لا تزال مصر تسابق الزمن وتبذل قصارى جهدها عبر إطلاق العديد من المبادرات والقرارات المهمة، لتوفير العملة الصعبة التي تشتد الحاجة إليها وتزداد يوما بعد يوم، واحتواء أزمة شحّ الدولار والسيطرة على السوق والمضاربات، التي تسببت في ارتفاعات عنيفة لمختلف العملات الصعبة.
آخر هذه الجهود كان إعلان الحكومة المصرية قرارا يتضمن إلزام الأجانب المقيمين بالبلاد بصورة غير مشروعة، بتوفيق أوضاعهم وتقنين إقامتهم، شريطة وجود مُستضيف مصريّ الجنسية، وذلك خلال 3 أشهر من تاريخ العمل بالقرار، مُقابل سداد مصروفات إدارية بما يعادل "ألف دولار أميريكي، "تُودع بالحساب المخصص لذلك، وفقًا للقواعد والإجراءات والضوابط التي تحددها وزارة الداخلية.
وبحسب القرار الذي أصدره رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، فإنه يتعيّن على الأجانب المتقدمين للإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية، للحصول على حقّ الإقامة للسياحة أو لغير السياحة، تقديم إيصال يفيد قيامهم بتحويل ما يعادل رسوم (الإقامة - غرامات التخلف - تكاليف إصدار بطاقة الإقامة) من الدولار أو ما يعادله من العملات الحرة، إلى الجنيه المصري، من أحد البنوك أو شركات الصرافة المعتمدة".
تساؤلات عديدة رافقت قرار الحكومة المصرية حول تقنين أوضاع الأجانب المقيمين بطرق غير شرعية، منها: "ما أوجه استفادة الحكومة المصرية من تقنين أوضاع المقيمين بطرق غير شرعية على أراضيها؟ هل يدعم القرار احتياطيّ النقد الأجنبيّ بمصر، بجانب المصادر الرئيسية لتوفير العملة الصعبة؟ هل ثمّة مخاطر تتعلق بالأمن القومي للبلاد من جرّاء هذا القرار؟ منصة "المشهد" حاولت الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال عدد من المتخصّصين.
القرار يشمل جميع الجنسيات المقيمة
أشار رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان الدكتور عصام شيحة لمنصة "المشهد"، إلى أنّ أرقام اللاجئين دائما في تزايد، خصوصا بمنطقة الشرق الأوسط، وهو سبب رئيسي للجوء عدد كبير منهم للدولة المصرية، مضيفا وجود أكثر من 60 جنسية موجودة في مصر، ومصر ملجأ اللاجئين منذ القدم.
وأشار رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إلى أنّ قرار الحكومة في مصر بتقنين أوضاع الأجانب المقيمين بطرق غير شرعية، يشمل جميع الأجانب الموجودين على الأراضي المصرية من دون استثناء أيّ جنسية بعينها، عدا المقيّدين لدى مفوضية اللاجئين، أو الحاصلين على موافقة بالإقامة من الحكومة المصرية، وكل من ليست لديهم أوراق إقامة، مصيفا أنّ القرار الحكومي لن يؤثر على أوضاع اللاجئين والنازحين، سواء الموجودين بالفعل على الأراضي المصرية أم القادمين الجدد.
مكاسب عديدة
أما الخبيرة المصرفية الدكتورة رانيا الجندي، فقد أثنت على قرار الحكومة بتوفيق أوضاع الأجانب المقيمين بطرق غير شرعية، وكاشفة عن أنّ وجه الاستفادة الرئيسي من هذا القرار، هو زيادة النقد الأجنبي من الدولار وباقي العملات الاستراتيجية الأخرى بخزينة الدولة، وهو الأمر الذي من شأنه أن يوفر على أقل تقدير، ما يقرب من "2 مليار دولار"، وذلك ما يُنعش احتياطيّ النقد بعد وصوله خلال يوليو الماضي إلى نحو "34.878 مليار دولار".
وتابعت رانيا الجندي أنّ قرار الحكومة سيمنح الأجانب المقيمين داخل الدولة، القدرة على البحث عن فرص عمل، أو تنفيذ مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر، وهو ما سيؤدي إلى الدفع نحو زيادة الطاقة الإنتاجية.
أين ستذهب الأموال؟
وعن كيفية استغلال المبالغ التي سيتم تحصيلها من هذا القرار، أوضحت الخبيرة المصرفية أنّ الحكومة المصرية ستستغل تلك المبلغ في العديد من الأمور المهمة، وفي مقدمتها فاتورة الاستيراد لتوفير السلع الاستراتيجية والمهمة التي تحتاجها الدولة، والتي تتطلب سيولة دولارية كبيرة، إضافة إلى سداد أقساط القروض المتراكمة على مصر، والتي تشكل عبئًا كبيرا على كاهل الاقتصاد المصري الذي يمر بتحديات جسام.
هل هناك مخاطر أمنية؟
وحول الحديث عن المخاوف الأمنية التي قد تحدث داخل البلاد من جرّاء هذا القرار، خصوصا أنّ المستهدفين هم المقيمون بطرق غير شرعية، أكد اللواء رضاء يعقوب خبير مكافحة الإرهاب الدولي، أنّ هذا القرار يخضع لضوابط قوية ومُحكَمة وضعتها الجهات المختصة للحفاظ على سلامة وأمن البلاد، موضحا عدم وجود أيّ مخاطر محتملة الحدوث من جرّاء هذا القرار.
القرار ينظم أوضاع الأجانب
وذكر اللواء يعقوب في حديثه لـ"المشهد"، أنّ المقيمين الأجانب سيتمكنون من الحصول على إقامة رسمية وعدم التعرض للملاحقات الأمنية، بالإضافة إلى تمكّنهم من الحصول على الخدمات كافة المقدمة للأجانب الموجودين في مصر بشكل مؤقت.
وقال الخبير الأمني إنّ هذا القرار يهدف إلى تنظيم أوضاع الأجانب المقيمين في مصر بطريقة غير شرعية، مع مراعاة القوانين الدولية المعنية بالهجرة والإقامة، التي تهدف إلى تحسين إجراءات الإقامة وتبسيطها.
مصر تحتضن 6 ملايين لاجئ
وأوضح خبير مكافحة الإرهاب الدولي، أنّ مصر تعمل على إيواء عدد كبير من المواطنين العرب، خصوصا من الذين هربوا من جحيم المعارك العسكرية والصراعات المسلحة في بلدانهم، وبالتحديد من دول السودان وسوريا واليمن، وهناك نحو 6 ملايين لاجئ ومهاجر يتمتعون بكل حقوق المواطنين، وظلت مصر الدولة الوحيدة تقريبا التي لا تحجز اللاجئين في معسكرات أو خيام، وتتعامل معهم بشكل كريم، وتقدّم لهم كل الخدمات الصحية والتعليمية والنقل والمواصلات والإقامة، ويظهر هذا في حرية حركة اللاجئين في أحياء القاهرة والمحافظات، موضحا أنّ مصر لم تستغلّ ملف اللاجئين لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، أو كأوراق ضاغطة في سياستها الخارجية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ مصر قد استحدثت حالات جديدة لمنح الأجانب الإقامة المؤقتة لغير السياحة، مقابل شراء عقار أو وديعة بنكية بالدولار خصوصا مع استمرار أزمة نقص النقد الأجنبي ومخاوف من عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الجهات الدائنة، وشراء مستلزمات السلع والاحتياجات الاستراتيجية.