درجتين مئويتين لو حدثت في عام 2003، وبنحو 3.5 درجات مئوية لو وقعت في عام 1976، ما يعكس التسارع الكبير في تأثير الاحترار العالمي خلال العقود الأخيرة.
كما أظهرت الدراسة أن الليالي شديدة الحرارة، التي تعيق النوم وتزيد من المخاطر الصحية، أصبحت اليوم أكثر احتمالا بنحو 100 مرة مقارنة بعام 2003.
وقال الباحث ثيودور كيبينغ من إمبريال كوليدج لندن وعضو فريق الدراسة، إن هذه هي "أشد موجة حر وأكثرها انتشارا على الإطلاق في منطقة واسعة من أوروبا"، مؤكدا أن تغير المناخ جعل حدوث مثل هذا الحدث في شهر يونيو ممكنا للمرة الأولى.
وأضاف أن عددا من العواصم الأوروبية يسجل حاليا أعلى متوسط لدرجات الحرارة خلال 3 أيام متتالية، ليس فقط لشهر يونيو، بل مقارنة بأي فترة أخرى من العام، فيما يواجه أكثر من 100 مليون شخص درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية.
الرطوبة تضاعف المخاطر
واعتمدت الدراسة على مؤشرات قياس تأثير الحرارة والرطوبة معا، على قدرة الجسم على التخلص من الحرارة.
وأكد الباحثون أن تسجيل أسوأ مستويات الإجهاد الحراري في نحو نصف المدن الأوروبية الكبرى، ينذر بارتفاع كبير في التداعيات الصحية، خصوصا مع الارتفاع السريع في درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة.
وأشار فريق الدراسة إلى أن نمط الطقس الحالي، المتمثل في تمركز مرتفع جوي يحبس الهواء الساخن فوق أوروبا، ويجذب كتل هوائية حارة من الصحراء الكبرى، ليس ظاهرة غير مألوفة في الصيف، لكن الاحترار العالمي أدى إلى تضخيم تأثيره بشكل غير مسبوق.
كما استبعد الباحثون أن تكون ظاهرة "إل نينيو" مسؤولة عن شدة موجة الحر الحالية، معتبرين أن تغير المناخ هو العامل الرئيس وراء ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.
تسريع إجراءات التكيف
وقال الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سيمون ستيل إن تغير المناخ، يتفاقم بسبب الاعتماد المستمر على الفحم والنفط والغاز، مشددا حسب الدراسة، على أن الحلول تتمثل في تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، وحماية الغابات، وتعزيز قدرة المجتمعات والبنية التحتية على التكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة.
وأكدت كارولينا بيريرا مارغيدان من المركز المناخي التابع للصليب الأحمر والهلال الأحمر، أن أنظمة الإنذار المبكر التي اعتمدتها دول أوروبية بعد موجة حر عام 2003، ساهمت في إنقاذ كثير من الأرواح، لكنها لم تعد كافية في ظل تصاعد موجات الحر.
ودعت حسب الدراسة، إلى استثمارات أكبر في مساكن ومدن وبنية تحتية، أكثر قدرة على مقاومة الحرارة.
وتشير بيانات السلطات الصحية البريطانية، إلى أن أكثر من 10 آلاف شخص توفوا في المملكة المتحدة نتيجة موجات الحر الصيفية بين عامي 2020 و2024.
وسجلت خدمة إسعاف لندن هذا الأسبوع، أعلى عدد من حالات الطوارئ المهددة للحياة في يوم واحد، مع استمرار التحذيرات الصحية من تأثير الحرارة على جميع الفئات السكانية، وليس فقط كبار السن والأطفال.
وحذر الباحثون في الدراسة، من أن استمرار ارتفاع الانبعاثات سيجعل موجات الحر المستقبلية أكثر شدة، وقد تبدو حرارة صيف اليوم معتدلة مقارنة بما قد تشهده أوروبا خلال العقود المقبلة.