لا تتوقف تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عند حجم الدمار الهائل الذي خلّفته العمليات العسكرية، بل تمتد إلى ما يجري التعامل معه اليوم من أنقاض المباني والمنازل والأحياء التي دُمرت خلال الحرب.
فبينما تُطرح إزالة الركام باعتبارها خطوة ضرورية لفتح الطرق وتأمين المناطق وتهيئتها أمام عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار، تبرز في المقابل تساؤلات حقوقية وقانونية حول مصير هذا الركام، وما إذا كان نقله من أماكنه قبل إخضاعه للفحص يمكن أن يؤدي إلى فقدان أدلة قد تكون مهمة في التحقيقات المتعلقة بالحرب.

السر المرعب
وتعليقًا على هذه المعطيات الخطيرة، قال أستاذ العلوم السياسية حسام الدجني، للإعلامي محمد أبو عبيد في برنامج "استوديو العرب" المُذاع على قناة ومنصة "المشهد"، إنّ "ما تقوم به إسرائيل يمثل محاولة لطمس آثار الحرب"، معتبرًا أنّ الركام يشكل جزءًا أساسيًا من الأدلة التي يمكن أن تعتمد عليها لجان التحقيق الدولية لتقييم ما جرى خلال الحرب.
وقال الدجني إنّ إزالة الأنقاض قبل وصول فرق التحقيق والطب الشرعي قد تحرم هذه الجهات من إمكانية فحص المباني المدمرة، وتحديد طبيعة الأسلحة المستخدمة، ومعاينة مواقع سقوط الضحايا والبحث عن جثامين ما زالت تحت الركام.
واعتبر أنّ الهدف، بحسب تقديره، لا يقتصر على إزالة الأنقاض، بل يتصل أيضًا بإعادة تشكيل ملامح قطاع غزة وتغيير طبيعته العمرانية، بما يسمح بإعادة بناء القطاع بطريقة مختلفة عما كان عليه قبل الحرب.
وأشار الدجني كذلك إلى أبعاد جيوسياسية واقتصادية للعملية، متحدثًا عن أفكار سابقة تتعلق باستغلال الركام في مشاريع بحرية أو إنشاء مساحات جديدة مرتبطة بقطاع غزة.
كما طرح بُعدًا اقتصاديًا، معتبرًا أنّ المعادن والحديد والنحاس والألمنيوم الموجودة في المباني المدمرة يمكن أن تمثل قيمة اقتصادية كبيرة عند إعادة تدويرها، واتهم إسرائيل بالاستفادة من هذه المواد.
وفي ما يتعلق بالجثامين، شدًد الدجني على أنً نقلها أو التعامل معها بعيدًا عن أعين لجان التحقيق، يثير تساؤلات إضافية حول إمكانية توثيق ظروف مقتل أصحابها وتحديد المسؤوليات.
سرقة ركام غزة
بدوره، قال رئيس مركز صفدي للدبلوماسية الدولية والأبحاث وعضو حزب الليكود مندي الصفدي، إنّ "الحديث عن نقل الركام بهدف إخفاء الأدلة يمثل تشويهًا للحقائق"، مؤكدًا أنّ إسرائيل تزيل الركام لدواعٍ أمنية وإنسانية، وفي إطار الاستعداد لمرحلة إعادة إعمار قطاع غزة.
وأوضح الصفدي أنّ القوات الإسرائيلية تواجه، وفق روايته، مخاطر أمنية بسبب احتمال وجود عبوات ناسفة ومخلفات عسكرية بين الأنقاض، ولذلك فإنّ إزالة الركام تصبح ضرورية أمام تقدم القوات.
وأضاف أنّ الجانب الإنساني للعملية يرتبط، من وجهة نظره، بالانتقال إلى المرحلة التالية من الترتيبات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة وإعادة الإعمار.
ورفض الصفدي الاتهامات بأنّ إسرائيل تنقل الركام إلى خارج القطاع بهدف طمس الأدلة أو الاستفادة من المعادن الموجودة فيه، واعتبر هذه الطروحات مجرد "سرديات" لا تستند إلى أساس، نافيًا كذلك أن تكون إسرائيل قد نقلت جثامين فلسطينيين إلى داخل إسرائيل.
وأكد أنّ ما تقوم به إسرائيل، يتم بالتنسيق مع الجهات الدولية وأنه لا توجد ترتيبات تمنعها من إزالة الركام، خصوصًا عندما يشكل خطرًا أمنيًا على قواتها.
وفي ما يتعلق بإعادة إعمار غزة، قال الصفدي إنّ إسرائيل لا ترفض المرحلة المقبلة، وإنما تعمل على تهيئة الأرض للمرحلة القادمة، معتبرًا أنّ بقاء حركة "حماس" في القطاع يمثل العائق الأساسي أمام تحقيق هذه المرحلة من وجهة النظر الإسرائيلية.



