جدّد الرئيس التونسي قيس سعيّد، خلال مراسم تنصيب رئيس الحكومة الجديد أحمد الحشاني، الأسبوع الماضي، طرح ملف الفساد الإداري بالوظيفة العمومية المتعلق بالانتدابات.
وأشار سعيّد إلى مشروع قانون يهدف إلى مراجعة التعيينات التي تمت بناءً على "الولاءات والشهادات المزيّفة".
ويقع ملف الشهادات العلمية المزوّرة، أعلى قائمة أولويات الإصلاحات التي يدعو إليها الرئيس.
وبحسب خبراء فقد شهدت الوظيفة العمومية موجة انتدابات كبيرة مثيرة للشبهات بعد الثورة، وخلال فترة وجيزة، ما طرح جدلا حول مشروعية عمليات التعيين ومدى استيفائها لشروط الانتداب.
وكانت تقارير رسمية قد فجّرت أرقاما ضخمة عن كتلة الأجور المتعلقة بالانتدابات "المشبوهة" التي تتكبّدها ميزانية الدولة، والتي تكلفها بين 3 و4 مليار دينار سنويا.
من جهة أخرى، يتمسك صندوق النقد الدولي بإصلاح ملف الوظيفة العمومية في تونس، ويشترط السيطرة على كلفة الأجور، ويطالب بتعديل منظومة الانتدابات في الوظيفة العمومية والحدّ منها، قبل المصادقة على صرف قرض جديد بقيمة 1.9 مليار دولار.
انتدابات مشبوهة
تقوم الوظيفة العمومية في تونس على 680 ألف موظف، لهذه السنة، وبتكلفة أجور تعادل 31% من الدخل الخام لميزانية الدولة.
وحققت أرقام التوظيف العمومي في تونس ارتفاعا كبيرا، قام على انتداب 280 ألف موظف في فترة وجيزة بين 2012 و2014.
ويُعتبر حجم الموظفين كبيرا جدا مقارنة بحجم الاقتصاد والكثافة السكانية، وهو ما يُثقل الإدارة العمومية وتكلفة الأجور.
وأشارت أرقام رسمية إلى أنّ 37 % من المنتدبين تم التحاقهم بالوظيفة العمومية تحت غطاء مشبوه، ويقدّر عدد المنتسبين إلى الإدارة الحكومية، بـ120 ألف موظّف دخل للوظائف العمومية بشهادة مزوّرة، أو من دون احترام شروط الانتداب.
وكانت الحكومة قد أعلنت عن إطلاق حملة للتثبّت في جميع الشهادات العلمية بمختلف الوزارات، وذلك بعد تناقل تقارير إعلامية حول عمليات تزوير لهذه الوثائق، بهدف الحصول على وظائف في القطاع العمومي.
يقول الخبير في الاقتصاد السيد عزّ الدين سعيدان، في تصريح خاص لمنصة "المشهد"، إنه "ليس هناك حصر دقيق لعدد الانتدابات وفق الشهادات المدلسة والولاءات، ولكنّ التقديرات من محكمة المحاسبات في أحد التقارير، قد ذكرت بأنّ هناك نحو 11 ألف موظف تم انتدابهم بشهادات مزوّرة أو من دون احترام شروط الانتداب، في وزارة التربية فقط".
ويضيف المتحدث، أنّ "مدى صحة الأرقام غير مهم، بل المهم هو معالجة المشكل لأنّ الخطورة تكمن في حقيقة وجود هذا الفساد".
رخصة العفو التشريعي
كشف إبراهيم الميساوي رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد، عن أنّ الانتدابات الضخمة التي وقعت بعد 2011، ارتكزت سياسة على ممنهجة احتضنتها الحكومات المتعاقبة تحت حماية الحزب الحاكم في العشرية الماضية.
وبحسب الخبير وقعت عمليات التعيين في إطار اتفاقية السلم الاجتماعي بالتوافق بين حركة النهضة والرئيس راحل الباجي قايد السبسي، والتي اعتمدت على الانتدابات العشوائية وتوظيف أصحاب العفو التشريعي العام، وأبناء جرحى وضحايا الثورة، وهو ما فتح الأبواب أمام أصحاب الشهادات العلمية المزوّرة والكوادر الوهمية، للتسلل إلى الإدارة العمومية.
ويحمّل الخبير ورجل القانون، من خلال تصريح خاص لـ"المشهد"، مرسوم العفو التشريعي العام، المسؤولية في إرباك انتدابات الوظيفة العمومية والتي أصبحت تستند إلى الولاءات الحزبية، وخلقت ما يسمى بـ "توريث الوظيفة العمومية".
مضيفا أنّ هناك "قوة تسيطر على التوظيف والانتداب داخل الإدارة، ساهمت فيها النقابات"، وأنّ هناك غطاءً إداريا يعمل على عدم كشف الأرقام الحقيقة لملفات الانتداب المزوّرة.
ومرسوم العفو التشريعي العام، هو مرسوم عدد 1 لسنة 2011 مؤرخ في 19 فبراير يتعلق بالعفو العام، والمتمتعين بالعفو التشريعي العام، هم الأشخاص المحكوم عليهم قبل ثورة 14 يناير 2011، والذين كانت محاكمتهم ذات طابع سياسي أو إيديولوجي بالسجن أو في المنفى.
ونص مرسوم العفو التشريعي العام في فصله الثاني، على أنه يحق لكل من سيشملهم العفو العام العودة للعمل وطلب التعويض.
وبلغ عدد المنتفعين بالعفو التشريعي العام الذين تم انتدابهم عشوائيا في الوظيفة العمومية، من دون إجراء مناظرة بعد 2012، عدد 6839 موظفا، بحسب دراسة رسمية أنجزها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية.
وتم بعد عام 2014 انتداب 2929 موظفا من عائلات شهداء الثورة وجرحاها، بصفة عشوائية، وفق الدراسة ذاتها.
وبلغ عدد عمال المناولة والحضائر والآلية، 16 تم انتدابهم بعد سنة 2012 نحو 54 ألفا.
وتُتهم حركة النهضة باستغلال أحكام مرسوم العفو التشريعي لتوظيف أنصارها وقواعدها، بهدف الاستقطاب الانتخابي.
وتمت هذه الانتدابات تحت إشراف رئاسة الحكومة التي أكدت سنة 2013 تشكيل لجان بكل الوزارات، مهمّتها إعادة بناء المسار المهني للعائدين لوظائفهم، من المنتفعين بالعفو العام.
تضخّم الأجور
طالت عمليات تزوير الشهادات العلمية جميع القطاعات في الوظيفة العمومية التونسية، ولم يُستثن منها قطاع الصحة والتعليم والهندسة.
وأثرت الانتدابات التي لم تستوفِ شروط الانتداب، على جودة الخدمات التي تقدمها الإدارات التونسية، وسجلت الإدارة تراجعا كبيرا أصبح اليوم عائقا أمام الاستثمار وخلق نقاط النمو.
يشير الخبير عز الدين سعيدان، إلى أنّ الإدارة التونسية أصبحت من أغلى الإدارات في العالم مقارنة بحجم الاقتصاد وعدد السكان.
ويقول المتحدث في تصريح لـ"المشهد"، إنّ "كلفة الانتدابات غير النزيهة لـ 120 ألف ملف لم يحترم شروط التناظر، يكلف الدولة ما بين 3 و4 مليار دينار سنويا، وهي كلفة رهيبة جدا تقع على عاتق دافعي الضرائب".
مذكّرا بأنّ أكبر مشاكل تونس في علاقاتها المالية مع صندوق النقد الدولي، "هي كتلة الأجور التي ارتفعت، من دون احتساب المؤسسات العمومية، الى 23 مليار دينار بقيمة مضاعفة تقارب الـ 4 مرات مقارنة بسنة 2010، ما ينتج عنه مشكل تمويل في ميزانية الدولة التي تعاني بالأساس ثقل الدين العمومي".
مضيفا أنّ هذه الحصيلة هي ما تسببت في تراجع التصنيف الائتماني لتونس، وإمكانيات الدولة في الاستثمار العمومي، التي أصبحت لا تتجاوز 3 %. مبيّنا أنّ تونس أصبحت دولة مكلفة مبذّرة ومُنفقة من دون جدوى اقتصادية.
التدقيق لا يكفي!
يرى رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد، أنه لا بدّ من التدقيق عبر قراءة ميدانية علمية في الشهادات العلمية للمنتسبين للوظيفة العمومية، ويجب على الجهات الرسمية تحديد الأرقام الرسمية لعدد الموظفين في الإدارة التونسية.
مشدّدا على ضرورة فتح بحث أمني في عمليات الانتداب التي قارب 300 ألف بعد 2011، "وقراءة هذه الأرقام قراء أمنية استخباراتية وقانونية، لتجنّب شيطنة الادارة وحماية كل الأطراف".
وبحسب المتحدث لـ"المشهد"، فإنّ البحث الإداري لن يكون محميّا من لوبيات طمس الحقائق، "ونحن لا نثق في الأجهزة الرقابية التابعة لأجهزة الدولة، وأنا كرجل قانون أعتبر هذه الانتدابات جريمة".
كما يعتبر الميساوي أنّ "الجرأة على استئصال الورم"، تحتاج إلى الخروج عن الخطاب الشعبوي نحو العمل الفعلي، وتقديم الحقائق الكافية وتشديد الإرادة السياسية، وذلك عبر إعادة إحياء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وتفعيل الفصول القانونية.
ويناشد المتخصص من أجل رقمنة الإدارة التونسية، بغرض تحسين شبكية المعاملات وتفعيل الخدمات الآلية، لتجنّب المحسوبية والرشوة والتدخل البشري في المهام.
وبدروه يدعو عزّ الدين سعيدان، إلى المحاسبة وتحقيق العدالة الاجتماعية، و"استرجاع حق من لم يلتحق بالوظيفة العمومية من أصحاب الشهادات، بسبب توجيه الفرص لغير مستحقيها"، ومعالجة المشكل ليكون بابًا لمعالجة مشكل المالية العمومية المتأزمة.