أصدرت وزارة التربية والتعليم السورية تعميمًا يقضي بمنع ترديد أي نشيد أو شعار داخل المدارس العامة والخاصة، وذلك إلى حين اعتماد النشيد الوطني الجديد للجمهورية العربية السورية والشعار الرسمي الخاص بالوزارة وفق الأصول الدستورية والقانونية.
وألزم التعميم مديري التربية في المحافظات بمتابعة التنفيذ والالتزام التام بمضمونه، مع رفع تقارير عن أي مخالفات.
من شعارات البعث إلى البدائل الدينية
وجاء قرار وزارة التربية في الحكومة السورية الانتقالية، بعد انتشار مقاطع فيديو لطلاب يرددون شعارات دينية خلال الاصطفاف الصباحي، ما أثار نقاشاً عاماً في مواقع التواصل الاجتماعي حول مستقبل المدرسة السورية والإيديولوجيا الحاكمة لعملية التعليم في الحقبة الجديدة للبلاد.
لعقود طويلة، شكّلت المدارس السورية منصات لتلقين الأيديولوجيا البعثية. فالأطفال انتسبوا منذ المرحلة الابتدائية إلى "طلائع البعث"، مروراً بـ"شبيبة الثورة" وصولًا إلى "اتحاد الطلبة"، حيث كان الهدف إنتاج جيل مرتبط بالحزب والقائد.
وكان الاصطفاف الصباحي طقساً يومياً، يُفرض فيه ترديد شعارات قومية تتمثل في أهداف حزب البعث في "الوحدة والحرية والاشتراكية" ورسالته المعلنة بـ"أمّة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة"، ومهاجمة حزب "الإخوان المسلمين" الديني المحظور في البلاد والدعوة إلى محاربته.
ومع سقوط النظام السابق، لم تختف الطقوس الصباحية وإنما استبدلت بترداد عبارات بديلة من قبل بعض المدارس، اتّخذ معظمها الطابع الديني.
تقول المدرّسة سعاد س. من دمشق، إن "مدرستها ومعظم المدارس المحيطة قامت فقط بإلغاء الطقوس الماضية دون استبدالها، لكن، سمعنا وجود بعض الاجتهادات في مدارس ريفية وأخرى في محافظات أخرى، تم خلالها ترداد شعارات دينية خلال الاجتماع الصباحي".
وتؤكد سعاد في حديثها إلى منصّة "المشهد" عدم ورود أي تعميم أو طلب شفهي من قبل المعنيين بمراقبة العملية التعليمية "في دمشق على الأقل" بضرورة ترديد أي شعارات دينية معبّرة عن اعتقادها بأن "ترداد الشعار في الفيديو المذكور كان أغلب الظن فعلاً فردياً من قبل مدرّس أو مدير بدافع تبييض الوجه" حسب تعبيرها.
مضيفة "أعتقد أن القرار الأخير محاولة لمنع تحوّل هذه الأعمال الفردية إلى مسار عام".
من جانبه يعتبر الكاتب والمحلل السياسي السوري، عبد الله الحمد قرار الوزارة بأنّه "مهني وأكاديمي ويلبي الطموحات ويشكّل أريحية ما بين المكونات السورية جميعا".
يقول الحمد في حديثه إلى "المشهد" إنه "يجب ألا ننسى أن القرار لا يستهدف الأناشيد الإسلامية فقط، وإنما الأناشيد الدينية بشكل عام، ضمن التوجّه نحو بناء جيل واعي مثقف في دولة المواطنة المنشودة، ودولة تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان والتساوي ما بين جميع مكونات الشعب السوري".
سوريا وسؤال الهوية الوطنية
وتنص المادة الخامسة من الإعلان الدستوري على أن النشيد الوطني والشعار يحددان بقانون. ورغم إطلاق هوية بصرية جديدة للدولة، لم يُعتمد حتى الآن نشيد رسمي. هذا الفراغ جعل المدارس تتصرف بارتجال، الأمر الذي دفع الوزارة إلى فرض الحظر.
بالتزامن مع مقطع المدرسة المذكورة، تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع في سوريا، فيديو آخر لمدرّب رياضي يطلب من الفتية المتدرّبين على رياضات قتالية في مكان مكشوف ترداد شعارات دينية، مرفقاً بخطاب ديني حماسي من قبل المدرب.
وترى سعاد أن "جوهر النقاش الذي بدأ بموضوع شعار المدرسة يتصل في جوهره بأسئلة أعمق حول الهوية الوطنية السورية، ما إن كانت ستكون جامعة لكل السوريين أم أنّها ستميز مجموعة، أو فئة دينية أو عرقية أو طائفية عن الأخرى، وهل ستخضع للتوجهات السياسية والدينية السائدة أم ستتجاوزها نحو رؤية أشمل وأعمق؟".
تقول سعاد "الخطر اليوم يكمن في استبدال الشعارات البعثية القديمة بشعارات دينية أو طائفية، بما يعيد إنتاج نفس منطق التعبئة الإيديولوجية لكن بوجه جديد. القرار، مهم لحماية المدرسة من أن التحوّل إلى منبر سياسي أو ديني، وضمان بقائها فضاءً للتعليم".
وفي وجه مؤيدي القرار الذين اعتبروه ضماناً لحياد التعليم وتحجيماً للاستقطاب، ظهرت أصوات معارضة في مواقع التواصل الاجتماعي اتّهمت القرار والخطوات المماثلة إفراغا للتعليم من أي محتوى معنوي، مشددين على أن "دور المدرسة يجب ألا يقتصر على تلقين العلوم دون قيم".
يرى الحمد أن "المجتمع السوري أساساً مؤلف من عدة مكونات، سواء كانت على المستوى الديني أو العرقي أو الأثني، لذلك فهو مجتمع منفتح ومتنوع بطبيعته، وهذا التنوع اليوم يشكل عوامل للاندماج، وتنويع الخطاب، ويتماشى مع تراث المجتمع السوري وآلية تفكيره وآلية تعاطيه".
شارحاً أن "هناك تداخلًا ما بين المجتمع السوري عن طريق الزواج والنسب ما بين الطوائف وما بين الأديان والأعراق والإثنيات، والقاعدة الشعبية مهيئة لتطبيق مثل هذه القرارات وتقبلّها من قبل الجميع".
ووفق الحمد "رغم ما تركه النظام البائد من إرث ثقيل من تشتت وتصدّع ما بين البناء الاجتماعي والديني، لكن المجتمع دائماً في الأزمات يعود إلى جذوره الأصيلة والالتحام والالتفاف لتخطّيها".
هل تنجح سوريا في تحقيق الحياد التربوي؟
يعكس منع ترديد الشعارات الدينية في المدارس إدراكًا ضمنيًا أن الهوية الوطنية لن تُبنى إذا ترك المجال مفتوحًا لاستبدال منطق الدولة المدنية بمنطق التوجهات الدينية أو الطائفية، خصوصًا في بيئة ما زالت تعاني من تجاذبات سياسية حادة.
تواجه سوريا أزمة تعليمية عميقة، تتمثّل في تجاوز نسبة المدارس المدمّرة كليا أو جزئيا الـ 40%، مع وجود أكثر من 2.4 مليون طفل خارج العملية التعليمية، وسط الحاجة العاجلة لترميم 7200 مدرسة.
وأعلنت وزارة التربية عن ترميم 531 مدرسة والعمل على 676 أخرى، لكن الأرقام تكشف حجم التحدي البنيوي أمام أي إصلاح تربوي.
يقول الحمد إن "جميع المكونات السورية تشارك وتساهم لبناء الدولة الجديدة وتركز اليوم على الجيل الجديد لأن تطوير المنظومة التعليمية والمنظومة التربوية يمهّد لتكوين جيل جديد واع يؤمن بالتعددية والديمقراطية ويؤمن بالانفتاح على الآخر، ويؤكد الهوية الثقافية السورية المنفتحة لجميع أفرادها على بعضهم والمتماسكة وخصوصا في المحن".
يمثل التعميم الجديد خطوة نحو فصل التعليم عن الإيديولوجيا، لكن نجاحه مرهون بقدرة الدولة على اعتماد نشيد وطني جامع، وترسيخ ثقافة مدنية داخل المؤسسات التعليمية، ومواجهة محاولات تسييس أو تديين التعليم.