صدم تداول شهادات في "الرقية الشرعيّة" مؤخرا على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، التونسيين، وخصوصا الأطبّاء والجمعيات الحقوقيّة.
ونشرت بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة، صورا لشهادات تخرّج صادرة عن هيكل يقدّم نفسه باسم "أكاديمية الطبّ الإسلامي"، ومُسلّمة "من فرع المنظمة العالمية للطبّ الإسلامي بتونس".
وتفيد هذه الشهادة أنّ المُتخرّج من هذه "الأكاديمية"، حصل على صفة "راقي شرعي للعلاج بالرقية الشرعية من الكتاب والسنّة"، في تخصّصات "الرقية والرقاة، والعين والحسد، وعالم الجن، والسحر، والمسّ والصرع".
ولا يُعرف أيّ شروط تضعها هذه الأكاديمية للالتحاق بها، غير أنّ منشورات تابعة لها على مواقع التواصل، تعلن فيها عن "دوراتها التكوينيّة، تشترط في المتقدّم أن يكون جدّيّا وملتزما بأخلاق طالب العلم".
ضرب مدنيّة للدولة والعلم
أثارت صور الشهادات المتداولة استياءً كبيرا، خصوصا في الأوساط الطبّية والحقوقية، وحمّل كثيرون الإسلام السياسيّ وجماعة الإخوان، مسؤولية بروز مثل هذه الظواهر، مؤكدين أنّ ما يحدث هو نتيجة السكوت على محاولات ضرب مدنيّة الدولة، والفكر التنويريّ القائم على تمجيد العقل والعلم طيلة العشريّة الماضية.
واستغرب كثير من المعلقين ظهور مثل هذه الممارسات في دولة مثل تونس لها تاريخ طويل في العلم والطبّ، وفي السياق، أصدر "المرصد الوطنيّ للدفاع عن مدنيّة الدولة"، بيانا بعنوان "لا مكان للشعوذة في تونس"، عبّر فيه عن استغرابه واستيائه من هذه الصور التي تداولها العديد من المواقع خلال الأيام الأخيرة.

وقال رئيس المرصد منير الشرفي لمنصّة "المشهد"، إنّ "الاختصاصات المذكورة في الشهادة المتداولة على فيسبوك، تحت أنظار الدولة، تمثّل صدمة حقيقية للعقول السليمة في القرن الـ21، لما تُمثّله من تجهيل وشعوذة"، مضيفا، "بعد 60 سنة من تدريس الطبّ في بلادنا، وتخرّج آلاف الأطبّاء من كلياتنا من أصحاب الكفاءات العالية باعتراف أكثر الدول تقدّما في العلم، صرنا نتحدث عن كليات للرقية والشعوذة والجنّ".
الشرفي اعتبر أنّ وجود مثل هذه "الأكاديمية" في تونس، يعدّ "مواصلةً لما قام به الإخوان وأتباعهم من خلال محاولات تسييس الدين، وضرب كل ما بنته دولة الاستقلال"، مؤكدا أنه "أيّام حكم بورقيبة كانت هناك حملات توعوية للقضاء على مثل هذه الظواهر، ولتثقيف المجتمع، واليوم نجد أنفسنا في مواجهة هذه الظواهر بعد أن خلنا أنّها اندثرت".
واستغرب كثيرون سبب صمت السلطات على مثل هذه الممارسات، وقالت عضو مجلس عمادة الأطبّاء الدكتورة لمياء القلال: "منذ سنوات طوال، ونحن نتعجب ونندّد بما يسمّى بالتعليم والدورات والورشات التكوينية في طبّ الأعشاب والطبّ البديل والحجامة وغيرها، التي لا صلة لها بالتكوين الأكاديمي الطبّي أو الشبه طبّي".
وتابعت في حديثها لـ"المشهد": "كنّا نتابع أخبار تلك الدورات وإعلاناتها، وصوَر تخرّج الناجحين منها متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي الصادرة في غالبها عن مدارس وشركات تنشط بتراخيص غامضة من وزارة التجارة، في ظل صمت مدوٍّ من وزارات التربية والتعليم العالي".
الوزارة تنبّه
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التونسية دخلت على الخط، منبّهة عبر بيان رسمي ممّا وصفته بـ"منشورات يتم تداولها بصفحات التواصل الاجتماعي، حول ما يسمى بأكاديمية الطب الإسلامي العالمية"، مؤكدة أنّها "لا تمت بصلة للتكوين الجامعي بالتعليم العالي العموميّ والخاص".
وقالت الوزارة إنها "ستتولى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في هذا الشأن"، ودعت "كلّ من يرغب في التسجيل بإحدى مؤسسات التعليم العالي الخاص، إلى التثبّت من المؤسسات المرخص لها لتأمين التكوين الجامعي، وذلك بالرجوع إلى القائمة الحصرية الموجودة بموقع الوزارة الإلكتروني".

لكنّ الشرفي يعتبر في حديثه لـ"المشهد"، أنّ موقف الوزارة "ضعيف ومتأخر"، مضيفا أنّه "غير كافٍ"، وفي الصدد قال: "هل التنبيه من هذه الممارسات كافٍ لإيقافها؟ كان من المفترض أن تتحرّك السلطات فورا في اتجاه إغلاق هذه الأكاديمية وغيرها من المؤسسات أو المنظمات المشبوهة، التي تقوم بأدوار مشابهة تضرّ بمنظومة التعليم في تونس"، لافتا إلى أنّ "هذه الأكاديمية تمثّل خطرا حقيقيا على الشعب التونسي لما تبثثّه، تماما مثل فرع تونس لاتحاد علماء المسلمين المصنّف إرهابيّا، من فكر ظلامي وتكفيريّ يتنافى مع القوانين التونسية ومع قيم الجمهورية، ومبادئ الدولة المدنية الحديثة".
وبحسب القانون التونسي لا يمكن ممارسة نشاط التدريس إلا بعد الحصول على رخصة.
القانون يجرّم
و"الرقيّة الشرعية" ظاهرة منتشرة في تونس، رغم أنّ القانون يجرّمها في حال كانت بمقابل مادي وألحقت ضررا بالآخر، وفق الناطق الرسميّ باسم محاكم المهدية والمنستير فريد بن جحا، الذي يقول لمنصّة "المشهد"، إنّ "ممارسة الطبّ بأيّ شكل من الأشكال، سواء بالتشخيص أو العلاج أو الاستشارة الشفهية أو الكتابية، أو أيّ طريقة أخرى تستوجب الحصول على شهادة طبيب أو شهادة معادلة لها، معترف بها والترسيم بجدول عمادة الأطباء".
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ينشر كثيرون يقدمون أنفسهم على أنّهم متخصصون في "الرقية الشرعية"، عناوينهم وأرقام هواتفهم للتواصل معهم، مؤكدين قدرتهم على "مداواة جميع الأمراض المستعصية".
لكنّ القاضي التونسي يؤكد أنّ القانون يتدخل في صورة وقوع ضرر ماديّ أو جسديّ على الأشخاص، موضحا، "أغلب القضايا التي ترد على المحكمة يؤكد أصحابها أنهم كانوا ضحايا عمليات تحايل من طرف أشخاص، قدّموا لهم وعودا بتحقيق ما يطلبونه من دون أن يصدقوا في ذلك"، ويتابع، "في مثل الحالات يقع التتبّع الجزائي، لكن في المقابل لا يمكن تجريم من يقوم بالمعالجة بتلاوة القرآن من دون مقابل، أو إحداث ضرر بالآخر".
وفي عام 2016 توفّيت سيدة في العقد الرابع من عمرها جنوب تونس، خلال معالجتها من طرف شخص بما يسمى "الرقية الشرعية"، أمّا في محافظة المنستير وسط تونس، فقد فُقدت قبل أشهر سيدة ثلاثينيّة بطريقة مأسوية، بسبب تعرّضها لـ"محاولة إخراج الجنّ من جسدها، عبر ما يسمّى بالرقية الشرعيّة".
والعام الماضي أثارت قضيّة استدراج "معالج بالرقية الشرعية" لعشرات النساء، جدلا واسعا داخل تونس وخارجها، بعد أن تبيّن أنه كان يُعدّ للإيقاع بضحاياه من النساء عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، يدّعي من خلالها قدرته على علاجهنّ "بالرقية الشرعية"، ثم يقوم باغتصابهنّ وابتزازهنّ.