لم يكن إعلان الولايات المتحدة في 28 مايو عن تصنيفها لأكبر عصابتين إجراميتين في البرازيل، قيادة العاصمة الأولى والقيادة الحمراء، كمنظمتين إرهابيتين مفاجئًا. فبعد كل شيء، سبق لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن فعلت الشيء نفسه مع أكثر من 10 جماعات في أميركا اللاتينية، بما في ذلك في كولومبيا وهايتي والمكسيك.
وقال البيت الأبيض إنّ هذا التصنيف يأتي ضمن جهود تهدف إلى "إبعاد المخدرات غير المشروعة عن شوارعنا، وتعطيل مصادر تمويل الإرهابيين العنيفين المرتبطين بتجارة المخدرات".
مع ذلك، وبحسب مقال نشره موقع Foreign Policy، أحدث القرار صدمة في الأوساط السياسية البرازيلية، وسيكون له تداعيات في 4 مجالات رئيسية.
العصابات في البرازيل
- أولًا، من المرجح أن يعيق التعاون الأميركي البرازيلي في مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
- ثانيًا، من شبه المؤكد أنه سيصب في مصلحة اليمين المتطرف قبيل الانتخابات الرئاسية في أكتوبر.
- ثالثًا، أثار القرار مخاوف لدى الدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين البرازيليين بشأن انتهاكات محتملة من جانب الولايات المتحدة لسيادة البلاد.
- ورابعًا أخيرًا، وربما الأهم، قد يفرض هذا الإدراج تكاليف باهظة على الاقتصاد البرازيلي.
يلقى تصنيف العصابتين كإرهابيتين استحسان الناخبين المحافظين في البرازيل، الذين لطالما طالبوا بسياسة أكثر صرامة تجاه الجريمة.
لكن لدى المتخصصين في التعامل مع هذه العصابات، يسود شعور بالقلق أكثر من التفاؤل.
قرار يمنح أميركا حق الدفاع
فقد أدان المدعي العام في ساو باولو، لينكولن جاكيا، الذي يُعتبر على نطاق واسع، أبرز مرجع في البرازيل في ما يتعلق بقيادة العاصمة الأولى - وهو رجل يعيش تحت تهديدات بالقتل - الإجراء الأميركي، وحذر من أنه قد يُضعف التعاون الثنائي ضد هذه الشبكات بدلًا من تعزيزه.
وبمجرد تصنيف جماعات كهذه كإرهابية، تتوقف واشنطن عن التعامل معها كمشكلة أمنية، وتبدأ في التعامل معها كقضية دفاعية: فبعد أن صنّفت الولايات المتحدة عصابات المخدرات المكسيكية كجماعات إرهابية في فبراير 2025، وسّعت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) نطاق طلعات طائرات الاستطلاع من دون طيار فوق الأراضي المكسيكية، وألمح مسؤولون أميركيون إلى أنّ الضربات العسكرية مطروحة على الطاولة.
وتُعدّ إدارة مكافحة المخدرات الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي حاليًا من أهم الجهات الفاعلة في التعاون لمكافحة الجريمة مع البرازيل.
وسيؤدي تصنيف البرازيل كدولة إرهابية إلى دمج جزء كبير من عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي ضمن اختصاص وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات، كما سيمنح وزارة الخزانة دورًا أكبر.
وبذلك، يُعطي هذا الإجراء البنتاغون والبيت الأبيض صلاحية التعامل مع الاتجار بالمخدرات كعملية حرب بدلًا من كونه جريمة، وهو المنطق المزعوم وراء الضربات القاتلة التي شنتها إدارة ترامب على قوارب يُزعم أنها تحمل مخدرات في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.
خطر على التعاون البرازيلي الأميركي
وتُشكّل هذه التغييرات مخاطر على التعاون البرازيلي الأميركي، إذ يتبادل المحققون من كلا البلدين المعلومات بانتظام عبر قنوات إنفاذ القانون، مثل مكاتب إدارة مكافحة المخدرات في البلدان والملحقين القانونيين لمكتب التحقيقات الفيدرالي، والذين أُنشئوا لجمع أدلة مقبولة في المحاكم وتدعم عمليات الاعتقال والتسليم.
على النقيض من ذلك، تجمع أجهزة الاستخبارات والجيش المعلومات لعرقلة الخصوم واستهدافهم، وتعمل وفق قواعد سرية تمنع في كثير من الأحيان وصول المواد إلى الشركاء الأجانب بشكل قابل للاستخدام.
وبشكل عام، من غير المرجح أن تُحقق عسكرة الحرب على المخدرات نتائج ملموسة.
فمنذ العام الماضي، أسفرت الغارات الأميركية على قوارب صغيرة زعمت أنها تُهرّب المخدرات عن مقتل أكثر من 200 شخص.
ومع ذلك، وكما أشار سيمون روميرو، مراسل صحيفة نيويورك تايمز، لا يزال الكوكايين رخيصًا ومتوافرًا بكثرة في شوارع الولايات المتحدة؛ إذ تحوّل المهربون ببساطة إلى الطرق البرية وسفن الحاويات.
من غير المرجح أن يؤثر تصنيف العصابتين البرازيليتين كمنظمتين إرهابيتين على سوق المخدرات الأميركية لسبب آخر أكثر وضوحًا: فالبرازيل بالكاد تُنتج الكوكايين. ويُزرع هذا النوع بشكل شبه كامل في كولومبيا وبيرو وبوليفيا؛ وتُشكّل البرازيل ممرًا للشحن العابر الذي تتجه شحناته في الغالب إلى أوروبا، وليس إلى الولايات المتحدة.
أما الكوكايين المُستهلك في الولايات المتحدة، فيُنقل في معظمه من دول الأنديز عبر المحيط الهادئ.
تناقض في الداخل
في المجال السياسي، اعتبر اليمين المتطرف البرازيلي إعلان الولايات المتحدة انتصارًا.
وقبل أيام من الإعلان، زار المرشح الرئاسي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس البرازيلي السابق المدان جنائيًا جايير بولسونارو، الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض.
ورغم عدم وضوح دور بولسونارو الابن في قرار واشنطن، إلا أنه يستطيع استغلال علاقاته الشخصية مع ترامب ليعد الناخبين بتحسين العلاقات الأميركية البرازيلية في عهده. كما أنّ قضية الإرهاب تُحوّل الأنظار عن فضيحة مصرفية كبرى تورط فيها بولسونارو.
وفي الوقت نفسه، يُلحق الإعلان الأميركي ضررًا بالرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.
ولطالما كان الأمن العام نقطة ضعف لليسار البرازيلي، وقد مارست برازيليا ضغوطًا ضد القرار الأميركي. وأصر لولا على أنّ البرازيل تتخذ بالفعل إجراءات ضد الجماعات الإجرامية من تلقاء نفسها، بما في ذلك من خلال خطة بقيمة ملياري دولار تقريبًا أُطلقت في وقت سابق من هذا العام لخنق تمويلها.
ومقاومة تحرك واشنطن بصوت عالٍ تنطوي على مخاطر انتخابية بالنسبة للولا، إذ قد تُظهره بمظهر المتساهل مع الجريمة.
وفي الوقت الراهن، لا يزال متقدمًا على بولسونارو في استطلاعات الرأي. لكنّ أيّ رد فعل غير مدروس تجاه ترامب قد يُلحق به ضررًا بالغًا.