على مدى أجيال، كان الدعم لإسرائيل عاملا يتّحد الجميع خلفه في واشنطن، أما الآن، فإنّ هجمات إسرائيل على غزة والحرب على إيران، والعلاقات الوثيقة التي تربط رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو بالجمهوريين الأميركيين، كلها عوامل تؤدي إلى تراجع دعم الديمقراطيين، ما يهدد بتحويل أحد أوثق تحالفات الولايات المتحدة إلى انقسام حزبي.
تراجع دعم إسرائيل
وعارض زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز وبعض مساعديه هذا الإجراء، واصفين إياه بأنه فضفاض أكثر من اللازم. لكنّ الرئيسة السابقة لمجلس النواب نانسي بيلوسي ومسؤولة الانضباط الحزبي للديمقراطيين في مجلس النواب كاثرين كلارك، كانتا من الذين صوتوا بالموافقة.
وقال السناتور الأميركي كريس كونز من ولاية ديلاوير، وهو عضو ديمقراطي كبير في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، إنه يأمل في أن تساعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر على استعادة الدعم الأميركي من كلا الحزبين، مع فتح فصل جديد يتخطى قيادة نتانياهو.
وقال كونز لرويترز، "الحكومات الجديدة يمكنها تغيير المسار"، وأضاف "أبقى نتانياهو إسرائيل في حالة حرب لسنوات إلى الآن، لأسباب منها تجنب العواقب السياسية لخياراته". وبوجه عام، تتراجع مشاعر دعم إسرائيل. فقد أظهر استطلاع أجرته جامعة كونيبياك في يونيو، أنّ 48% من الناخبين و66% من الديمقراطيين يعتقدون أنّ الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشكل مفرط، بارتفاع عن 16% و20% عند طرح السؤال لأول مرة في عام 2017.
وقال داني دانون مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة في مقابلة: "نعم، هناك نقاش حاد، لكنّ الدعم لإسرائيل لا يزال راسخا في التيار الرئيسي عبر شرائح واسعة في الحزبين".

إسرائيل تثير انقساما بالسباق الديمقراطي في ميشيغان
ويواجه هذا التحول اختبارا كبيرا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ التي ستجرى يوم الثلاثاء في ميشيغان، حين سيقيّم الناخبون وجهات النظر المتنافسة حيال الدعم الأميركي، في ظل تزايد أعداد أعضاء الكونغرس الديمقراطيين الذين يشككون في المساعدات العسكرية الأميركية طويلة الأمد.
وسيحدد السباق بين المرشح التقدمي عبدول السيد والنائبة الأميركية هيلي ستيفنز من سيواجه المرشح الجمهوري مايك روجرز في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، في انعكاس للنقاش الديمقراطي الأوسع نطاقا حول إسرائيل والدعم العسكري الأميركي القائم منذ وقت طويل.
وصورت ستيفنز مقطع فيديو مع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك)، وهي أحد المانحين الرئيسيين لحملتها الانتخابية، قالت فيه إنّ العلاقة الوثيقة مع إسرائيل "تثمر عن تجارة، تؤدي بدورها إلى نمو اقتصادي، وتحافظ على حرياتنا آمنة".
وفي المقابل قال السيد، وهو مسؤول سابق في مجال الصحة العامة، لفوكس نيوز: "السؤال هو ما إذا كنا نريد سياسة يتم بموجبها إرسال أموالنا إلى إسرائيل لتمويل الإبادة الجماعية والفصل العنصري، بدلا من الاستثمار في أطفالنا".
واتهم تحقيق للأمم المتحدة ومنظمات عدة معنية بحقوق الإنسان، إسرائيل، بارتكاب إبادة جماعية خلال تدمير جيشها لقطاع غزة، وهو اتهام ترفضه إسرائيل قائلة إنها تحارب حركة"حماس"، وتتخذ خطوات للحد من تعرض المدنيين للضرر. وشكلت السياسة الإسرائيلية عاملا مؤثرا في سباقات انتخابية أخرى تمهيدا لسباق الكونغرس، بما في ذلك في نيويورك وفلوريدا وكولورادو.

تآكل الدعم الديمقراطي لإسرائيل
وتفاقم التوتر مع الديمقراطيين قبل 11 عاما عندما هاجم نتانياهو، في خطاب ألقاه أمام الكونغرس بناء على طلب الجمهوريين أصحاب الأغلبية، الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس آنذاك الديمقراطي باراك أوباما لفرض قيود على البرنامج النووي الإيراني.
وتزايدت المشاعر المنتقدة لإسرائيل، بعد أن شنت حربها على غزة ردا على الهجوم الذي قادته "حماس" في 7 أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أدى إلى مقتل ما يقرب من 1200 إسرائيلي وأجنبي واحتجاز نحو 250 أسيرا. ومنذ ذلك الحين، قتلت الحملة الإسرائيلية أكثر من 73 ألف فلسطيني، وفقا لمسؤولي الصحة في غزة.
وأعاد قصف إسرائيل لغزة تشكيل المشهد السياسي للحزب الديمقراطي، إذ أثار غضبا وانتقادات بين الناخبين الشبان وأدى إلى تعميق الانقسام بين الأجيال داخل الحزب.
وأدت الاحتجاجات التي اندلعت في الجامعات عام 2024 إلى تكثيف الضغوط على الديمقراطيين لإعادة تقييم دعمهم لإسرائيل. ويقول بعض المحللين إنّ رفض الرئيس جو بايدن القيام بذلك، ساهم في خسارة المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس أمام ترامب في الانتخابات التي جرت في وقت لاحق من ذلك العام.
وزادت من حدة التوتر دعوة رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني إلى اعتقال نتانياهو، بناء على مذكرة اعتقال أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
وفي دورة الانتخابات التمهيدية الحالية، تلقى بعض المرشحين المتمسكين بأفكار الحزب التقليدية، هزيمة أمام منافسين أكثر تقدمية شككوا في دعم إسرائيل، خصوصا في الدوائر الانتخابية التي يهيمن عليها الديمقراطيون.
وقال جيريمي بن-عامي، رئيس منظمة جيه ستريت التقدمية المؤيدة لإسرائيل والمنافسة لمنظمة إيباك، إنّ الجدل داخل الحزب الديمقراطي يعكس غضبا من نتانياهو اليميني وإيباك، واصفا إياه بأنه "مزيج سام ساعد بالفعل للأسف، في جعل إسرائيل قضية خلافية حقيقية داخل الحزب الديمقراطي".
ولم تردّ إيباك على طلبات للتعليق.
ووصف شبلي تلحمي أستاذ العلوم السياسية والشؤون الحكومية بجامعة ماريلاند والزميل البارز في معهد بروكينغز، ذلك بأنه "تحول في النموذج الفكري يجعل إسرائيل تظهر الآن على أنها الشرير، بل وحتى الشرير الذي يرتكب إبادة جماعية، بطريقة لم يسبق لها مثيل".
وقال تلحمي في مقابلة، إنه في حين انضم بعض المؤثرين المحافظين إلى هذا الهجوم، فإنّ الحزب الجمهوري سيدعم إسرائيل ما دام المسيحيون الإنجيليون وترامب صامدين.

إسرائيل تعيد تشكيل ساحات المعارك السياسية
ويمتد الخلاف حول إسرائيل إلى الحملات الانتخابية للكونغرس في أماكن أخرى.
فقد استغل النائب الجمهوري مايك لولر، الذي يمثل دائرة انتخابية خارج مدينة نيويورك تضم عددا كبيرا من السكان اليهود، التحول الديمقراطي في الموقف تجاه إسرائيل لمهاجمة منافسته كيت كونلي في معركة حامية الوطيس، لانتزاع مقعد في مجلس النواب.
وفي جنوب فلوريدا، يواجه النائب المعتدل جاريد موسكويتز، المؤيد للمساعدات المقدمة لإسرائيل، منافسة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي المقرر إجراؤها في 18 أغسطس أمام الاشتراكي الديمقراطي أوليفر لاركن، الذي يبني حملته الانتخابية على قناعته بأنّ إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، ويدعم التعليق الفوري للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
وتظهر استطلاعات الرأي الحديثة أنّ موسكويتز يتقدم على لاركن بفارق 32 نقطة مئوية.
وتلقت النائبة الأميركية المخضرمة ديانا ديجيت هزيمة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في كولورادو على يد ميلات كيروس، المولودة في إثيوبيا. ودعت كيروس إلى إنهاء الحروب بما في ذلك عن طريق وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، في حين قالت ديجيت إنها تؤيد إرسال أسلحة دفاعية فقط إلى إسرائيل.
وقالت السناتور الأميركية مازي هيرونو، التي دعت إلى حل الدولتين وتقديم المزيد من المساعدات الإنسانية للفلسطينيين: "أعتقد أنّ الدعم لحق إسرائيل في الوجود موجود بالفعل. ما نشكك فيه بجدية هو القيادة الإسرائيلية فحسب".



