منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، تحولت البلاد إلى الساحة الأبرز عالميًا لاستقطاب "الجهاديين المتشددين"، حيث تدفق إليها عشرات الآلاف من مختلف الجنسيات والدوافع الأيديولوجية والسياسية، ليصبحوا وقودًا للصراع الداخلي وذريعة لتدويله.
ورغم هزيمة تنظيم "داعش" عسكريًا عام 2019، فإنّ ملف هؤلاء المقاتلين لم يغلق بعد، وعاد إلى الواجهة مع تزايد الحديث عن محاولات لإعادة تجميعهم وإدماج بعضهم في تشكيلات عسكرية جديدة داخل سوريا.
"الجهاديون" في سوريا
عبر مسار التاريخ الحديث، لم تكن سوريا أول محطة لتجمع المقاتلين الأجانب، فقد سبقتها أفغانستان خلال حربها ضد الاتحاد السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي، حيث برز ما عرف لاحقًا بـ"الأفغان العرب" الذين مثلوا النواة الأولى لتدويل الحركات الجهادية.
ومع دخول أميركا للعراق عام 2003، انتقل كثير منهم إلى هناك وأسهموا في تأسيس تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"، قبل أن يمهدوا الطريق لظهور تنظيم "داعش". وهو ما يؤكد أنّ ظاهرة استغلال "الجهاديين" لم تكن حدثًا عابرًا، بل أداة متكررة في إستراتيجيات بعض القوى الدولية لإدارة النزاعات وإعادة رسم خرائط النفوذ.
في سوريا، لعبت بعض القوى الغربية دورًا مباشرًا أو غير مباشر في غضّ الطرف عن تدفق المقاتلين الأجانب، ثم إعادة توظيف بعض التنظيمات المحلية ضمن ترتيبات سياسية وأمنية تخدم مصالحها. وبذلك، فإنّ إعادة إنتاج هذه الظاهرة في سوريا، لا تمثل فقط امتدادًا للتجربة العراقية، بل تهدد بتحويل البلاد إلى مركز دائم لتدوير الجهاديين، واستخدامهم بما يلبي مصالح بعض القوى العالمية، وفقًا لمراقبين.
يقول الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان في حديث إلى منصة "المشهد"، إنّ حالة التنظيمات الجهادية والإسلامية في سوريا، مثل "هيئة تحرير الشام"، تمثل حالة محددة بسياقها الخاص، نشأت في إطار التنظيمات الإسلامية والجهادية، ولم تتجاوز حدود الوضع السوري. هذه التنظيمات لم تكن لديها طموحات خارج سوريا، وهو ما أتاح إمكانية تعديل سلوكها وقبولها ضمن ترتيبات سياسية محددة.
ويشرح سلطان:
- هذه التنظيمات والمكونات التي دخلت إلى الأرض السورية كان لها واقع محدد، ومن ضمن هذه المحددات قابليتها للتعاون والتحالف مع دول غربية ومع الولايات المتحدة لتلبية مصالح هذه الدول، واستعدادها للقبول بالترتيبات اللاحقة، ما أدى إلى قبولهم ودعمهم للوصول إلى السلطة في سوريا.
- فكرة تفكيك هذه التنظيمات الجهادية في سوريا، سواء كانت ضمن الهيئة أو خارجها مثل تنظيم "داعش" الذي لا يقبل التفاوض، كان من المفترض القضاء عليها واستهدافها ضمن عمليات مكافحة الإرهاب، بينما الهيئة مستمرة في مسارها، وكل من يخرج عن الهيئة أو لا يلتزم بالتوجيهات سيتم التعامل معه بشكل محدد وحاسم، أي تحييده، فيما من يقبل التفاهم سيتم دمجه ضمن الحالة السياسية القائمة.
- رؤية الشرع للحكم تعتمد على عدم الانتماء لأيّ تنظيم جهادي أو إسلامي، معتبرًا أنّ مرحلة التنظيمات انتهت، والمرحلة الحالية هي مرحلة الدولة وأنّ دور الإسلام السياسي في الحكم لن يكون وفق صيغاته التقليدية، بل بصيغة منفصلة تمامًا عن جوهره، بما يتوافق مع مصالح الدول الإقليمية.
في المقابل، يقول المحلل والباحث السوري عباس شريفة في حديث إلى "المشهد"، إنّ "تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا لم يعد قائمًا منذ نحو 2015–2016، خصوصًا بعد تكثيف الحرب الدولية على الإرهاب"
وأشار شريفة إلى أنّ ما لوحظ هو خروج عدد من هؤلاء الجهاديين من البلاد أو تحوّلهم عن الفكرة، لافتًا إلى أنّ "سوريا لم تعد ساحة جذب للجهاديين، وأنّ الحديث عن استقدامهم في السياق الحالي يتجاوز المرحلة الراهنة."
تعاون غربي سوري في ملف الإرهاب؟
في مايو الماضي، أثار السفير الأميركي السابق في سوريا، روبرت فورد، جدلًا واسعًا بعد أن كشف في محاضرة له عن لقاء جمعه بأحمد الشرع في إطار محاولة غير معلنة لتحويله من عالم الإرهاب إلى عالم السياسة.
وأوضح فورد أنّ مؤسسة بريطانية غير حكومية متخصصة في حل الصراعات، دعته عام 2023 للمساعدة في عملية إعادة تأهيل الشرع، تزامن ذلك مع دعم غربي تلقاه الشرع منذ وصوله إلى دمشق، ما طرح تساؤلات حول دور القوى الغربية في المشهد السوري، خصوصًا في ما يتعلق بالتعامل مع الجهاديين والتيارات الإسلامية.
ويشير محللون إلى أنّ فكرة استقطاب هذه الفصائل ثم تفكيكها لاحقًا بالتعاون مع القيادة السورية، تبدو منطقية نظريًا، إلا أنّ واقع الأرض في سوريا يعكس مشهدًا مختلفًا، حيث توقف تدفق المقاتلين الأجانب منذ منتصف العقد الماضي، وتعمل الدولة على دمج القوى القابلة للاندماج ضمن المؤسسات الرسمية، مع تحييد أو حل الهياكل التي لم تعد لها تأثير على الوضع الأمني والسياسي، بما يضمن استقرار الدولة وتعزيز سيادتها بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
وبحسب شريفة فإنّ هناك مصالح مشتركة بين الدول الغربية وسوريا في تفكيك المشهد الجهادي، بما يسهم في استقرار المنطقة، موضحًا أنّ "الرئيس الشرع لا يريد لسوريا أن تكون ساحة للجهاد الخارجي أو منفذًا لتصدير الأزمات، بل يسعى لتعزيز الدولة وتحقيق الاستقرار وفتح العلاقات مع الدول الصديقة".
وأكد شريفة أنّ "الدولة السورية لا تريد أن تتحول إلى أداة لتنفيذ أجندات أمنية خارجية، وأنّ الملف الأمني هو جزء محدود ضمن مسار الشراكة الدولية".
وفي ما يتعلق بتفكيك الجماعات الجهادية يشير شريفة إلى أنّ "رؤية الرئيس الشرع ترتكز على الدولة كمؤسسات وسيادة ومنظومة تحتكر العنف، وبالتالي لن يسمح بوجود أيّ قوى مسلحة خارج هذا الإطار، سواء كانت جهادية أو غير جهادية، يسارية أو طائفية أو جماعات دينية".
حل "الإخوان"
دعا المستشار الإعلامي للرئيس السوري أحمد موفق زيدان جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى حل نفسها.
جاء ذلك في وقت شهدت فيه جماعة الإخوان المسلمين مع بداية 2011 انتعاشًا ملحوظًا، إذ برز دورها بشكل واضح داخل صفوف المعارضة. فقد أسهمت في تأسيس المجلس الوطني السوري في العام نفسه، ثم في تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة عام 2012، إضافة إلى حضورها الفاعل في هيئة التفاوض السورية.
ويرى سلطان أنّ "الدعوة لحل التنظيم جاءت ضمن قرار فعلي من الإدارة السورية الجديدة بحظر أنشطة الإخوان منذ تولي الشرع مهامه، استجابةً لطلب إحدى الدول الإقليمية".
وأوضح سلطان أنّ "هذا الحظر شمل منع الإخوان من المشاركة في أيّ فعالية أو سلطات مرتبطة بإدارة الشرع، مؤكدًا أنّ الرئيس يسعى لرسم خطة منفصلة عن هؤلاء الراديكاليين لضمان استقرار الحكم وعدم تكرار الخراب والدمار السابق".
وأكد سلطان أنّ "المرحلة الحالية تتطلب التزام الجميع بالقوانين والتفاهمات، وأنّ أيّ تنظيم أو عنصر يخرج عن هذا الإطار سيتعامل معه بحزم"، مشددًا على أنّ الهدف هو دمج القابلين للاندماج في الدولة وتصفية غير القابلين، بما يضمن استمرار الاستقرار وإعادة البناء من دون العودة إلى أخطاء الماضي.
وحول حل جماعة الإخوان المسلمين، يوضح شريفة أنّ "القيادة السورية تؤيد حل الجماعة، لكنها لا تمتلك الأدوات القانونية لفرض ذلك".
وأوضح شريفة أنّ "هناك دعوات من داخل التنظيم لحل الجماعة ذاتيا، نظرًا لانعدام وزنها السياسي والاجتماعي والعسكري على الأرض، ولتخفيف العبء التاريخي والإرث المرتبط بالاسم، والهدف هو تأمين الحياة السياسية في سوريا على أسس وطنية وبرامجية بعيدًا عن الحسابات الدينية".