في خطوة مفاجأة بعد التوتر الحاد على مدار أشهر في العلاقات الجزائرية - الفرنسية، تلقى الرئيس الجزائري اتصالًا هاتفيًا من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث تباحث الطرفان العلاقات الثنائية والتوترات الأخيرة، معربين عن رغبتهما في استئناف الحوار وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بحسب بيان مشترك.
في التوقيت نفسه، أصدر القضاء الفرنسي حكمًا بسجن زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف مارين لوبان 4 سنوات، اثنتان منها نافذة، والمنع من الترشح 5 سنوات وهو بحسب مراقبين، له انعكاسات مهمة في مستقبل العلاقات، خصوصًا مع تضييق نفوذ رواد هذا التيار في الداخل الفرنسي.
في هذا السياق تُطرح العديد من التساؤلات حول انعكاسات الحكم القضائي على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في تسريع عودة العلاقات الجزائرية-الفرنسية.
فهل تم سحب بساط الملفات الشائكة في العلاقة بين البلدين من وزير الداخلية اليميني برونو روتايو في ظل زيارة مرتقبة خلال الأيام المقبلة لوزيري الخارجية والعدل الفرنسيين؟ وهل سيتمكن الطرفان من تجاوز الخلافات العالقة لتحقيق شراكة قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل؟
تفاصيل الاتصال بين تبون وماكرون
بعد موجة توترات سياسية متواصلة، تضمن بيان مشترك حول ما تم تناوله في المحادثة الهاتفية بين الرئيس الجزائري والفرنسي، ما يلي:
- "الرئيسان تحادثا بشكل مطول وصريح وودّي حول وضع العلاقات الثنائية والتوترات التي تراكمت في الأشهر الأخيرة، وجددا الرغبة في العودة إلى اتفاق الجزائر الموقع في أغسطس 2022، خلال الزيارة التي قام بها الرئيس ماكرون إلى الجزائر، وكذا استئناف الحوار المثمر وفقًا لاتفاق الجزائر، والذي أفضى إلى تسجيل بوادر مهمة في مجال الذاكرة، خصوصًا من خلال إنشاء اللجنة المشتركة للمؤرخين الفرنسيين والجزائريين، وإعادة رفاة شهداء المقاومة والاعتراف بالمسؤولية عن مقتل الشهيدين علي بومنجل والعربي بن مهيدي".
واتفق تبون وماكرون خلال الاتصال "على ضرورة الاستئناف الفوري للتعاون في مجال الهجرة بشكل موثوق وسلس وفعّال، بما يُتيح مُعالجة جميع جوانب حركة الأشخاص بين البلدين"، كما اتفقا "مبدئيًا على عقد لقاء في المستقبل القريب"، في إشارة إلى إعادة بعث برنامج زيارة تبون إلى باريس والتي كانت مقررة في يناير ثم مايو 2023، لكنها لم تتم بسبب رفض الرئيس الجزائري لبرنامج الزيارة.
ما علاقة مارين لوبان؟
وعن بوادر هذه الخطوة، يرى الناشط السياسي فيصل الورقلي، أنها جاءت على خلفيات تهدئة ومعالجة واقعية لتصاعد التفاقم في العلاقات منذ أوائل عام 2025، وذلك ضمن مجموعة أحداث من بينها، إشكال ترحيل الجزائريين المخالفين من فرنسا، واتهام الجزائر لليمين الفرنسي بأنه وراء تفاقم التوتر، واعتقال الكاتب المزدوج الجنسية بوعلام صنصال، والجدل حول ملكيات فرنسا العقارية في الجزائر وغيرها من الملفات.
ويواصل الورقلي في حديث لـ "المشهد"، أنّ هذا الموقف المفاجئ جاء نتيجة مجموعة من العوامل من بينها:
- توقيت الحكم القضائي على زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان التي تتبنى خطابًا عدائيًا تجاه الجزائر، وهو ما زعزع هذا التيار وشجع الرئيس الفرنسي على القيام بخطوة للتحكم مجددًا في زمام ملف العلاقات الثنائية من دون الخوف من ردود فعل متشددة داخليًا، بعد ما استحوذ عليها اليمين المتطرف بقيادة وزير الداخلية برونو ريتايو.
- القيادة الفرنسية استفاقت أنّ اليمين المتطرف يريد أن يستخدم ملف العلاقات الثانية معبرًا لطموحاته، ومما لا شك فيه أنّ ملف العلاقة الشائكة مع الجزائر له انعكاساته على استحقاقات فرنسا الانتخابية وعلى تموضع القوى السياسية.
- الزيارة المرتقبة لكل من وزير العدل والخارجية الفرنسيين إلى الجزائر، دليل على أنّ ماكرون أعطى بوادر بسحب الملف من وزير الداخلية والعمل على ضرورة الاستئناف الفوري للتعاون في مجال الهجرة، من جهته، أكد رئيس حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلونشون، أنّ إيمانويل ماكرون قرر طرد برونو روتايو من "القضايا الجدية "، وتابع: "الجزائر وفرنسا قضية جدية، ليست لبرونو روتايو واستفزازاته الصبيانية".
- وزير الداخلية الفرنسي كان قد اتهم الجزائر بـ"انتهاك القانون" بسبب رفضها قبول أحد مواطنيها، والبيان جاء عكس ذلك بإشارة واضحة إلى أنّ البلدين "مُلتزمان تمام الالتزام بالشرعية الدولية وبالمقاصد والمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة".
- البيان المشترك جاء لوقف الجدل القائم على ملف حساس جدًا بعد تفاقم النزاع بشأن ملف الهجرة في الأسابيع الأخيرة، وصولًا إلى أطروحات تعديل أو إلغاء القانون الفرنسي-الجزائري عام 1968 الذي ينظم الإقامات والتأشيرات، وهو ما يعني بشكل مباشر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
التعاون بين الجزائر وفرنسا
من جهة أخرى، يبدو أنّ الجزائر فرنسا مستعدتان لفتح صفحة جديدة في العلاقات، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها المنطقة. ومن المرجح أن تكون أيضًا الملفات الاقتصادية، مثل الطاقة والتعاون الاستثماري، ضمن أولويات المرحلة المقبلة بين البلدين.
من جانبه، يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر فؤاد جدي في حديث لـ"المشهد"، إنه رغم بوادر الانفراج المطروحة، لا تزال هناك ملفات دقيقة تتطلب فتح حوار واسع ومتكافئ، ومن أبرزها:
- ملف الذاكرة والتاريخ: لا تزال الجزائر تطالب فرنسا باعتراف واضح بجرائم الاستعمار والاعتذار الرسمي، وهو أمر لا يزال يشكل نقطة خلاف رئيسية خصوصًا مع تحرك البرلمان الجزائري لسنّ مشروع قانون لـ"تجريم الاستعمار الفرنسي"، في حين ستستأنف اللجنة المشتركة للمؤرخين عملها بشكل فوري وستجتمع قريبًا في فرنسا، على أن ترفع مخرجات أشغالها ومقترحاتها الملموسة إلى رئيسي الدولتين قبل صيف 2025، بحسب البيان المشترك.
- مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي: منذ سنوات تطالب الجزائر بمراجعة اتفاق الشراكة، الذي وصفته بأنه "مجحف وغير متوازن وتسبب في خسائر مالية كبيرة لها"، وفي هذا السياق أكد الرئيس الفرنسي في محادثته مع نظيره الجزائري دعم فرنسا لمراجعة هذا الاتفاق.
- ملف الهجرة وحركة تنقل الأشخاص: على الرغم من أنّ الاتفاقية الفرنسية الجزائرية لعام 1968 كانت لحظة حاسمة في العلاقات بين فرنسا والجزائر، إلا أنها تبدو الآن غير متوافقة مع الحقائق والظروف الحالية. وهو ما يتطلب مراجعة تحفاظ على علاقة متوازنة تأخذ في الاعتبار التحديات الحالية للهجرة والدبلوماسية.