على الرغم من وجود تحديات عديدة تواجه تطوير المنظومة الصحية وتحسين الخدمات الطبية في مصر، إلا أنّ أهم وأخطر تلك التحديات: "الهجرة"، أي عزوف الأطباء عن العمل في القطاع الحكومي، وتزايد سعيهم للهجرة خارج البلاد لأسباب ودوافع مختلفة وعديدة، يعتبرها الكثير من الأطباء طاردة لهم وليست جاذبة.
ووفقا لإحصاءات رسمية فيبلغ معدل الأطباء في مصر 9.2 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، أي أقل من طبيب لكل 500 مواطن، في حين يصل معدل الأطباء العالمي إلى نحو 23 طبيبا لكل 10 آلاف مواطن، وهو الأمر الذي يشير إلى وجود نقص كبير في عدد الأطباء داخل البلاد.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كان قد تحدث في وقت سابق عن أزمة هجرة الأطباء وأسبابها، وأكد أنّ الرواتب التي يحصلون عليها في مصر لا تناسبهم، وطالب من جهته الحكومة بتقديم حزم تحفيزية للأطباء، بتطوير منظومة مالية من شأنها الارتقاء بدخل الطبيب وتحسين بيئة العمل الخاصة بهم، خصوصا في التخصصات الطبية النادرة، مع منح امتيازات خاصة للأطباء العاملين في المحافظات النائية، وكذلك تعديل منظومة تكليف الأطباء بالكامل.
وفي أكتوبر عام 2022 كشف تقرير المجلس الطبي العام في بريطانيا، عن زيادة أعداد الأطباء المصريين الذين هاجروا إلى بريطانيا، حيث بلغ عددهم نحو 5 آلاف طبيب خلال السنوات الـ5 الأخيرة، وبحسب التقرير فإنّ عدد الأطباء المصريين في بريطانيا عام 2017 بلغ 435 طبيبًا، وارتفع في العام التالي 2018 إلى 756 طبيبًا، ثم زاد إلى 1301 طبيب في 2019، ثم زاد إلى 1312 عام 2020، ولا تزال الارتفاعات مستمرة ولم تنتهِ.
أبرز أسباب هجرة الأطباء للخارج
وللوقوف عند تنامي الزيادة المطردة في معدلات استقالة الأطباء من القطاع الحكومي للهجرة خارج البلاد، التقت منصة "المشهد"، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري الدكتورة إيناس عبد الحليم، والتي بدورها أفصحت عن الأسباب التي تدفع الأطباء الشباب للهجرة خارج مصر، حيث أوضحت أنّ أبرز تلك الأسباب يتمثل في "التدريب، فعملية تدريب الأطباء وحصولهم على التخصصات والشهادات العلمية المميزة، والوصول بهم إلى درجة "اختصاصي"، يعدّ موضوعا في غاية الصعوبة، ويحتاج إلى تكاليف مالية ضخمة، إضافة إلى تدني الأجور المالية والتي تكون أقل بكثير في كل الأماكن التي يعمل بها الأطباء البشريون على مستوي العالم"، موضحة في الوقت ذاته أنّ أعداد الأطباء المهاجرين إلى الخارج بداية من عام 2019 حتى اليوم، بلغ قرابة 10 آلاف طبيب.
كفاءة الطبيب المصري
وأوضحت عضو لجنة الصحة بالبرلمان، أنّ الأطباء المصريين خصوصا الشباب منهم حديثي التخرج، تتهافت عليهم دول العالم المختلفة حتى من دون الزامهم بعمل "معادلات"، خصوصا دول بريطانيا وإسبانيا والبرتغال، وإيطاليا وأميركا، والسبب في ذلك الكفاءة التي يتمتع بها الطبيب المصري على مستوى العالم، واستشهدت النائبة في ذلك بالمناصب المهمة التي تُسند إلى الأطباء المصريين في العديد من دول أوروبا، والشهرة التي يتمتع بها الكثير منهم في دول العالم المتعددة.
نقص الأطباء
وكشفت الدكتورة إيناس عبد الحليم عن وجود عجز في عدد الأطباء البشريين داخل المستشفيات الحكومية، مشيرة إلى أنّ أعداد خريجي كليات الطب على مستوي الدولة، يتراوح ما بين 8 آلاف إلى 9 آلاف طالب، مؤكدةً أنّ هناك بعض الخطوات التي لجأت إليها الدولة لسد هذا العجز، من بينها زيادة أعداد كليات الطب سواء الحكومية أو الخاصة، من أجل زيادة أعداد الخريجين وتحسين الرواتب بعض الشيء، والانتهاء من قانون المجلس الصحي المصري، والذي سيساعد بدوره في عمليات تدريب الأطباء بالشكل المطلوب، بالإضافة إلى مدّ سن معاش الأطباء إلى (65) عاما بدلا من (60) عاما، كما يتم التعاقد حاليا مع الأطباء الذين بلغوا سن المعاش للاستفادة من خبراتهم.
دور البرلمان
وحول دور لجنة الصحة بمجلس النواب المصري تجاه التصدي لظاهرة هجرة الأطباء الشباب وتحسين أحوال المنظومة الصحية في مصر، أوضحت الدكتور إيناس لـ"المشهد"، أنّ اللجنة قامت بالعديد من المجهود في هذا الصدد، من بينها قانون مجلس الصحة المصري وقانون مد سن المعاش للأطباء من 60 سنة إلى 65 سنة، والتعاقد مهم بعد بلوغ سن المعاش للاستفادة من خبراتهم، إضافة إلى مناقشة مشكلات الأطباء مع مسؤولي وزارة الصحة، وعقد لجان استماع مع العديد من شباب الأطباء للتعرف إلى أهم وأبرز قضاياهم، وهناك لجنة قومية مشكّلة من قبل وزارة الصحة لدراسة مشكلات الأطباء وكيفية وضوع حلول عاجلة لأوضاعهم الحالية في مقدمتها ظاهرة الهجرة.
كيف تنظر نقابة الأطباء لهجرة أبنائها؟
ومن جهته يقول نقيب الأطباء في مصر الدكتور حسين خيري لمنصة "المشهد"، إنّ الأسباب التي تدفع الأطباء إلى الهجرة لا تزال قائمة حتى الآن، ولم تحل، وأنّ أعداد الأطباء المهاجرين في تزايد مستمر من عام لآخر، وأكد أنّ هذه الأزمة تسهم في تدني مستوى الخدمات الصحية في مصر، وتزيد من مشاكله الحالية في الوقت الذي لا يزال فيه الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة منخفض بشكل عام (نحو 5 في المئة من موازنة الدولة وفق الدستور)، وهو الأمر الذي يتطلب تدخلات عاجلة من الدولة.
نقيب الأطباء أوضح عدم وجود مميزات تدعوا الأطباء للبقاء في مصر والعمل بالمستشفيات الحكومية، بل العكس تماما فوجودهم يعرّض مستقبلهم وحياتهم للخطر بداية من تدني أوضاعهم الاجتماعية بسبب قلة الرواتب، ومرورا بعدم وجود فرص تدريبية كافية تؤهلهم لكسب خبرات علمية محترمة، ووصولا إلى تعرّضهم للتعديات التي تصل إلى حد "الضرب" من قبل ذوي المرضي بشكل مستمر داخل المستشفيات، كما أنّ الإعلام داخل الدولة كثيرا ما يهاجم أفراد المنظومة الطبية عند وجود أيّ مشكلات تخص المرضي، وبالتالي يفكر الأطباء في الهروب من كل هذه التحديات بالهجرة خارج البلاد من أجل العمل في بيئة أكثر استقرارا.
تجارب أحد الأطباء
ويروي محمود أبو شنب لمنصة "المشهد"، وهو طبيب مصري شاب يعمل الآن داخل المملكة العربية السعودية، عن الدوافع التي كانت سببا في ترك عمله بوزارة الصحة المصرية، فيقول إنّ تدنّي راتبه كان أحد أهم أسباب سفره إلى السعودية، حيث إنّ راتب الأطباء في مصر يُعدّ الأدنى بين الفئات الموجودة داخل الدولة، وكذلك المستويات العالمية، بالإضافة إلى مقارنة بالمجهود العلمي والذهني المبذول طوال سنوات دراستهم، بالإضافة إلى قلة فرص التدريب والتأهيل بالمستشفيات الحكومية، ويضيف محمود أبو شنب، أنّ هناك تحديات وصعوبات عديدة يوجهها الطبيب في مصر، قد تعمل على إنهاء مستقبله العملية، من بين هذه التحديات أنه في حالة ارتكاب خطأ طبي من قبل الطبيب، فقد يحاسب بالقانون الجنائي وليس القانون الطبي، وبالتالي يدخل في صراع شديد في دائرة التقاضي الجنائية التي لا تعترف في كثير من الأحيان برأي اللجان الطبية المتخصصة، وتراها غير ملزمة في التقاضي" ويؤكد أبو شنب أنّ هذه كلها عوامل دفعته وتدفع الكثير من زملائه للهجرة خارج مصر.
وتجدر الإشارة إلى أنّ مصر شهدت إنشاء أول مدرسة للطب بالشرق الأوسط في مارس من عام 1827، حيث أمر بإنشائها آنذاك محمد علي باشا الذي كان واليا على مصر، وبُنيت في منطقة أبو زعبل قبل أن تنتقل إلى منطقة القصر العيني بقلب العاصمة القاهرة، ومع مرور الأعوام باتت مصر تعاني نقصا في عدد الأطباء العاملين بالمستشفيات الحكومية، بسبب هجرة الكثير منهم للخارج، نظرا لتدني أوضاعهم المعيشية والعلمية.