لا تمل ولا تكل السلطات في مصر من مواصلة جهودها لاستعادة كنوزها الأثرية الموجودة في الخارج، والتي تعرضت للنهب أو التهريب بطرق غير مشروعة في حقب زمنية مختلفة، وذلك للتأكيد على أن التراث ليس سلعة يمكن فقدانها أو التلاعب بها.
آخر هذه الجهود وأحدثها كان نجاح القاهرة في استرداد قناع مومياء ذهبي أثري يقدر عمره بأكثر من 2,000 عام، وذلك من خلال التنسيق مع سويسرا في مجال حماية التراث الثقافي ومواجهة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية بين البلدين.
ووفقاً لبيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية، فإن سفيرها في برن محمد نجم تسلم القطعة الأثرية من السلطات السويسرية، فيما قالت السفارة السويسرية في القاهرة في بيان نشرته على صفحة فيسبوك، إن القناع الأثري يعود إلى العصر البطلمي، مشيرةً في بيانها أن الجمارك السويسرية منعت محاولة إدخال القناع إلى البلاد عام 2022، قبل أن يؤكد خبراء الآثار أنه ينتمي للحضارة المصرية.
حماية التراث المصري
مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية الدكتور حسين عبد البصير، عدَّ في تصريحات لمنصة "المشهد"، استرداد القناع الذهبي المصري من سويسرا بأنه يمثل خطوة مهمة في جهود مصر المستمرة لحماية تراثها واستعادة القطع الأثرية التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، موضحاً أن أهمية هذا القناع لا ترجع فقط إلى مادته الذهبية أو قدمه، وإنما إلى قيمته التاريخية والأثرية بوصفه جزءاً من التراث المصري القديم، ومن هنا يجب التأكيد على أن استرداد الآثار ليس مجرد استعادة قطعة مادية، وإنما هو استعادة جزء من الذاكرة التاريخية والحضارية لمصر، وفي الوقت نفسه تأكيد أهمية التعاون الدولي في مواجهة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
وذكر أن الأهم في هذه الحالة هو أن عملية الاسترداد تمت من خلال التعاون المؤسسي والقانوني بين الجانبين المصري والسويسري، فقد نجحت السلطات الجمركية السويسرية في منع إدخال القناع إلى سويسرا عام 2022، ثم جرى التحقق من طبيعته وأصله الأثري، وصولاً إلى تسليمه إلى السفارة المصرية في برن في سبتمبر 2026.
ورداً على التساؤلات التي باتت تتردد على ألسنة الكثيرين داخل البلاد فيما يتعلق بعدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر بطرق غير مشروعة، أكد عبد البصير أنه من الناحية العلمية يصعب إعطاء رقم إجمالي دقيق لعدد الآثار المصرية التي خرجت بصورة غير مشروعة عبر تاريخ طويل، ذلك لأن عمليات التهريب والاتجار تمت خلال فترات زمنية مختلفة، وعدد كبير من القطع خرج من خلال حفائر غير قانونية أو عبر شبكات اتجار دولية، وبعضها لم يتم التعرف عليه أو توثيقه حتى الآن.
أما بالنسبة إلى القطع التي نجحت مصر في استردادها، فهناك أرقام رسمية مختلفة بحسب الفترة الزمنية التي يغطيها كل إحصاء. ففي أغسطس 2026، أعلن وزير السياحة والآثار أن مصر استعادت أكثر من 1,500 قطعة أثرية خرجت من البلاد في ظروف غير مشروعة خلال السنوات الأخيرة، مع التأكيد على أن الفترة الزمنية المقصودة بهذا الرقم لم تُحدد بصورة تفصيلية، ولذلك لا يصح مقارنته مباشرة بأرقام أقدم تغطي فترات زمنية مختلفة، كما توجد إحصاءات رسمية أوسع تشير إلى أن مصر نجحت خلال العقد السابق في استرداد عشرات الآلاف من القطع الأثرية، إذ وثقت لجنة مصرية في سياق دولي استرداد أكثر من 29 ألف قطعة خلال عشر سنوات، كما وردت أرقام رسمية سابقة تقارب 30 ألف قطعة منذ عام 2011.
ووفقا لمدير متحف آثار مكتبة الإسكندرية فإن بلاده بذلت جهوداً كبيرة مؤخراً في عمليات استرداد الآثار المهربة، ونجحت في عام 2025 استعادت 152 قطعة من تركيا، و36 قطعة من الولايات المتحدة، كما استعادت 25 قطعة من الولايات المتحدة في مايو من العام نفسه، وفي عام 2026 استعادت 7 قطع من واشنطن، و13 قطعة من الولايات المتحدة في أبريل، و4 قطع أخرى في يونيو، إضافة إلى عمليات استرداد أخرى من دول مختلفة.
وأكد أنه من الأفضل علمياً القول بأن مصر استعادت عشرات الآلاف من القطع الأثرية على مدار السنوات الماضية، مع وجود عمليات استرداد مستمرة، بدلاً من تقديم رقم واحد باعتباره حصيلة نهائية لكل الآثار المصرية المهربة عبر التاريخ.
ومن جهته يقول كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصرية مجدي شاكر، أن القناع الذهبي الذي استردته مصر من سويسرا يرجع منتصف العصر البطلمي وتحديداً إلى القرن الثاني قبل الميلاد، مع استمرار الممارسات الجنائزية المصرية القديمة خلال تلك الفترة، مبيناً في الوقت نفسه أن الأقنعة الجنائزية كانت تؤدي دوراً مهماً في الطقوس المرتبطة بالدفن والتعرف على صاحب القناع، ولفت إلى أن استرداد هذا القناع الأثري سبقه نحو 4 سنوات من المباحثات والمفاوضات والإجراءات القانونية، بدأت منذ عام 2022.
وبين أن التعاون بين بلاده وسويسرا يستند إلى اتفاقية ثنائية وُقعت في عام 2010، لمنع استيراد الممتلكات الثقافية بصورة غير مشروعة واستردادها، فضلًا عن التعاون الدولي في مجال حماية التراث، موضحاً أن البيانات الرسمية تشير إلى إعادة نحو 80 قطعة ثقافية وأثرية إلى مصر، وذلك منذ دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في عام 2011.
عوائق تواجه مصر في استرداد آثارها المهربة
ويبدو أن طريق مصر نحو استرداد كنوزها الأثرية المهربة ليس مفروشاً بالورود، حيث أوضح شاكر أن ملف استرداد الآثار المصرية المهربة للخارج معقد للغاية، مشيراً إلى أن هناك تحديات عديدة تواجه مصر في هذا الأمر، وأهمها أن عملية الاسترداد لا تعتمد فقط على إثبات أن القطعة مصرية، وإنما تحتاج في كثير من الحالات إلى إثبات خروجها من مصر بطريقة غير مشروعة، وتحديد مسار انتقالها، وتوثيق ملكيتها وأصلها، ثم استخدام الآليات القانونية المتاحة في الدولة التي توجد فيها القطعة.
وأضاف أن القوانين المنظمة لحماية الممتلكات الثقافية تختلف من دولة إلى أخرى، وكذلك القواعد المتعلقة بمرور الزمن، وحقوق الحائزين الحاليين، ومتطلبات الإثبات أمام المحاكم أو الجهات المختصة، وهناك أيضًا تحدي السوق الدولية للآثار، بما في ذلك المزادات والمعارض والمنصات الإلكترونية، وهو ما يجعل متابعة حركة القطع وتحديد القطع المصرية التي خرجت بصورة غير مشروعة عملًا مستمراً، ولهذا قد تستغرق بعض عمليات الاسترداد سنوات من التحقيقات والتوثيق والمفاوضات.
ووفقاً لكبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار فإن مصر لا تعمل منفردة، فهناك تعاون بين وزارة السياحة والآثار ووزارة الخارجية والنيابة العامة وشرطة السياحة والآثار، إلى جانب التعاون مع أجهزة إنفاذ القانون والمؤسسات المختصة في الدول الأخرى، وقد أثبتت الاتفاقيات الثنائية والتعاون القضائي والدبلوماسي أهميتها في عدد كبير من عمليات الاسترداد.
وأكد أن نجاح استرداد القناع الذهبي من سويسرا يقدم نموذجاً مهماً لهذا النوع من التعاون، فحماية التراث الثقافي مسؤولية مشتركة بين الدول، ومكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار تحتاج إلى تعاون دولي يقوم على القانون والأدلة العلمية والتوثيق الأثري، وليس فقط على المطالبات العامة.



