صوّت مجلس النواب العراقي، مساء الخميس على 11 وزيراً و3 نواب لرئيس الحكومة علي الزيدي، وذلك خلال جلسة برلمانية لم تستغرق أكثر من نصف ساعة، بعد أن عرضت كل كتلة سياسية مرشحها، وتم اختيار محسن المندلاوي، ليث الخزعلي، ومحمد علي تميم نوّاباً للزيدي.
حكومة علي الزيدي
ومنح البرلمان ثقته لـ9 وزراء بينهم نايف الشمري وزيراً للدفاع، ياسر المالكي وزيراً للداخلية، علي الدخيلي وزيراً للسياحة. بينما لم تشهد الجلسة التصويت على مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني فارس بريفكاني لمنصب نائب رئيس مجلس الوزراء، وفشلت في التصويت على مرشحة وزارة الهجرة والمهجرين رؤى عامر سالم عن المكون المسيحي.
وتميّزت جلسة النوّاب الأخيرة بأنها لم تقتصر على التصويت على الحقائب الوزرارية الشاغرة، بل شهدت أيضاً المصادقة على استحداث وزارات جديدة ضمن الهيكل الحكومي، من بينها وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة، وزارة الدولة لشؤون الأقليات، وفصل وزارة السياحة عن الثقافة.
ورغم أن الخطوات الحكومية المرتبطة بإعادة منصب نائب رئيس الحكومة، واستحداث وزارات جديدة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية العراقية، إلا أن قادة الكتل السياسية أصروا على تمرير النواب والوزارات تحت غطاء الضرورة والحاجة إليها في المستقبل، ما وصفه مراقبون بأنه فشل لحكومة الزيدي في الخروج عن خط الحكومات السابقة.
جدل حول الوزراء والنواب الجدد
ويرتبط وزير الداخلية الجديد ياسر المالكي بصلة قرابة مع زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وهو قيادي في ائتلاف دولة القانون. كما يُنظر إلى وزير السياحة الجديد علي الدخيلي بأنه مقرّب من ميليشيا "كتائب سيد الشهداء" حيث وصل إلى منصبه بدعم من تحالف "منتصرون" المرتبط مباشرة بأبو آلاء الولائي.
أما وزير الدفاع نايف الشمري، ورغم أنه يتبع للكتلة السنية إلا أنه ظهر بعد التصويت في مقطع فيديو مع أحد قيادي منظمة بدر. إضافة إلى ليث الخزعلي شقيق زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، حصل على منصب نائب رئيس مجلس الوزراء. ما وصفه مراقبون بأنه سيطرة للقوى الشيعية المرتبطة بالفصائل المسلحة التابعة لإيران على حكومة الزيدي.
وكشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد" أن الشرط الأساسي لكتائب سيد الشهداء للقبول بنزع السلاح وتسليمه لهيئة الحشد الشعبي وليس للجيش العراقي، كان أن تُستحدث وزارة جديدة أيًا كان اسمها ووظيفتها ليتولى هذا الفصيل المسلح إدارتها، وتم الاتفاق على تسليم وزارة السياحة لشخصية مقرّبة من "سيد الشهداء" وهي علي الدخيلي.
كتائب "سيد الشهداء"
وبهذه الطريقة، ستسيطر كتائب "سيد الشهداء" على كامل المخصصات المالية لوزارة السياحة في موازنة الدولة، إذاً هذا دخل اقتصادي مضمون دستورياً لها، إنه دليل واضح وصريح أن هذه الفصائل المسلحة التي تصنف إرهابية من قبل الولايات المتحدة الأميركية، أصبحت من تشكل وتحكم الدولة العراقية وترسم المشهد السياسي العراقي.
كما أن منصب نائب رئيس الوزراء في الملف الأمني، الذي حصل عليه ليث الخزعلي، سيجعله مؤهلاً للاطلاع على ملفات الوزرات السيادية كوزارة الدفاع والداخلية والجهاز الأمني والوطني والمخابرات والرد السريع وغيرها، ما سيقلل من صلاحيات الزيدي كقائد عام للقوات المسلحة. ويجعل جميع الوزرات مرتبطة بقوى مسلحة خارجة عن القانون. بحسب المصادر.
وحول هذه النقطة، يقول المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد"، إن عملية تشكيل الحكومة مدروسة، الميليشيات أصبحت هي المتحكمة بشؤون الدولة بوساطة من الرئيس علي الزيدي، الذي دعم تقدم هذه الفصائل ووصولها إلى مراكز صنع القرار، بحيث سلّم أمن البلاد للعصابات المسلحة. مضيفاً: "الزيدي خدع الشعب العراقي فيما يسمى بصولة الفجر، وهو اليوم يحتوي هذه الميليشات في حكومته".
نايف الشمري وزيرا للدفاع
ويشرح القيسي، كيف وصل نايف الشمري إلى وزارة الدفاع قائلاً: "التوافقات السياسية الشيعية والسنية صبت في مصلحته، ووصل إلى الوزارة باعتبار أن الرجل لديه علاقات جيدة مع ثابت العباسي، وزارة الدفاع من حصة كتلة حسم، المسؤول عنها وزير الدفاع السابق ثابت العباسي وهو مطلوب للقضاء العراقي وفار إلى تركيا"، مضيفاً: "عملية اختيار المرشحين في شقيها الشيعي والسني عبارة عن مسرحية سياسية".
والشمري، بحسب القيسي، شخصية سنيّة مقرّبة من إيران، وهو من الشخصيات التي ليس عليها إشارة من قبل قوى الإطار التنسيقي، يمتلك علاقات جيدة مع قيادات بدر وقيادات الدعوة فهو من الشخصيات الموثوقة لدى الكتلة الشيعية.
بالمجمل جميع القوى السنية (تقدم، حسم، عزم،) لا يمكن تعيينهم أو توظيفهم من درجة مدير عام وأعلى إلا بموافقة السفارة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني وقوى الإطار التنسيقي، مضيفاً: "القوى السياسية الموجودة في العراق السنية والشيعية هي عبارة عن مجموعة من العصابات المنظمة والمافيات المسلحة غايتها إنهاء خيرات البلد والمحاصصة والمغلوب على أمره هو فقط الشعب العراقي".
ويرى القيسي، أن الأكراد منقسمون إلى قسمين، الأول مع الجانب الإيراني، والثاني هو الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو الحزب الوحيد الذي لم يخضع للسياسة الإيرانية، والزعيم مسعود بارزاني هو العمود الفقري وميزان العدالة في العملية السياسية العراقية منذ العام 2003، الدليل على ذلك رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني حصول شخصية من المكون المسيحي مقرّبة من الفصائل المسلحة على وزارة الهجرة والمهجرين خلال جلسة البرلمان ولم يتم تمريرها.
لماذا لم يتم تمرير حقيبة الهجرة والمهجرين؟
ولم تشهد جلسة البرلمان، التصويت على مرشحة وزارة الهجرة والمهجرين رؤى عامر السالم، كما لم يصوّت البرلمان على مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني فارس بريفكاني لمنصب نائب رئيس مجلس الوزراء. ولم يحدد موعداً جديداً لحسم المناصب المتبقية.
ويقول عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، محمد زنكنة لمنصة المشهد، إن الخلاف لم يكن حول شخص بريفكاني أو مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني بشكل مباشر، لكن الحزب اعترض على موضوع الالتفاف على الوعد الذي قطع على المكونات، بأن تكون حقيبة الهجرة والمهجرين من نصيب كتلة صويانا وهي كتلة الأغلبية المسيحية في مجلس النواب، لكن تم طرح اسم رؤى سالم، زوجها عضو في حركة بابليون التي يقودها ريان الكلداني، المدعوم من قبل الميليشيات، لذلك ارتاى الديمقراطي أن تؤجل عملية التصويت على بريفكاني لحين الاتفاق على وزارة الهجرة.
ويوضح زنكنة، أن هناك اتفاقًا بطرح شخصية مستقلة تمثل المكون المسيحي لشغل حقيبة الهجرة والمهجرين، وفي هذا الإطار ستبدأ جولة من المباحثات لضمان حقوق الأقليات وعدم وصول أي شخصية مقرّبة من الفصائل المسلحة إلى وزارة الهجرة والمهجرين، لأن ملف المكونات هو خط أحمر بالنسبة للديمقراطي الكردستاني.
هل تحوّل الزيدي إلى مدير عام؟
وبعد انتهاء عملية التصويت وإعلان الأسماء، انتشرت الآراء السياسية المناهضة للمحاصصة وترشيح الأقارب والميليشيات المسلحة لتشارك في إدارة الدولة، حتى أن بعض الخبراء السياسيين وصفوا الزيدي بأنه تحوّل من رئيس إلى مجرد مدير عام لا حول له ولا قوة.
ورغم أن الزيدي أكد أن النوّاب لن يتقاضوا مرتبات ولن يتم تخصيص سيارات أو مكاتب لهم، إلا أن نوعية الشخصيات التي تم اختيارها واستحداث وزارات جديدة في ظل أزمة مالية خانقة أفقدت الزيدي الكثير من شعبيته لدى الشارع العراقي.
ويقول الكاتب والباحث في الشأن السياسي العراقي أثير الشرع لمنصة "المشهد"، انتظرنا اكتمال الكابينة الوزارية، كنا نأمل أن تكون الغلبة للكفاءات والتكنوقراط وأصحاب الاختصاص، لكن بعض السِير الذاتية للوزراء الجدد تثير تساؤلات عن مدى انسجام تخصصاتهم مع الحقائب التي أسندت إليهم.
وأضاف: "لا تزال المحاصصة والاستحقاقات الحزبية تتقدم على الكفاءة المهنية، رغم أن العراق غني بالكفاءات لكن المشكلة ليست في قلة الخبراء بل في معايير الاختيار، نتمنى لحكومة علي فالح الزيدي النجاح، لكن اكتمال الكابينة الوزارية لا يعني بالضرورة اكتمال شروط النجاح، فالدولة لا تُدار بالمحاصصة، بل بالكفاءة والنزاهة والاختصاص، قد يتوفر شرط أو شرطين، لكن الشرط الثالث سيكون القشة التي قسمت ظهر البعير".



