تشهد أميركا الجنوبية تحولا سياسيا لافتا مع صعود قوى يمينية إلى الحكم بعد سنوات من هيمنة اليسار، في ما يعرف بـ"الموجة الزرقاء"، وسط تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحول مؤقتا أم بداية تغيير طويل الأمد، وانعكاسات تلك التحولات على المستويين الإقليمي والدولي، وخصوصا على علاقة دول القارة مع إسرائيل.
وأفاد تقرير لصحيفة "جيروزاليم بوست" بأنه لأكثر من عقد، كانت الخريطة السياسية لأميركا الجنوبية مصبوغة بالأحمر الثوري الداكن، حيث ودع ما يعرف بـ" المد الوردي" في مطلع الألفية بتقليص الفجوات الاجتماعية، والقضاء على الفقر، وبناء دولة تعود أخير لمواطنيها.
وقال الرئيس المنتخب حديثا لهندوراس نصري عصفورة: "الآن أو أبدا"، معبرا عن شعوور بالإلحاح يسود القارة.
ويتردد هذا الشعور لدى الرئيس المنتخب حديثا لتشيلي خوسيه أنطونيو كاست، الذي قال لأنصاره: "الأمل انتصر، أمل العيش من دون خوف، اليوم نحن على طريق النصر".
وأشار التقرير إلى أن هذا المد بدأ في التراجع، ليحل محله "مد أزرق" لقادة يمينيين يفوزون بالانتخابات على أساس برامج تقوم على "رأسمالية للجميع"، وسياسات أمنية صارمة، وتوجه دبلوماسي موال للغرب.
وبحسب التقرير، لم يأت انهيار هيمنة اليسار في أميركا الجنوبية من فراغ، حيث يوضع ماوريسيو ديمانت من الجامعة العبرية أن الوعود الأيديولوجية لليسار فشلت في نهاية المطاف في تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، وتابع: "فشلت الحكومات اليسارية في التعامل مع قضايا بالغة الأهمية للمواطنين، مثل الفساد والاقتصاد".
ومن جانبه، قال كبير محللي أميركا اللاتينية والكاريبي في وحدة المعلومات التابعة لـ"الإيكونوميست" نيكولاس سالدياس إن السبب الرئيسي لتوجه الناخبين في المنطقة إلى الأحزاب اليمينية في الانتخابات الأخيرة يعود إلى القلق الشديد إزاء الجريمة، وأضاف: "إذا نظرت إلى استطلاعات الرأي في العديد من البلدان، ستجد أن الهم الطاغي لدى كثير من الناخبين هو الجريمة، وهي مرتفعة وتتزايد في بعض الدول".
الملف الأمني
ورغم أن الإصلاح الاقتصادي محرك أساسي، إلا أن السلاح الأقوى في ترسانة اليمين كان ملف الأمن، فقد أصبح رئيس السلفادور نجيب بوكيلة، نجما يهتدي به الحركات اليمينة في القارة.
وباستخدام "وسائل قمعية" لسحق عنف العصابات، بما في ذلك بناء سجون عملاقة واعتقالات جماعية، حول بوكيلة نفسه إلى إيقونة إقليمية.
وأفرزت نتائج سياسة "القبضة الحديدية" نموذجا يطالب فيه الجمهور بـ"بوكيلة خاص بهم"، ودفع قادة إلى محاولة تقليده، بحسب التقرير.
وليست هندوراس والسلفادور وحدهما من تحولتا من الأحمر إلى الأزرق في السنوات الأخيرة، فقد شهدت الأرجنتين وتشيلي وباراغواي والإكوادور وبيرو وبوليفيا أيضا هذا التحول الحاد في الحكم.
وفيما يتعلق بإسرائيل، يتجاوز هذا التحول اليميني كونه تغييرا إقليميا، إذ يمثل شريان حياة دبلوماسيا، ففي ظل حكومات يسارية أصبحت عدة دول في أميركا الجنوبية أكثر عداء لتل أبيب.
وأشار التقرير إلى أن الحكومات الجديدة لا تضيع وقتا في عكس هذه السياسات، ففي هندوراس فاجأ عصفورة، رغم أصوله الفلسطينية، كثيرين بجعل إسرائيل بجانب الولايات المتحدة أولى وجهاته الخارجية بعد انتخابه.
وبدأت بوليفيا، التي قطعت العلاقات مع إسرائيل عدة مرات منذ 2008، بإصلاح أضرار العقدين الماضيين.
وأكد التقرير أن صعود اليمين في أميركا الجنوبية يرتبط بشكل كبير بتأثير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فخلال حملته ورئاسته، دعم ترامب بشكل علني مرشحين يمينيين في أنحاء القارة.