تؤطر دول الخليج، التي تعرضت لاعتداءات إيرانية على منشآتها المدنية، الحلّ السياسي والدبلوماسي مع إيران من خلال ضرورة المطالبة بتعويضات عن تلك الأضرار التي لحقت بالمنشآت الحيوية والإستراتيجية وكذلك البنى التحتية والممتلكات الخاصة.
الحل السياسي
ذلك ما يعني رسالة واضحة ومباشرة مفادّها، أن أيّ حلّ سياسي للأزمة الحالية، يجب أن يتجاوز مجرد التهدئة ووقف إطلاق النار، ليشمل إطارًا قانونيًا واضحًا يتصل بالأضرار التي طاولت بالمنشآت المدنية والحيوية والبنية التحتية والممتلكات الخاصة، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، بجانب ضمانات تمنع تكرار الاعتداءات مستقبلًا.
وترى المصادر ذاتها، أن المطالبة بالتعويضات تمثل "تحولًا إستراتيجيًا" من إدارة الأزمة عبر الاحتواء الدبلوماسي إلى المسائلة القانونية والسياسية، ووسيلة لرفع كلفة التصعيد على إيران، مع تأكيد شرعية حماية السيادة الوطنية لدول الخليج، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، خصوصًا بعد إقرار الأمم المتحدة مشروع قرار يدين الاعتداءات الإيرانية.
وكان المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش، قد أوضح أنه "لا بد لأيّ حلّ سياسي يعالج العدوان الإيراني على دول الخليج العربي أن يشمل ضمانات واضحة تمنع تكرار الاعتداء مستقبلًا، وأن يكرّس مبدأ عدم الاعتداء، ويعتمد التعويضات الإيرانية عن استهداف المنشآت المدنية والحيوية والمدنيين".
وعبر حسابه في منصة "إكس" قال المستشار أنور قرقاش، إن إيران "خدعت جيرانها قبل الحرب بشأن نواياها، وكشفت عن عدوان مبيّت رغم جهودهم الصادقة لتفاديها، ما يجعل هذين المسارين أساسيين في مواجهة نظام بات يشكل التهديد الأول لأمن الخليج العربي".
الموقف الخليجي
يتزامن الموقف الخليجي مع تبنّى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مشروع قرار قدّمته دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، يدين "الاعتداءات الإيرانية"، بينما طالب طهران بضرورة وقف استهداف أراضيها، بجانب تعويضات اقتصادية عن الخسائر المتسببة فيها تلك الاعتداءات على نحو 10 عواصم خليجية وعربية.
وشدد القرار، الذي تلاه مندوب البحرين، على ضرورة وقف الاعتداءات الإيرانية فورًا، وكذلك دفع تعويضات عن الخسائر التي تكبدتها دول الخليج على مستوى الأفراد والبنى التحتية.
وفي حديثه لـ"المشهد"، قال الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي محمد المرزوقي، إن مطالبة دول الخليج لإيران بتعويضات عن استهداف المنشآت المدنية، يعد "تحولًا جذريًا" في إدارة الأزمة الحالية، حيث ستنتقل بها من مربع "الاحتواء الدبلوماسي" إلى مربع "المسؤولية القانونية والجنائية".
وتابع المرزوقي: "تكمن أهمية هذه المطالبة في كونها تجسيدًا لمبدأ سيادة الدول وحقها الأصيل في حماية مقدراتها التنموية والاقتصادية، إذ إن استهداف المطارات، محطات الطاقة، والبنى التحتية، هو انتهاك صارخ للقانون الدولي والإنساني".
رفع كلفة التصعيد
وعلى المستوى السياسي، يقول الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي، إن هذه الخطوة الخليجية تهدف إلى "رفع كلفة التصعيد"، موضحًا أن المطالبة بالتعويض المادي تعني "اعترافًا ضمنيًا" بارتكاب خروقات قانونية، واعتداء على سيادة الدول التي تعرضت لاعتداءات، الأمر الذي يضع طهران أمام "مأزق قانوني دولي يعقّد موقفها في أي مفاوضات مستقبلية لرفع العقوبات أو أي تسويات أخرى".
وتابع: "الاصطفاف الخليجي على هذا المستوى هو رسالة حازمة مفادها، أن لغة البلطجة وقانون الغاب لا مكان لهما في العالم اليوم، وأن الدولة المعتدية يجب أن تتحمل دفع فاتورة أفعالها الإرهابية".
كما أن هذه الخطوة ستعزز حماية البنية التحتية الخليجية عبر خلق رادع اقتصادي وقانوني طويل الأمد، بحسب المصدر ذاته. ورغم تحديات التنفيذ الفعلي في ظل "الإنكار الإيراني" المستمر، إلا أن تثبيت هذه الحقوق في المحافل الدولية يمنع سقوطها بالتقادم، بل يؤكد للعالم أن دول الخليج، برغم دعواتها الدائمة للسلام والحوار وحسن الجوار، لن تتنازل عن حقوق مواطنيها ومكتسباتها الوطنية تحت أي ظرف من الظروف.
جرائم حرب
ويقول الدبلوماسي والباحث السعودي المختص في العلاقات الدولية سالم بن عسكر اليامي: "أصبح واضحًا للعالم أن ما يسمى بـ"الجمهورية الإسلامية" في إيران ارتكبت "جرائم حرب" خالفت بها القانون الدولي الإنساني، حيث استهدفت، بشكل متعمد، المنشآت المدنية تحديدًا في أكثر من بلد خليجي"، موضحًا لـ"المشهد" أن القانون الدولي يحتم مسؤولية على كل دولة تسببت في أضرار لدول أخرى بتحمل مسؤولية التعويض.
ومن ناحية سياسية، قد تأتي المطالبة بالتعويض كـ"أداة ضغط سياسي" على إيران، فضلًا عن كونها "رسالة للمجتمع الدولي"، بأن ما تدعيه إيران من وجود خلافات سياسية مع جيرانها ليس صحيحًا، وأن الأمر هو "عدوان واضح وصريح" على الخليج، حسبما يؤكد الدبلوماسي والباحث السعودي المختص في العلاقات الدولية.
ويردف: "المطالب الخليجية بالتعويض تشكل نقطة مهمة في أي ترتيبات قادمة، إقليمية أو أمنية أو سياسية في المنطقة، بحيث تعتبر التعويضات جزءًا من عناصر تفاوضية تحقق لدول الخليج خفضًا في التصعيد مع إيران، وتوفر ضمانات أمنية مستقبلية بعدم تكرار العدوان الإيراني".
تسوية سياسية
يتفق والرأي ذاته، الأكاديمي والمحلل السياسي الكويتي الدكتور عيسى محمد العميري، والذي يرى أن أي تسوية سياسية بخصوص الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي، لا يمكن أن تقتصر على التهدئة أو وقف إطلاق النار، بل يجب أن تتضمن إطارًا قانونيًا واضحًا للتعويضات وضمانات تمنع تكرار الاعتداءات مستقبلًا.
ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي الكويتي لـ"المشهد"، إن هذه الضمانات ليست مجرد "مطلب شكلي"، بل تشكل ركيزة أساسية لترسيخ مبدأ عدم الاعتداء في المنطقة، وضمان احترام السيادة الوطنية لدول مجلس التعاون الخليجي، لافتًا إلى أن التعويضات الإيرانية يجب أن تغطي الأضرار المادية التي لحقت بالمنشآت الحيوية والمدنية، بالإضافة إلى الأضرار التي أصابت المواطنين بشكل مباشر نتيجة الهجمات.
فيما أشار إلى أن العدوان الإيراني على دول الخليج، أدى إلى موجة من الخسائر المادية والبنية التحتية الهامة. وعليه، فإن أي حل سياسي مستقبلي يتجاوز مجرد وقف التصعيد، بل يجب أن يعالج التداعيات القانونية والمالية للعدوان، ويضع آليات لمحاسبة إيران على استهداف المنشآت المدنية والحيوية.
كما ألمح الأكاديمي والمحلل السياسي الكويتي إلى أن موقف المستشار قرقاش يعكس "إدراكًا إستراتيجيًا" لحجم التحديات التي تواجه دول الخليج في ظل الصراع الإقليمي مع إيران، حيث لا يقتصر التهديد على الجانب العسكري، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل التعويضات وضمانات عدم التكرار عنصرًا محوريًا لضمان استقرار المنطقة على المدى المتوسط والطويل.
ملفات متكاملة
ومن جهته، يقول الكاتب السياسي الإماراتي الدكتور جاسم خلفان إنه في أعقاب إقرار الأمم المتحدة مشروع قرار يدين الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والدول العربية، من دون اعتراض أيّ من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، يكتسب هذا القرار "صفة قانونية" تعزز من إمكانية تحرك الدول المتضررة للمطالبة بالتعويضات.
وبموجب هذا الإطار، والحديث للكاتب السياسي الإماراتي في حديثه لـ"المشهد"، يحق للدول المتضررة حصر وتوثيق الخسائر التي لحقت بها، سواء في المواقع العسكرية أو المنشآت المدنية، فضلًا عن الأضرار التي طالت الخدمات العامة، بما في ذلك البنية التحتية والبنية الفوقية إلى جانب الممتلكات الخاصة ومنازل المواطنين.
ويختم حديثه قائلًا: "يتيح القرار لهذه الدول تقديم ملفات متكاملة تتضمن تقديرات دقيقة لحجم الأضرار الناجمة عن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، تمهيدًا لرفعها إلى الأمم المتحدة، وفقًا للآليات القانونية المعتمدة، للمطالبة بالحصول على تعويضات عن الخسائر التي تكبدتها".