أثار موضوع زيادة عدد الولايات التي تعدّ ضمن النطاق الإداري للدولة الجزائرية، الذي أقرّه مجلس الوزراء هذا الأسبوع، بترقية 11 مقاطعة إدارية إلى ولايات كاملة الصلاحيات — ليصبح مجموع الولايات 69 — موجة واسعة من الجدل بين قوى سياسية، وفعاليات المجتمع المدني، ورواد منصات التواصل الاجتماعي.
وتُعد هذه العملية ثاني توسّع إداري كبير منذ 2022، حين أُنشئت 10 ولايات إضافية شملت تيميمون وبرج باجي مختار وأولاد جلال وعين صالح وإن ڤزام وتڤرت وجانت والمغير وبني عباس والمنيعة.
في حين تقاطعت المواقف بين من يراه خطوة مهمة لتقريب الخدمات وتحسين التسيير وللامركزية، ومن يحذّر من أنه قد يكون إجراءً يضاعف الإنفاق دون أثر تنموي حقيقي.
مواقف سياسية وحزبية
في هذا السياق يرى المحلل السياسي فيصل الورقلي في حديث لـ"المشهد" أن هذه الخطوة مهمة لكن الترقية وحدها "لا تكفي" لتحقيق التنمية على مختلف المستويات، وشدّد الورقلي على ضرورة ربط أيّ توسع إداري بإصلاحات جوهرية في أساليب التسيير، بالشفافية والمحاسبة، والمشاركة الشعبية الفعلية عبر الانتخابات المحلية القادمة.
وأضاف الورقلي أنه يشترط وجود مجموعة من التدابير لتحوّل هذا التوسع من إجراء إداري إلى نقلة لامركزية حقيقية عبر بعض النقاط المهمة:
- توزيع دقيق للموارد المالية وتعزيز الأطر القانونية بين السلطة ومختلف الولايات الجديدة، مع منح الولاية القدرة على تسطير البرامج التنموية وتحقيق تمويل ذاتي لها.
- يجب ألّا يقتصر مشروع إعادة الهيكلة على الجانب الإداري فقط، بل يجب العمل أيضا على تقليص الفوارق الجهوية وتشجيع النشاطات الاقتصادية في المناطق النائية، خصوصًا في الجنوب والهضاب العليا.
- إدماج سكان القرى والمناطق النائية ضمن الفضاء الاقتصادي الوطني، مما يعزز التماسك الاجتماعي والترابي.
- وضع آليات مالية مستقلة أو حصص من الجباية المحلية، وبرامج تمويل مرحلية تواكب تكوين البنية التحتية الإدارية.
- مراجعة دقيقة تتوافق مع متطلبات التقسيم الجديد، بالتوازي مع تعزيز صلاحيات المنتخبين المحليين في إطار المراجعة الجارية لقانوني الولاية والبلدية.
ويُذكّر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مناسبات مختلفة بضرورة هذا المسار. فقد صرح خلال زيارته لولاية تيزي وزو في يوليو 2024 أنّ مراجعة التقسيم الإداري أصبحت "ضرورة حتميّة" لخلق توازن بين البلديات الريفية والحضرية وتعزيز التجربة الديمقراطية.
واعتبر أنّ "الديمقراطية تبدأ من البلدية"، وأن عدم إعادة النظر في الخريطة الحالية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع المالية لعدد من البلديات. وبيّن أن التنمية حق لكل الجزائريين، لكنها تتطلب "دراسات متكاملة وليس أفكاراً أو شعارات عابرة".
الخريطة الجديدة
من جانبه يرى الخبير الاقتصادي حسام الدين غضبان في تصريح لـ"المشهد" أنّ الجزائر تتجه نحو تبني نموذج اقتصادي أكثر انفتاحًا، يقوم فيه القطاع الخاص بدور محوريّ في خلق الثروة ومرافقة التحول الاقتصادي. وفي المقابل تعمل الدولة على تفكيك الحواجز البيروقراطية التي عطّلت الاستثمار لسنوات، وتهيئة بيئة أعمال أكثر جاذبية وشفافية. كما سيتم توسيع التمثيل في البرلمان والجماعات المحلية لتمثيل سكان الولايات الجديدة الذين سينتخبون نوابًا على مستوى البرلمان للتكفل بالانشغالات المحلية للولايات الجديدة.
ويربط الخبير الاقتصادي تحقيق هذه العملية بمجموعة من المحاور:
- الخريطة الجديدة ستعمل على تشكيل أقاليم متخصّصة في مجالات السياحة والصناعة والتربية والخدمات، بما يسمح بخلق بيئة تنموية أكثر انسجامًا وفعالية. ويرى أن هذا التخصص سيعزز القدرة على استثمار المزايا التنافسية لكل إقليم بشكل أفضل.
- كما يؤكد أن هذه الخريطة ستدفع قطاع البناء والإعمار ليصبح قاطرة للنمو، من خلال إطلاق مشاريع جديدة من شأنها توليد فرص العمل وتحسين استغلال الموارد الوطنية. ويعتبر أن هذا التوجه سيُسهم في تحريك الدورة الاقتصادية ورفع وتيرة التنمية.
- على المدى الإستراتيجي، يتوقع الخبير اعتماد خارطة وطنية للتنمية المحلية المستدامة تُبنى عليها الولايات المستحدثة على أسس اقتصادية قوية. ويشدد على أهمية توفير بنى تحتية متكاملة وضمان توزيع متوازن للمشاريع عبر مختلف الجهات، بما يضمن تنمية عادلة وشاملة.
ويُجمع المتابعون على أن المسار الحالي ليس خطوة معزولة، بل امتداد لمسار طويل من التحولات الإدارية التي عرفتها الجزائر منذ ستينيات القرن الماضي.
فمنذ تقسيم 1965 الذي انطلقت فيه البلاد بـ15 ولاية فقط، توالت عمليات التوسعة لتصل إلى 31 ولاية في 1974 ثم 48 ولاية في 1984. كما جرى اعتماد نظام المحافظة في 1997 قبل التخلي عنه في 2000، وصولًا إلى تعديل 2019 الذي أضاف 10 ولايات جديدة مع الحفاظ على 1541 بلدية.
وتبرز هذه المحطات المتراكمة توجهاً ثابتاً نحو تعزيز اللامركزية، وخصوصًا في المناطق الجنوبية والحدودية التي تضاعف عدد ولاياتها تقريباً من 9 إلى 19، في إطار سعي الدولة إلى تحقيق تنمية أكثر توازناً وشمولاً.