تشهد العلاقات بين تركيا وأذربيجان مؤشرات متزايدة على بروز خلافات سياسية وإستراتيجية حسب تقرير لمجلة "ناشيونال إنترست"، رغم أن البلدين لطالما قدما نفسيهما باعتبارهما نموذجا لشراكة استثنائية تجسدها مقولة أمة واحدة ودولتان".
وبعد سنوات من التنسيق الوثيق والتعاون العسكري والاقتصادي، بدأت حسب التقرير، ملفات إقليمية حساسة تكشف عن تباينات متنامية بين أنقرة وباكو.
إيران وأرمينيا
وتتمحور أبرز نقاط الخلاف حسب التقرير، حول مسار تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا، إضافة إلى العلاقات المتنامية بين أذربيجان وإسرائيل، والموقف من إيران والتوازنات الجيوسياسية في جنوب القوقاز.
وأثار السفير الأذربيجاني في أنقرة جدلا واسعا حسب التقرير، بعد تصريحاته التي ربط فيها فتح الحدود بين تركيا وأرمينيا بإجراء تعديلات دستورية في أرمينيا، وهو ما اعتبره مراقبون تدخلا غير مألوف في قضية ترتبط بالسيادة والقرار السياسي التركي.
كما أعاد هذا الجدل إلى الواجهة ذكريات الأزمة التي رافقت محاولة التطبيع بين أنقرة ويريفان عام 2009، عندما مارست باكو ضغوطا مكثفة، دفعت تركيا إلى التراجع عن بعض خطواتها آنذاك.
غير أن الظروف الحالية تختلف عما كانت عليه قبل أكثر من عقد حسب التقرير، فبعد استعادة أذربيجان السيطرة على إقليم ناغورنو كاراباخ، تراجعت بعض دوافع أنقرة لمراعاة الموقف الأذربيجاني بالشكل نفسه.
وباتت تركيا تنظر حسب التقرير، إلى التقارب مع أرمينيا باعتباره فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي وتقليص الحضور الروسي في جنوب القوقاز، وفتح مسارات تجارية جديدة نحو آسيا الوسطى.
العلاقات مع إسرائيل
وتبرز العلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية كعامل إضافي يساهم في تعقيد المشهد حسب التقرير، فقد تطورت الشراكة بين باكو وتل أبيب خلال السنوات الأخيرة، لتشمل مجالات عسكرية واستخباراتية واقتصادية واسعة، إذ تعد إسرائيل أحد أبرز موردي السلاح لأذربيجان، فيما توفر باكو جزءا مهما من احتياجات إسرائيل النفطية.
لكن هذا التقارب يثير حساسية متزايدة لدى أنقرة حسب التقرير، خصوصا مع تصاعد الخطاب الإسرائيلي المنتقد لسياسات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، واتهام تركيا بالسعي إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر أدوات سياسية وعسكرية مختلفة.
ما بدأت بعض مراكز الأبحاث المقربة من دوائر صنع القرار في واشنطن، تتبنى خطابا أكثر تشددا تجاه تركيا، وهو ما يضع أذربيجان في موقع دقيق بين شريكين إستراتيجيين تربطها بهما مصالح حيوية.
وتكشف التطورات المرتبطة بإيران أيضا حسب التقرير، عن اختلاف في الحسابات بين الطرفين.
ففي حين تنظر أذربيجان إلى بعض التحولات داخل إيران من زاوية مصالحها القومية والإقليمية، تبدو تركيا أكثر حذرا تجاه أي سيناريوهات قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة، أو إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، خشية انعكاس ذلك على ملفات حساسة مرتبطة بالأمن القومي التركي.
المصالح قبل الشعارات
ويرى محللون في التقرير، أن النجاح العسكري والسياسي الذي حققته أذربيجان في حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020، ساهم في تعزيز ثقة القيادة الأذربيجانية بنفسها ودورها الإقليمي، الأمر الذي انعكس على طبيعة تعاملها مع أنقرة.
وبعدما كانت تُنظر إليها بوصفها الشريك الأصغر في العلاقة، باتت تسعى إلى لعب دور أكثر استقلالية وفرض رؤيتها في بعض الملفات الإقليمية.
ورغم هذه التباينات، لا تزال أسس الشراكة بين البلدين قوية حسب التقرير، فالعلاقات العسكرية مستمرة، كما أن مشاريع الطاقة الكبرى، وفي مقدمتها خطوط نقل النفط والغاز عبر الأراضي التركية نحو أوروبا، تمنح الطرفين مصالح استراتيجية يصعب التفريط فيها.
كذلك يظل التعاون الأمني والسياسي عاملا رئيسيا حسب التقرير، في مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة.
ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية توحي حسب مجلة "ناشيونال إنترست" بأن العلاقة التركية الأذربيجانية دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق، ورغم أن الخلافات لم تصل إلى حد القطيعة أو المواجهة، فإنها تكشف عن واقع جديد، تحكمه المصالح الوطنية والحسابات الجيوسياسية، أكثر مما تحكمه الشعارات التقليدية التي طبعت العلاقة بين البلدين لعقود.